الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل [الحكمة في رد شهادة الكذاب]
وأقوى الأسباب في رد الشهادة والفُتيا والرواية الكذبُ؛ لأنه فسادٌ في نفس آلة الشَّهادة والفتيا والرواية، فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال، وشهادة الأصم الذي لا يسمع على إقرار المقر؛ فإن اللسان الكذوب بمنزلة العُضو الذي [قد](1) تعطل نَفْعُه، بل هو شر منه، فشرُّ ما في المَرْء لِسانٌ كَذوبٌ؛ ولهذا يجعل اللَّه [-سبحانه-](1) شعارَ الكاذب عليه يوم القيامة، وشعارَ الكاذب على رسوله (2) سَوَاد وجوههم، [والكذبُ له تأثير عظيم في سواد الوجه، ويكسوه بُرْقُعًا من المقْت يراه كلُّ صادق؛ فسيما الكاذب في وجهه](3) يُنادي عليه (4) لمن له عينان، والصادق يرزقه اللَّه مَهَابة وجَلالة (5)، فمن رآه هابه وأحبه، والكاذب يرزقه إهانة (6) ومَقْتًا، فمن رآه مَقَته واحتقره، وباللَّه التوفيق، [وإليه ننيب](7).
فصل [رد شهادة المجلود في حد القذف]
وقول أمير المؤمنين رضي الله عنه في كتابه: "أو مجلودًا في حد" المراد به القاذفُ إذا حُدَّ للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك، وهذا متفقٌ عليه بين الأمة قبل التوبة (8)، والقرآن نص فيه (9).
[حكم شهادة القاذف بعد التوبة]
وأما إذا تاب، ففي قبول شهادته، قولان مشهوران للعلماء: أحدهما لا تقبل،
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في (ق): "رسوله صلى الله عليه وسلم".
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4)
في (ق) و (ك): "ينادي عليهم".
(5)
في (ق): "حلاوة ومهابة".
(6)
في (ق): "يرزقه مهانة" وفي (ك): "يرزقه اللَّه مهانة".
(7)
ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(8)
في (ك): "بين الأئمة قبل التوبة" وانظر عقوبات القاذف في "زاد المعاد"(2/ 113 - 115)، (3/ 210)، و"الحدود والتعزيرات"(ص 224 - 244).
(9)
فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} [النور: 4].
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق (1)، والثاني تقبل، وهو قول مالك (2) والشافعي (3) وأحمد (4)؛ وقال ابن جُرَيْج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عَبَّاس: شهادةُ الفاسق (5) لا تجوز وإن تاب (6). وقال القاضي إسماعيل: ثنا أبو الوليد: ثنا قيس، عن سالم، عن قيس بن عاصم قال: كان أبو بكرة إذا أتاه رجل يُشهده قال: أشْهِدْ غيري، فإن المسلمين قد فَسَّقُوني. وهذا ثابت عن مجاهد وعكرمة والحسن ومسروق والشعبي، في إحدى الروايتين عنهم، وهو قول شُريح (7).
(1) انظر "مختصر الطحاوي"(332)، "اللباب"(4/ 60)"المبسوط"(16/ 125)، "مختصر القدوري"(107)، "روضة القضاة"(1/ 258)، "شرح أدب القاضي"(4/ 443)، "أدب القضاة"(329) للسروجي، "البناية"(7/ 164)، "أحكام القرآن"(3/ 273) للجصاص، "الكشاف"(3/ 62)، "رؤوس المسائل"(536) كلاهما للزمخشري، "جامع الأسرار"(2/ 327 - 328) للكاكي، "البحر الرائق"(7/ 86)، "تبين الحقائق"(4/ 219)، "درر الحكام"(2/ 378).
(2)
"الإشراف"(5/ 58 - بتحقيقي)، "المعونة"(3/ 1537) كلاهما للقاضي عبد الوهاب، "تفسير القرطبي"(12/ 180، 181)"المنتقى"(5/ 207)، "شرح الزرقاني على الموطأ"(3/ 390)، "تبصرة الحكام"(1/ 223)، "تفسير القرطبي"(12/ 180 - 182)، "شرح الزرقاني على مختصر خليل"(8/ 112)، "حاشية الدسوقي"(4/ 73).
