الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
[وبه أَستعين، رب يسر وأعن يا كريم](1)
[خطبة الكتاب]
الحمد للَّه الذي خلق خلقه أَطْوَارًا، وصَرَّفهم في أطوار التخليق كيف شاء عِزَّةً واقتدارًا، وأرسل الرسل إلى المُكَلَّفين إعذارًا منه وإنذارًا، فأتَمَّ بهم (2) على من اتبع سبيلَهم نعمته (3) السابغة، وأقام بهم على مَنْ خالف مَنَاهجهم حجته البالغة، فنصَبَ الدليلَ (4)، وأنار السبيل، وأزاح العِلَل، وقطع المعَاذير، وأقام الحجَّة، وأوضح المحَجَّة (5)، وقال:{هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: 153]، وهؤلاء رسلي {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] فعمَّهم بالدعوة على ألسِنَةِ رسلهم (6) حجّةً [منه](7) وعَدْلًا، وخَصَّ بالهداية مَنْ شاء منهم نعمةً [منه](8) وفضلًا، فقبِلَ نعمةَ الهداية مَنْ سبقت له [من اللَّه](8) سابقة السعادة، وتَلَقَّاها باليمين، وقال:{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] ، ورَدَّها مَنْ غَلَبَتْ عليه الشقاوة ولم يرفع بها رأسًا بين (9) العالمين، فهذا فضلُه وعَطَاؤه {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (10) [الإسراء: 20] ، ولا فَضْلُه بممنون (11)، وهذا عَدْله وقضاؤه فـ {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
(1) ما بين المعقوفتين من (ك) فقط.
(2)
في (ك): "لهم".
(3)
في (ق) و (ن): "نعمه".
(4)
في (ك): "ونصب الدلائل".
(5)
"المحجة": جادة الطريق (ط).
(6)
في (ق): "رسله".
(7)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ن).
(8)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(9)
في (ك): "من".
(10)
بدل الآية في (ن) و (ق) و (ك): "وما عطاؤه بمحظور".
(11)
"المحظور": الممنوع، و"الممنون": المقطوع، أو الذي يمن به معطيه (د)، ونحوه في (ط).
وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] فسبحان مَنْ أفاض على عباده النعمة، وكَتَب على نفسه الرحمة، وأودع الكتابَ الذي كتبَه، أنَ رحمتَه تغلب غضبه، وتبارك (1) مَنْ له في كل شيء على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وحكمته أعْدَلُ شاهد، ولو لم يكن إلَّا أنْ فاضَلَ بين عباده في مراتِب الكَمَال (2)، حتى عَدَل (3) الآلافَ المؤلَّفَةَ منهم بالرجل الواحد، ذلك ليُعلِم عباده أنه أنزل التوفيقَ مَنَازِلَه، ووضع الفضلَ مواضعه، وأنه يختصُّ برحمته مَنْ يشاء وهو العليم الحكيم، وأن الفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.
أحمدُه -والتوفيقُ للحمد من نعمه-، وأشكره -والشكرُ كفيلٌ بالمزيد من فضله [وكرمه](4) وقَسْمِه-، وأستغفره، وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زَوَالَ [نعمه، وحلول نقمه](5).
وأشهد أنْ لا إله إلا اللَّه -وحده لا شريك له-، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وفَطَر اللَّه عليها جميعَ المخلوقات، وعليها أُسِّسَتِ الملة، ونُصِبت القِبلة، ولأجلها جُرّدت سيوف الجهاد، وبها أمر اللَّه سبحانه جميعَ العباد؛ وهي (6) فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، ومفتاحُ عُبُوديته التي دعا الأمم على ألسن رُسُله إليها، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السَّلام، وأساس الفرض والسُّنَّة، ومَنْ كان آخر كلامه: لا إله إلا اللَّه؛ دخَل الجنة.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخِيرَتُه (7) من خلقه، وحجته على عباده، وأمِينُه على وَحْيه، أرسله رحمةً للعالَمين، وقُدوةً للعالِمين (8)، ومَحَجَّةً للسالكين، وحُجَّةً على المعَاندين، وحَسْرةً على الكافرين.
أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى اللَّه بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنعم به على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شُكورًا، فأَمدَّه بملائكته المُقَرَّبين (9)، وأيَّده بنصره وبالمؤمنين، وأنزل عليه كتابه المبين، الفارقَ بين الهُدَى والضلال، [والغي والرشاد](10)، والشك واليقين، فشرَحَ
(1) في (ق): "فتبارك".
(2)
في (ك): "الجمال".
(3)
في (ق) و (ن): "حتى تعدل".
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(5)
في (ك): "نعمته وحلول نقمته".
(6)
في المطبوع: "فهي".
(7)
"بفتح الياء وسكونها"(و).
(8)
في (ق): "للعاملين".
(9)
في (ق): "بالملائكة المقربين".
(10)
بدل ما بين المعقوفتين في (ق) بياض.