الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشهادة، كما مُنعَ (1) من إعطائِه [من] الزكاة، [ومن قَتْله بالولد](2)، وحَدِّه بقذفه؛ قالوا: ولهذا لا يثبُتُ له في ذمته دين عند جماعة من أهل العلم، ولا يطالب به، ولا يُحبس من أجله، قالوا: وقد قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النور: 61]، ولم يذكر بيوت الأبناء لأنها داخلة في بيوتهم (3) أنفسهم، فاكتفى بذكرها [دونها](4)، وإلا فبيوتهم أقرب من بيوت مَنْ ذُكر في الآية؛ قالوا: وقد قال تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: 15] أي: ولدًا، فالولد جزء؛ فلا تقبل شهادة الرجل في (5) جزئه.
قالوا: وقد قال صلى الله عليه وسلم (6): "إن أطْيَبَ ما أكَلَ الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه"(7) فكيف يشهد الرجل لكسبه؟ قالوا: والإنسان مُتَّهم في ولده، مَفْتُونٌ به، كما قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 25] فكيف تقبل شهادة المرء لمن قد جُعل (8) مفتونًا به؟ والفتنة محل التهمة.
فصل [الرد على من منع شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول]
قال الآخرون: قال اللَّه تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ
= أخيه، ولا موقوف على حد"، وبعض طرقها حسنة، وقواه ابن حجر في "التلخيص الحبير"، وفي الباب عن أبي هريرة، عند البيهقي في "الكبرى" (10/ 201)، وبعضهم أرسله كما في "الغيلانيات" (رقم: 599)، وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (رقم 396)، وأبو عبيد في "الغريب" (2/ 155) بسند رجاله ثقات إلى طلحة بن عبد اللَّه بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مرسل، فهو ضعيف.
(1)
في (ق): "يمنع" وما بين المعقوفتين بعدها سقط من (ق).
(2)
في (ق): "ومن قتل الوالد بالولد".
(3)
في (ق): "بيوت".
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(5)
في (ك) و (ق): "لجزئه".
(6)
في (ق): "النبي صلى الله عليه وسلم".
(7)
رواه أحمد (6/ 42 و 220)، والنسائي (7/ 241) في (البيوع): باب الحث على الكسب، وابن ماجه (2137) في (التجارات): باب الحث على المكاسب، وابن حبان (4260) و (4261)، والبيهقي (7/ 480) من طرق عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة مرفوعًا به، وسنده صحيح على شرطهما، ومضى قريبًا ضمن تخريج حديث "أنت ومالك لأبيك"، فراجعه (ص 259 - 218).
(8)
في (ك): "جعله".
حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وقال [تعالى](1): {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] و [قد](1) قال [تعالى](1): {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] وقد قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ] (1)} [البقرة: 282] وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 106] ولا رَيْبَ في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ كدخول الأجانب؛ وتناولها للجميع بتناول واحد (2)، هذا مما لا يمكن دفعه، ولم يستثن [اللَّه سبحانه ولا رسوله](3) من ذلك أبًا ولا ولدًا ولا أخًا ولا قرابة، ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء؛ فتلزم (4) الحجة بإجماعهم.
وقد ذكر عبد الرزاق عن أبي بكر بن أبي سَبْرَة، عن أبي الزِّناد، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب [رضي الله عنه](5): تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه (6). وعن عمرو بن سُليم الزُّرقيّ، عن سعيد بن المسيب مثل هذا (7).
وقال ابن وهب: ثنا يونس، عن الزُّهريِّ قال: لم يكن يُتَّهم سَلَفُ المسلمين الصالح [في](5) شهادة الوالد لولده، [ولا](5) الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لإمرأته، ثم دَخِلَ الناسُ (8) بعد ذلك فظهرت منهم أمور حَمَلَتْ الوُلاة على اتهامهم، فتُرِكَت شَهادةُ من يُتَّهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في (ق): "تناولًا واحدًا" وفي (ك): "تناول واحد".
(3)
في (ق): "اللَّه ورسوله".
(4)
في (ق): "ما يلزم".
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6)
رواه عبد الرزاق (15471)، وابن حزم في "المحلى"(9/ 415)، وذكره في "المغني"(9/ 191)، وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو ضعيف جدًّا، وقد رماه بعضهم بالوضع.
(7)
رواه عبد الرزاق (15472) بالإسناد السابق، وذكره -أيضًا- ابن حزم في "المحلى"(9/ 415)، وعلته أبو بكر بن أبي سبرة -أيضًا-.