(3)
"الأم"(7/ 89)، "المهذب"(2/ 331)، "المنهاج"(ص 153)، "مختصر الخلافيات"(5/ 148 رقم 357)، "معرفة السنن والآثار"(14/ 264)، "السنن الكبرى"(10/ 152 - 154)، "أدب القاضي"(1/ 303) لابن القاص، "مغني المحتاج"(4/ 439)، "نهاية المحتاج"(8/ 138)، "فتح الوهاب"(2/ 121)"حاشية البجيرمي على الخطيب"(4/ 385).
(4)
"التمهيد" للكلوذاني (2/ 91)، "العدة"(2/ 678) لأبي يعلى، "روضة الناظر"(2/ 185)، "الوصول"(1/ 251) لابن برهان، "المسودة"(156)، "شرح الكوكب المنير"(3/ 312)، "مختصر الطوفي"(112)، "مختصر البعلي"(120)، "قواعد ابن اللحام"(257).
(5)
في (ق): "شهادة القاذف".
(6)
روى أبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، وابن المنذر وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ"(رقم 269) عن ابن عباس {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} ثم استثنى {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} ، فتاب اللَّه عليهم من الفسوق، وأما الشهادة فلا تجوز، وذكر نحوه من رواية ابن مردويه، أفاده السيوطي في "الدر المنثور" (6/ 130) وقال ابن حزم في "المحلى" (9/ 431):"روينا من طريق ابن جريج. . . " به.
(7)
رواه البيهقي في "سننه"(10/ 152) من طريق قيس عن سالم بهذا الإسناد، لكن وقع عند البيهقي سعيد بن عاصم بدل قيس بن عاصم ولعل الصواب قيس حيث إني لم أجد راويًا اسمه سعيد بن عاصم. =
واحتج أرباب هذا القول بأن اللَّه سبحانه أبَّدَ المنع من قبول شهادتهم (1) بقوله: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4]، وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى التائبين من الفاسقين، وبقي المَنْعُ من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده.
قالوا: وقد روى أبو جعفر الرَّازي، عن آدم بن فَائِد، عن عَمرو بنَ شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام ولا محدودة، ولا ذي غَمْرٍ (2) على أخيه" وله طرق إلى عمرو، ورواه ابن ماجه من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو، ورواه البيهقي من طريق المثنى بن الصَّبَّاح عن عمرو (3)، قالوا: وروى يزيد بن أبي زياد الدِّمشقي، عن الزُّهريّ، عن عُروة، عن عائشة ترفعه: "لا تجوز شهادة خَائنٍ ولا خَائنةٍ، ولا مجلود في حَدٍّ، ولا ذي غَمْر لأخيه، ولا مُجَرَّب عليه [شهادة](4) زور، ولا ظَنين في ولاء أو
= وسالم المذكور في الإسناد هو ابن عجلان الأفطس من الثقات مات سنة 132، ولم أجد في الرواة من اسمه قيس بن عاصم إلا صحابيًا وسالم لم يدركه قطعًا وقيس المذكور هو قيس بن الربيع فيه كلام -وكأن البيهقي يميل إلى تضعيف الأثر فقد قال بعده:"وهذا إن صح" ثم وجدت المصنف ينقل هذا الأثر عن ابن حزم في "المحلى"(9/ 431) قال: "روينا من طريق إسماعيل بن إسحاق به" وصرح بأن أبا داود هو الطيالسي. وسالم هو الأفطس.
وقول الحسن في عدم قبول شهادة القاذف: رواه عبد الرزاق (15554 و 13572)، عن معمر عن قتادة، أو غيره عن الحسن، وله طريق آخر، أخرجه عبد الرزاق (15555)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ"(رقم 273)، وابن جرير (18/ 62)، ورواه أبو عبيد (رقم 272) والبيهقي (10/ 156) من طريق يونس عن الحسن.
وقول شريح: رواه عبد الرزاق (13574، 15553)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ"(رقم 270، 271)، ووكيع في "أخبار القضاة"(2/ 284)، وابن جرير في "التفسير"(18/ 62 - ط المعرفة)، والبيهقي (10/ 156).
وقول الشعبي: رواه عبد الرزاق (برقم 15552 و 13576)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 153). وحكاه ابن حزم في "المحلى"(9/ 431) عن المذكورين جميعًا.
(1)
في (ن): "شهادة".
(2)
"حقد وضغن"(و).
(3)
أخرجه أحمد (2/ 181 و 204 و 208 و 225)، وأبو داود (3600 و 3601)، وعبد الرزاق (رقم 15364)، وابن ماجه (2366)، وابن جميع في "معجم الشيوخ"(ص 108)، وابن مردويه في "ثلاثة مجالس من أماليه"(رقم 28)، وابن عدي (6/ 2209)، والدارقطني (4/ 244)، والبيهقي (10/ 155 و 200 و 201)، من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وطرقه كلها ضعيفة ولكن يُقوِّي بعضها بعضًا، وانظر تعليقي على "الموافقات" للشاطبي (4/ 65 - 66).
