الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا هَرَّ عليه (1)[وقهره](2)، لحرصه وبخله وشَرَهه، ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دَنيَّة وحال رزِية نَبَحه وحَمَل عليه، كأنّه يتصور مشاركته له ومنازعته في قوته، وإذا رأى ذا هَيْئة حَسَنة وثياب جميلة ورياسة وضع له خطمه بالأرض، وخَضَع له، ولم يرفع إليه رأسه.
[سر بديع في تشبيه من آثر الدنيا بالكلب]
وفي (3) تشبيه من آثر الدنيا وعاجِلَها على اللَّه والدار الآخرة -مع وفور علمه- بالكلب في حال لهفه (4) سرٌّ بديع، وهو أن هذا الذي حاله ما ذكره اللَّه من انسلاخه من آياته واتباعه هواه؛ إنَّما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن اللَّه والدار الآخرة، فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم (5) في حال إزعاجه وتركه، واللهف واللهث شقيقان وأخَوَان (6) في اللفظ والمعنى، قال ابن جُريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، [إن تحمل عليه يلهث أو (7) تتركه يلهث، فهو مثل الذي يترك الهدى، لا فؤاد له](8) إنما فؤاده منقطع (9). قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنّه ليس له فؤاد يَحْمله على الصبر وترك اللهث؛ وهكذا الذي انسلخ من آيات اللَّه، لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها، فهذا يلهف على الدنيا من قلِّة صبره عنها، وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء، فالكلب من أقل الحيوانات صبرًا عن الماء، وإذا عطش أكلَ الثرى من العطش، وإنْ كان فيه صبر على (10) الجوع؛ وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثًا، يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا [وواقفًا](11)، وذلك لشِّدة حرصه؛ فحرارة الحرص في كبِدِه [توجب له دوامَ اللهث](8)، فهكذا مُشَبَّههُ شدة الحرص
(1) قال (د): "هر عليه": نبحه، وفي (ط):"صَوّت عليه، وهو صوت دون النباح".
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) وفي (ك): "ونهره". وفي بعض النسخ: "شيئًا إلا عن غلبةٍ وقهر".
(3)
في (ن): "وفيه"!.
(4)
في المطبوع: "لهثه".
(5)
في (ن): "القائم".
(6)
في (ق): "وأخوان" وبياض على قدر حرف (و).
(7)
في (ن): "وإن".
(8)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9)
رواه الطبري (9/ 129) بعد أن روى من طريق ابن جريج عن مجاهد، قال: قال ابن جريج.
(10)
في (ق): "عن".
(11)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك).
وحرارة الشهوة (1) في قلبه توجب له دوام اللهف، فإن حملتَ عليه بالموْعِظة (2) والنصيحة فهو يلهف، [وإنْ تركته ولم تعظه فهو يلهف]، (3) قال مجاهد: وذلك مثل (4) الذي أُوتي الكتاب ولم يعمل به (5)، وقال ابن عباس: إنْ تحملْ عليه الحكمةَ لم يحملها، وإنْ تركته لم يهتد إلى خير، كالكلب إنْ كان رابضًا لهث، وإنْ طرد لهث (6)، وقال الحسن:"هو المنافق لا يثبت على الحق، دُعِيَ أو لم يُدْعَ، وُعِظَ أو لم يوعَظْ، كالكلب يلهث طُرِدَ أو ترك (7) " وقال عطاء: ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه، وقال أبو محمد بن قتيبة: "كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عَطَش [أو علة](8)[إلا](9) الكلب فإنه يلهث في حال الكَلال (10) وحال الراحة وحال الصحة وحال المرض [وحال الريّ](11) والعطش.
فضربه اللَّه مثلًا لمن كذب بآياته، وقال (12): إنْ وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب إنْ طردته [وزجرته، فسعى] لهث وإن تركته على حاله لهث، ونظيره قوله [سبحانه] (13): {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ
(1) في (ق): "فهكذا مشبهه لشدة حرارة الشهوة" وفي (ك): "فهكذا أشبهه لشدة حرارة الشهوة".
(2)
في المطبوع: "الموعظة".
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4)
في (ن) و (ق) و (ك): "مثال".
(5)
أخرجه الطبري في "التفسير"(9/ 128 - 129)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (5/ 1620 - 1621 رقم 8570) من طريقين عن مجاهد قال: هو مثل الذي يقرأ القرآن، ولا يعمل به.
وانظر "تفسير مجاهد"(1/ 251)، وعزاه في "الدر المنثور"(3/ 116) لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.
(6)
أخرجه الطبري في "التفسير"(9/ 129)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(5/ 1620 رقم 8569) من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وعلي لم يسمع من ابن عباس بينهما مجاهد أو عكرمة أو سعيد بن جبير، وانظر "صحيفة علي بن أبي طلحة"(رقم 509)، وعزاه في "الدر المنثور"(3/ 608) لابن المنذر أيضًا.
وفي (ك): "وأن طردته لهث".
(7)
في "تفسير الطبري"(9/ 129): "كان الحسن يقول: هو المنافق".
(8)
ما بين المعقوفتين من "تأويل مشكل القرآن"(ص 369) لابن قتيبة.
(9)
بدل ما بين المعقوفتين في "تأويل مشكل القرآن": "خلا".
(10)
في (ك) و (ق): "الضلال" وقال في هامش (ق): "لعله: الكلال".
(11)
ما بين المعقوفتين ليس في "المشكل" ولا في (ك) ولا في (ق).
(12)
زاد في (ك) بعدها: "ابن عطية"!! وهو خطأ، فالكلام ما زال لابن قتيبة.
(13)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).