(8)
"دخل الناس -بوزن فرح- فسدوا، [ظهر فيهم المكر والخديعة والفساد] "(د)(ط)، وما بين المعقوفتين زيادة (ط) على (د).
قلت: وفي "اللسان"(3/ 1342) لابن منظور قال: "دخِل الناس -بكسر الخاء- من الدخل، وهو ما داخلهم فساد في عقل أو جسم، والدَّخَل: العيب والغش والفساد".
والأخ والزوج والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان (1).
وقال أبو عُبيد: حدثني الحسن بن عازب، عن جَدِّه شبيب بن غَرْقَدَة قال: كنتُ جالسًا عند شُرَيح، فأتاه علي بن كاهل وامرأة وخصم، فشهد لها عليُّ بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها، فأجاز شريحٌ شهادتهما؛ فقال الخصم: هذا أبوها وهذا زوجها، فقال له شريح: أتعلم شيئًا تُجرِّحُ به شهادتهما؟ كلُّ مسلم شَهادتُه جائزة (2).
وقال عبد الرزاق: ثنا سفيان بن عُيَينة، عن شَبيب بن غَرْقَدة قال: سمعت شُريحًا أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقال له الرجل: إنه أبوها وزوجها، فقال شريح: فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها؟ (3).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا شَبَابة، عن ابن أبي ذِئْب، عن سُليمان قال: شهدتُ لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، فقضى بشهادتي (4).
وقال عبد الرزاق: ثنا معمر، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الأنصاري قال: أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عَدْلًا (5).
قالوا: فهؤلاء عمر بن الخطاب وجميعُ السلف وشُرَيح وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه، قال
(1) علقه ابن حزم في "المحلى"(9/ 415 - 416) من طريق ابن وهب به.
(2)
رواه ابن حزم في "المحلى"(9/ 416) من طريق أبي عبيد به، والحسن بن عازب لم أجده ولكانه متابع، ورواه عبد الرزاق في "المصنف"(15473)، ومن طريقه ابن حزم (9/ 416) عن ابن عيينة عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت شُريحًا. . . وفيه أنه أجاز شهادة أبيه وزوجها، وليس فيه تفصيل كما هنا. ورواته ثقات.
ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(5/ 343 - دار الفكر)، ومن طريقه ابن حزم (9/ 416)، من طريق أبي حباب عن شريح أنه أجاز شهادة أب وزوج؛ هكذا مختصرًا.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(رقم 15473)، -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى"(9/ 416) ورواته ثقات كما تقدم، وسقط هذا الأثر بتمامه من (ق) و (ك).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(5/ 343) - ط دار الفكر)، ومن طريقه ابن حزم (9/ 419) -ورواته ثقات سليمان هو ابن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني.
وفي (ك) و (ق): "شهدت لابني".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(رقم 15475) -ومن طريقه ابن حزم في "المحلى"(9/ 416) - ورواته ثقات، عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري هو أبو طُوالة، قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز.
ابن حزم (1): "وبهذا يقول إياس بن معاوية، وعثمان البَتِّيُّ، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو سُليمان وجميع أصحابنا" يعني: داود بن علي وأصحابه.
وقد ذكر الزهري أن الذين رَدُّوا شهادة الابن لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه هم المتأخرون (2)، وأن السلف الصالح لم يكونوا يَرُدُّونها.
قالوا: وأما حججكم (3) على المنع فَمَدَارها على شيئين:
أحدهما: البعضية التي بين الأب وابنه، وأنها تُوجِب أن تكون شهادة أحدهما للآخر شهادة لنفسه، وهذه حجة ضعيفة؛ فإن هذه البعضية لا توجب أن تكون كبعضه في الأحكام، [لا في أحكام الدنيا ولا](4) في أحكام الثواب والعقاب؛ فلا يلزم من وجوب شيء على أحدهما أو تحريمه وجوبُهُ على الآخر وتحريمه من جهة كونه بَعْضَه، ولا من وجوب الحد على أحدهما وجوبه على الآخر، وقد قال [النبي] (5) صلى الله عليه وسلم:"لا يجني والدٌ على ولده"(6) فلا يَجْني عليه،
(1) في "المحلى"(9/ 416).
(2)
من الولاة، كما في "المحلى"(9/ 416).
(3)
في المطبوع: "حجتكم".
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك) وبدله في (ق): "لا".