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
قرابة" (1)، وروى عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
قالوا: ولأن (2) المنع من قبول شهادته جُعِلَ من تمام عقوبته، ولهذا لا يترتب المنع إلا بعد الحد، فلو قَذفَ ولم يُحَد لم ترد شهادته، ومعلوم أن الحد إنما زاده طُهْرة وخَفَّف عنه إثم القَذْف أو رَفَعه، فهو [بعد الحد خيرٌ منه قبله، ومع هذا فإنما تُرد شهادته بعد الحد](3)، فردُّها من تَمامِ عقوبته وحَدِّه، وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة، ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع [توبتُه](4) إقامةَ الحد عليه فكذلك شهادته، وقال سعيد بن جبير: تُقبل توبته فيما بينه وبين اللَّه من العذاب العظيم، ولا تقبل شهادته. وقال شريح: لا تجوز شهادته أبدًا، وتوبته فيما بينه وبين ربه (5).
وسرُّ المسألة أن ردَّ شهادته جُعل عقوبة لهذا الذنب؛ فلا يسقط (6) بالتوبة كالحد.
قال الآخرون، واللفظ للشافعي: والثُّنْيَا (7) في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهلُ الفقه إلا إن يَفْرِق بين [ذلك](8) خبر، وأنبأنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: زعم أهلُ العراق أن شهادة المحدود لا تجوز، وأَشْهَد لأَخْبَرني (9) فلانٌ أن عمر قال لأبي بكرة: تُبْ أَقْبَلْ شهادتك، قال سفيان: نسيتُ اسمَ الذي حدث الزهري، فلما قمنا سألت مَنْ حضر، فقال لي
(1) رواه الترمذي (2298)، والدارقطني (4/ 244)، وابن عدي في "الكامل"(7/ 2714) وابن أبي حاتم في "العلل"(1/ 476)، وأبو عبيد في "الغريب"(2/ 153) -ومن طريقه البغوي في "التفسير"(1/ 410 - ط دار الفكر)، وابن حزم في "المحلى"(9/ 416)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(18/ ق 282 - 283)، والبيهقي (10/ 155)، وقال الترمذي:"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد الدمشقي، ويزيد يضعف في الحديث، ولا يُعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه".
وقال أبو زرعة: "هذا حديث منكر".
وضَعَّفه الدارقطني والبيهقي؛ ولكن بعض طرقه حسنة، وقواه الحافظ في "التلخيص الحبير"(4/ 198)، وانظره في "الغيلانيات"(599).
(2)
في (ق): "وكأن".
(3)
بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "يعد بعض الحد".
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5)
انظر "المحلى"(9/ 431، 432) وفي (ك): "وبني اللَّه".
(6)
في (ق): "تسقط".
(7)
"الثنيا": اسم من الاستثناء (ط).
(8)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(9)
في (ك): "لأن خبرني".
عَمرو بن قيس: هو سعيد بن المسيب، فقلت لسفيان: فهل (1) شَككَتَ فيما قال لك؟ قال: لا هو سعيد غير شك (2).
قال الشافعي: وكثيرًا ما سمعته يحدث فيُسَمِّي سعيدًا، وكثيرًا ما سمعته يقول: عن سعيد إن شاء اللَّه، وأخبرني [به](3) من أثق به من أهل المدينة عن ابن شهاب، عن ابن (4) المسيب أن عمر لما جَلَد الثلاثة استتابهم، فرجع اثنان فقبل شهادتهما (5)، وأبى أبو بكرة أن يرجع فرد شهادته (6)، ورواه سُليمان بن كَثير، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيب أن عمر قال لأبي بكرة وشِبْل ونافع: مَنْ تاب منكم قُبِلَت شَهادته (7)، وقال عبد الرزاق: ثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، عن ابن المسيب أن عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: توبوا تُقبل شهادتكم، فتاب منهم اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكان عمر لا يقبل شهادته (8).
قالوا: والاستثناء عائد على جميع [ما تقدمه سوى الحد](9)، فإن المسلمين مجمعون على أنه لا يَسْقُط عن القاذف بالتوبة، وقد قال أئمة اللغة: إن الاستثناء يرجع إلى ما تقدم كله (10). قال أبو عُبيد في "كتاب القضاء": وجماعة أهل
(1) في (ق): "هل".
