الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والباطل، والهُدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى.
[التمكن بنوعين من الفهم]
ولا يتمكن المفتي [ولا](1) الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن (2) والأمارات والعلامات، حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حُكْم اللَّه الذي حَكَم به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بَذَلَ جَهْده واستفرغ وُسْعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا (3)؛ فالعالم مَنْ يتوصل بمعرفة الواقع [والتفقه فيه](4) إلى معرفة حكم اللَّه ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دُبُرٍ إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان صلى الله عليه وسلم (5) بقوله:"ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما"(6) إلى معرفة عين الأم (7)، وكما توصَّل أميرُ المؤمنين علي رضي الله عنه (8) بقوله للمرأة التي حملت كتاب
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في (ن): "به القرائن"، وفي (ق):"فهم الواقع أي: الفقه فيه باستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن".
(3)
انظر: "الطرق الحكمية"(2/ 3)، و"زاد المعاد"(2/ 78)، و"البدائع"(3/ 117)، و"مدارج السالكين"(1/ 41).
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وفي (ك): "والتفقه" دون "فيه".
(5)
في (ق): "عليه السلام".
(6)
"ادعت امرأتان ولدًا، فحكم داود -كما رُوي- للكبرى، فقال سليمان ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فسمحت الكبرى بذلك، وقالت الصغرى: لا تفعل -يرحمك اللَّه! - هو ابنها، فقضى به للصغرى""الطرق الحكمية"(ص 5)، للإمام ابن القيم" (و) اهـ.
وفي (ك): "أشقق الولد بينهما".
(7)
رواه البخاري (3427) في (أحاديث الأنبياء): باب قول اللَّه تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)} ، (6769) في (الفرائض): باب إذا ادعت المرأة ابنًا، ومسلم (1720) في (الأقضية): باب اختلاف المجتهدين، من حديث أبي هريرة.
(8)
في الأصول جميعًا: "عليه السلام"!! بدل "رضي الله عنه" وجاء في (ق): "علي بن أبي طالب رضي الله عنه".
حاطب لمَّا أنكرته: "لتخرجن الكتاب أو لنُجَرِّدَنَّك" إلى استخراج الكتاب منها (1)، وكما توصل الزبير بن العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى دلَّهم على كنز [حُيَي] (2) لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق بقوله:"المال كثير والعهد أقرب من ذلك"(3) وكما توصل النعمان بن بشير بضرب المتهمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظهر وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم، وأخبر أن هذا حكم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (4).
ومن تأَمَّل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومَنْ سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث اللَّه بها رسوله.
(1) رواه البخاري (3007) في (الجهاد): باب الجاسوس، و (3081) في باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة، و (3983) في (المغازي): باب فضل من شهد بدرًا، و (4274) في (المغازي): باب غزوة الفتح، و (4890) في (التفسير) باب {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} ، و (6259) في (الاستئذان): باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين، و (6939) في (استتابة المرتدين): باب ما جاء في المتأولين، ومسلم (2494) في (فضائل الصحابة): باب في فضائل أهل بدر، من حديث علي رضي الله عنه.
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن)، وبدله في المطبوع:"جبى"!! وهو خطأ.
(3)
رواه ابن حبان في "الصحيح"(11/ 607 - 609) رقم (5199 - "الإحسان")، والبيهقي في "الدلائل"(4/ 229 - 231)، و"السنن الكبرى"(6/ 114) بإسناد رجاله ثقات، قاله الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(7/ 479). وصححه شيخنا الألباني في "تخريج أحاديث فقه السيرة"(273)، وأخرجه مختصرًا: أبو داود في "السنن" رقم (3006) من طريق أخرى عن حماد بن سلمة به، وأخرجه مختصرًا: أحمد في "المسند"(2/ 17، 22، 37) والبخاري في "الصحيح" رقم (2328، 2329، 2331)، ومسلم في "الصحيح"(رقم 1551)، وأبو داود في "السنن"(رقم 3408)، والترمذي في "الجامع"(رقم 1383)، وابن ماجه في "السنن"(رقم 2467)، وغيرهم.
(4)
رواه أبو داود (4382) في (الحدود): باب في الامتحان بالضرب، والنسائي (8/ 66) في (قطع يد السارق): باب امتحان السارق بالضرب والحبس، روياه من طريق بقية، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا أزهر بن عبد اللَّه الحَرَازي، عن النعمان، وليس فيه أنه ضربهم بل هددهم بذلك.
وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، وأزهر فيه كلام، لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، وأما النسائي فقال: هذا حديث منكر، لا يحتج بمثله وإنما أخرجته ليعرف!!.
قال أبو داود: إنما أرهبهم بهذا القول، أي: لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف.
وانظر: "الطرق الحكمية"(16 - 21) مهم، و"بدائع الفوائد"(3/ 117 - 119، 152 - 156 مهم، 174 - 175)، و"زاد المعاد"(2/ 78، 79، 143)، و"الحدود والتعزيرات"(70 - 71) للشيخ بكر أبو زيد.
وقوله: "فيما (1) أُدلي إليك"[أي ما توصل](2) به إليك من الكلام الذي يُحكم به بين الخصوم، ومنه قولهم: أَدلى [فلان](3) بحجَّتِه، وأدلى بنَسَبه، ومنه قوله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188] أي: تضيفوا ذلك إلى الحكام، وتتوصلوا بحكمهم إلى أكلها.
فإن قيل: لو أُريد (4) هذا المعنى لقيل: "وتُدْلُوا بالحكام إليها" وأما الإدلاء بها إلى الحكام فهو التوصل بالبرطيل (5) بها إليهم، فَتَرْشُوا الحاكم لتتوصلوا (6) بِرِشْوَتِهِ إلى أكله (7) بالباطل.
قيل: الآية تتناول النوعين: فكل منهما إدلاء إلى الحكام [بسببها](8)، فالنهي عنهما معًا.
وقوله: "فإنه لا ينفع تكلُّم بحق لا نفاذ له" ولايةُ الحق: نفوذُه، فإذا لم ينفذ كان ذلك عزلًا له عن ولايته، فهو بمنزلة الوالي العدل الذي في توليته مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فإذا عزل عن ولايته لم ينفع، [ومراد عمر بذلك] (9): التحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم، ولا ينفع، تكلمه به إن (10) لم يكن له قوة [على](11) تنفيذه، فهو تحريض منه على العلم بالحق والقوة على تنفيذه، وقد مدح اللَّه سبحانه أُولي القوة في (12) أمره، والبصائر في دينه فقال:{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45][فالأيدي: القوي](13) على تنفيذ أمر اللَّه، والأبصار: البصائر في دينه.
(1) في المطبوع و (ك): "فما".
(2)
في (ن): "فيما توصل"، وفي (ك):"فيما يتوصل" وفي (ق): "مما يتوصل".
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(4)
في المطبوع: "فلو أراد".
(5)
"الرشوة، وبرطله: رشاه"(و).
(6)
في (ق) و (ك): "فيرشوا الحاكم ليتوصلوا".
(7)
في المطبوع: "الأكل".
(8)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(9)
بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "وفي ذلك".
(10)
في (ق): "إذا".
(11)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(12)
في (ق) زيادة: "في".
(13)
في (ك): "والأيدي: القوة" وفي (ق): "والأيدي القوى".