(2)
أخرجه الشافعي في "المسند"(2/ 393 رقم 644، 645 - مع "شفاء العي")، والبيهقي في "السنن"(1/ 152)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 153)، وإسناده صحيح.
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4)
في (ق): "عن سعيد بن المسيب".
(5)
في (ق): "شهادتهم".
(6)
أخرجه الشافعي في "المسند"(2/ 393 - 394 رقم 646)، وفي سنده مبهم، والقصة لها طرق عديدة، انظر:"الإرواء"(8/ 28 - 30 رقم 2361).
(7)
علقه ابن حزم في "المحلى"(9/ 431) من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي نا محمد بن كثير نا سليمان بن كثير به، وانظر الهامش الآتي.
(8)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(برقم: 15550 و 13565) ثنا محمد بن مسلم به.
وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ"(رقم 276) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى"(9/ 431) - ثنا ابن أبي مريم عن محمد بن مسلم به. وإسناده صحيح وانظر "السنن الكبرى" للبيهقي (10/ 152).
(9)
في (ن): "ما تقدم إلا الحد"، وفي (ق) و (ك):"ما تقدم سوى الحد".
(10)
الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها استثناء، هل يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، أم إلى كل الجمل؟
ذهب إلى الأول: أبو حنيفة، وجمهور أصحابه بشرط أن لا يقوم دليل يفيد التعميم، وذهب إلى الثاني: أصحاب الشافعي، قالوا:"ما لم يخصه دليل" عكس الأحناف، وذهب جماعة إلى الوقف، وجماعة أخرى إلى التفصيل فيها. =
الحجاز ومكة على قبول شهادته؛ وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول (1) لا تقبل أبدًا، وكلا الفريقين إنما تأولوا القرآن فيما نرى، والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى انقطع [من] (2) عند قوله:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] ثم استأنف فقال: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 4] فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصة دون الشهادة؛ وأما الآخرون فتأولوا أن الكلام تَبعَ بعضُه بعضًا على نَسَق واحد فقالوا (3): {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} فانتظم الاستثناء كلَّ ما كان قبله.
قال أبو عُبيد: وهذا عندي هو القول المعمول به؛ لأن من قال به أكثر وهو أصح في النَّظَر، ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل، وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب (4).
قالوا: وأما ما ذكرتم عن ابن عباس فقد قال الشافعي: بلغني عن ابن عباس أنه وإن يجيز شهادة القاذف إذا تاب (5)، وقال علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب اللَّه تقبل (6). وقال شَرِيك، عن أبي حَصين، عن الشعبي: يقبل اللَّه توبته ولا يقبلون شهادته (7)؟! وقال مُطَرِّف عنه: إذا فرغ من ضربه فأكذب
= انظرها في: "البرهان"(1/ 288 - 289)، و"الكوكب الدري"(393 - 398)، و"إرشاد الفحول"(ص 150 - 152، المسألة العاشرة)، وفي "الإحكام"(2/ 278 - 280) للآمدي، "والاستغناء في حكم الاستثناء"(ص 657)، و"شرح تنقيح الفصول"(ص 249) كلاهما للقرافي، و"إحكام الفصول"(277)، و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (5/ 59 وتعليقي عليه)، و"تفسير القرطبي"(12/ 180 - 181).
(1)
في (ق) بعدها: "أنه".
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3)
كذا في (ق) و (ك) وفي سائر النسح: "فقال".
(4)
نحو المذكور هنا عند أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" أيضًا (ص 153 - 154).
(5)
قبول ابن عباس لشهادته رواه البيهقي (10/ 153) وابن حزم في "المحلى"(9/ 431) من طريق علي بن أبي طلحة عنه وانظر ما بعده.
(6)
رواه ابن جرير الطبري (18/ 79 - 80)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ"(رقم 275) والبيهقي في "سننه الكبرى"(10/ 153)، وعزاه في "الدر المنثور" لابن المنذر (6/ 131)، من طريق عبد اللَّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي به، وعبد اللَّه بن صالح، ومعاوية فيهما كلام، وعلي بن أبي طلحة أرسل عن ابن عباس ولم يره وله "صحيفة" عنه انظر هذا الخبر فيها (رقم 907).
(7)
رواه البيهقي (10/ 153) من هذا الطريق وسنده ضعيف، لضعف شريك وهو القاضي، وأبو حصين هو عثمان بن عاصم من الثقات. =
نفسه ورجع عن قوله قبلت شهادته (1).
قالوا: وأما تلك الآثار التي رويتموها ففيها ضعف؛ فإن آدم بن فائد غير معروف، ورواته عن عمرو (2) قسمان: ثقات، وضعفاء، فالثقات لم يذكر أحدٌ منهم:"أو مجلود في حد" وإنما ذكره الضُّعفاء كالمُثنَّى بن الصَّبَّاح وآدم والحَجَّاج (3)، وحديث عائشة فيه يزيد وهو ضعيف، ولو صحت الأحاديث لحُمِلت على غير التائب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له (4)، وقد قبل شهادتَه بعد التوبة عمر وابن عباس (5)، ولا يُعلم لهما في الصحابة مخالف.
قالوا: وأعظم موانع الشهادة الكفر والسحر [وقتل النفس](6) وعقوق الوالدين [والزنا](7)، ولو تاب من هذه الأشياء قُبلت شهادته اتفاقًا؛ فالتائب من القذف أولى بالقبول.
قالوا: فأين جناية قتله من قذفه؟ قالوا: والحد يَدْرَأ عنه عقوبة الآخرة، وهو طُهْرة له؛ فإن الحدود طهرة لأهلها، فكيف تُقبل شهادته إذا لم يتطهر بالحد وترد [إذا كان](8) أطهر ما يكون؟ فإنه بالحد والتوبة قد يَطْهُر طُهرًا (9) كاملًا.
قالوا: ورد الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلَّة التي ذكرها اللَّه عقيب هذا الحكم، وهي (10) الفسق، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، وهو (11) سبب الرد؛ فيجب ارتفاع ما ترتب عليه وهو المنع.
= ورواه عبد الرزاق (13576، 15552)، من طريق الثوري، وأبو عبيد في "الناسخ"(رقم 281) من طريق يزيد بن هارون كلاهما عن إسماعيل عن الشعبي، ورواته ثقات، إسماعيل هذا هو ابن أبي خالد الأحمسي، ثقة ثبت، أخرج له الجماعة. وأخرجه ابن جرير (18/ 60)، وعلقه البخاري في "صحيحه"(3/ 150).
(1)
رواه البيهقي (10/ 153).
(2)
كذا في (ق)، وهو الصواب، وفي غيرها:"عمر"!!
(3)
لكن روايتهم تقوي بعضها بعضًا، وقارن بـ "السنن الكبرى" للبيهقي (10/ 155).
(4)
سيأتي تخريجه.
(5)
قبول عمر شهادته عند عبد الرزاق (15549 و 15550)، وأبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ"(رقم 276)، وابن حزم (9/ 431)، والبيهقي (10/ 152)، وابن عباس عند أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ"(رقم 275) والبيهقي (10/ 153).
(6)
في (ق): "والقتل".
(7)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(8)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(9)
ضبطها في (ك) و (ق): "تطهَّر".
(10)
في (ق): "وهو".
(11)
في (ق): "وهي".
قالوا: والقاذف فاسق بقذفه، حُدَّ أو لم يحد، فكيف تقبل شهادته في حال فسقه وترد شهادته بعد زوال فسقه؟.
قالوا: ولا عهد لتا في الشريعة بذنب واحد أصلًا يُتَاب منه ويَبْقى أَثرُه المترتب عليه من رد الشهادة، وهل هذا إلا خلاف المعهود منها، وخلاف قوله صلى الله عليه وسلم:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"؟ (1) وعند هذا فيقال: تَوْبته من القذف تُنزله منزلة من لم يقذف؛ فيجب قبول شهادته، [أو كما قالوا](2).
قال المانعون: القذف متضمن للجناية على حَقِّ اللَّه وحق الآدمي، وهو من أوفى الجرائم، فناسب تغليظ الزجر، وردُّ الشهادة من أقوى أسباب الزجر (3)، لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس، إذ هو عَزْل لولاية لسانه الذي استطال به على عِرْض أخيه، وإبطال لها، ثم هو عقوبة في محل الجناية، فإن الجناية حصلت بلسانه، فكان أولى بالعقوبة فيه، وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قطع يد السارق، فإنه حد مشروع في محل الجناية؛ ولا يُنْتَقض هذا بأنه لم يجعل عقوبة الزاني بقطع العضو الذي جنى به لوجوه:
أحدها: أنه عضو خفي مستور لا تراه العيون، فلا يحصل الاعتبار المقصود من الحد بقطعه.
الثاني: أن ذلك يفضي إلى إبطال آلات التناسل وإنقطاع النوع الإنساني.
الثالث: أن لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو المخصوص، فالذي نال البدن (4) من اللذة المُحرَّمة مثل ما نال الفرج، ولهذا كان حد الخمر على جميع البدن.
(1) أخرجه ابن أبي الدنيا في "التوبة"(رقم 85)، -ومن طريقه ابن عساكر في "التوبة"(رقم 9) -، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 154) عن ابن عباس رفعه.
وإسناده ضعيف، فيه سَلْم بن سالم البلخي، وسعيد الحمصي، وضعفه البيهقي؛ وقال الذهبي:"إسناده مظلم"، وانظر "تخريج الإحياء"(5/ 2083).
وفي الباب عن ابن أبي سعيد الأنصاري، عند الطبراني في "الكبير"(22/ 306)، وأبي نعيم في "الحلية"(10/ 398)، وفيه مجاهيل، انظر "المجمع"(10/ 200)، وعن أبي عُتبة الخولاني عند البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 154)، بإسناده ضعيف.
وانظر -غير مأمور- تخريج "الإحياء"(5/ 2583)، و"السلسلة الضعيفة"(رقم 615، 616).
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(3)
في (ق) و (ك): "من أقوى أسبابه".
(4)
في (ق) و (ك): "اللسان".
الرابع: أن قطع هذا العضو مُفْضٍ إلى الهلاك، [وغير المحصن لا تستوجب جريمتُه الهلاك](1)، والمُحْصَن إنما يُناسب (2) جريمته أشنع القتلات، ولا يناسبها قطع بعض أعضائه؛ فافترقا (3).
قالوا: وأما قبول شهادته قبل الحدِّ وردُّها بعده، فلِمَا تقدم أن رد الشهادة جُعِلَ من تمام الحد وتكملته؛ فهو كالصفة والتتمة للحد؛ فلا يتقدم عليه، ولأن إقامة الحد عليه يُنْقِص حاله عند الناس، وتقلّ حرمته، وهو قبل إقامة الحد قائم الحرمة غير منتهكها (4).
قالوا: وأما التائب من الزنا والكفر والقتل، فإنما قبلنا شهادته؛ لأنَّ ردَّها كان نتيجة الفسق، وقد زال، بخلاف مسألتنا فإنا قد بينا أنَّ ردَّها من تتمة الحد، فافترقا.
قال القائلون [بقبولها](5): تغليظ الزجر لا ضابط له، وقد حصلت مصلحة الزجرِ بالحد، وكذلك سائر الجرائم جعل الشارع مصلحة الزجر عليها بالحد، وإلا فلا تَطْلُق نِساؤُه، ولا يُؤْخَذ مالُه، ولا يُعزل عن مناصبِه، ولا تَسْقط روايته؛ لأنه أغلظ [عليه](5) في الزجر، وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة [رضي الله عنه](6)؛ وتغليظ الزجر من الأوصاف المنتشرة التي لا تنضبط، وقد حصل إيلام القلب والبدن والنكاية في النفس بالضرب الذي أخذ من ظهره؛ وأيضًا فإن رد الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين، وإنما يتأثر بذلك وينزجر أعيان الناس، وقَلَّ أن يُوجد القذف من أحدهم، وإنما يوجد غالبًا من الرَّعَاع والسَّقط ومَنْ لا يبالي برد شهادته وقبولها؛ وأيضًا فكم من قاذفٍ انقضى عمره وما أدى شهادة عند حاكم، ومصلحة الزجر إنما تكون في منع النفوس مما هي (7) محتاجة إليه، وهو كثير الوقوع منها، ثم هذه المناسبة التي ذكرتموها يعارضها ما هو أقوى منها؛ فإن رد الشهادة أبدًا تلزم منه مفسدة فوات الحقوق على الغير وتعطيل الشهادة في محل الحاجة إليها، ولا يلزم مثل ذلك في القبول؛ فإنه لا مفسدة فيه في حق الغير؛ من عدل تائب (8) قد أصلح ما بينه وبين اللَّه، ولا ريب أن اعتبار مصلحة يلزم منها
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2)
في (ق): "تناسب".
(3)
انظر "الداء والدواء"(ص 160)، و"الحدود والتعزيرات"(ص 97 - 100).
(4)
في (ق): "منهكها".
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7)
في المطبوع: "إنما تكون بمنع النفوس ما هي".
(8)
في (ك): "وتاب" ووقع في (ق): "عدل وتاب فقد أصلح".