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6)
رواه ابن أبي شيبة في "المسند"(رقم 561، 562)، وأحمد (3/ 499)، والترمذي (3087) في (التفسير): باب ومن سورة التوبة، وابن ماجه (2669) في (الديات): باب لا يجني أحد على أحد، و (3055) في (المناسك): باب الخطبة يوم النحر، والطبراني في "الكبير"(58/ 18، 59)، وابن قانع في "معجم الصحابة"(10/ 3710) رقم (1228)، والبيهقي (8/ 27) كلهم من طريق شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه مطولًا ومختصرًا.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
أقول: لكن سليمان بن عمرو هذا لم يوثقه إلا ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول. وهو اللائق بحاله فإنه لم يرو عنه إلا اثنان أحدهما ضعيف!.
وله شاهد من حديث طارق المحاربي، رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(14/ 300)، و"المسند"(رقم 822)، والبخاري في "خلق أفعال العباد"(27)، النسائي (8/ 55) في (القسامة): باب هل يؤخذ أحد بجريرة أحد؟ وابن ماجه (2670) في (الديات): باب لا يجني أحد على أحد، وابن خزيمة في "الصحيح"(159)، والحاكم (2/ 611 - 612)، والدارقطني (3/ 44 - 45)، والطبراني في "الكبير"(8175)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"(3/ 1556 - 1557 رقم 3939)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (5/ 380 =
ولا يُعَاقَب بذنبه، ولا يُثاب بحسناته، ولا تجب عليه الزكاة ولا الحج بغنى الآخر، ثم [قد](1) أجمع الناس على صحة بيعِه منه وإجَارتِه ومُضاربتِه ومُشاركتِه، فلو امتنعت (2) له لكونه جزءًا منه؛ فيكون شاهدًا لنفسه لامتنعت هذه العقود؛ إذ يكون عاقدًا لها مع نفسه.
فإن قلتم: هو مُتَّهم بشهادته له، بخلاف هذه العقود؛ فإنه لا يتهم فيها معه.
قيل: هذا عَوْد (3) منكم إلى المأخذ الثاني، وهو مأخذ التهمة، فيقال: التهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًا، ولا ريب أن تهمة الإنسان في صَدِيقِهِ وعَشِيره ومن يعنيه (4) مودته ومحبته أعظم من تهمته في أبيه وابنه، والواقع شاهد بذلك، وكثير من الناس يُحابي صَديقَه وعَشيرَه وذا وُدِّه أعظم مما يحابي أباه وابنه.
فإن قلتم: الاعتبار بالمظنة، وهي التي تنضبط، بخلاف الحكمة؛ [فإنها](5) لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن (6) التعليل بها.
قيل: هذا صحيح في الأوصاف التي شهد لها الشرع بالاعتبار، وعَلَّق بها الأحكام، دون مظانها، فأين علق الشارع عدم قبول الشهادة بوصف الأبوة أو البنوة أو الأخوة؟ والتابعون إنما نظروا إلى التهمة، فهي الوصف المؤثر في الحكم، فيجب (7) تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا، ولا تأثير لخصوص القرابة ولا عمومها، بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة، وتوجد التهمة حيث لا قرابة، والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة وكون الشاهد مرضيًا، وعلَّق عدم قبولها بالفسق، ولم يُعلِّق القبول والرد بأجنبية (8) ولا قرابة.
قالوا: وأما قولكم: "إنه غير متهم معه في تلك العقود" فليس كذلك، بل هو متهم معه في المحاباة، ومع ذلك فلا يوجب ذلك إبطالها، ولهذا لو باعه في
= - 381) وهو حديث صحيح، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، والبوصيري في "مصباح الزجاجة"، وصححه ابن حبان حيث رواه في "صحيحه"(6562)، وله شواهد أخرى تجدها في "إرواء الغليل"(7/ 332).
(1)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في (ق) بعدها: "شهادته".
(3)
في (ك): "هذه دعوى".
(4)
في (ق): "يصنعه".
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(6)
في (ن) و (ك): "لم يمكن".
(7)
في (د): "فجيب" كذا بتقديم الجيم على الياء، والتصويب من باقي النسخ و (ن).
(8)
في (ق): "بأجنبي".
مرض موته ولم يُحَابِهِ لم يبطل البيع، ولو حاباه بَطَلَ في قدر المحاباة، فعلق البطلان بالتهمة لا بمظنتها.
قالوا: وأما قوله [صلى الله عليه وسلم](1): "أنْتَ ومَالُكَ لأبيكَ"(2) فلا يمنع شهادة الابن لأبيه، فإن الأبَ ليس هو وماله لابنه، ولا يدل الحديث على [عدم](3) قبول شهادة أحدهما للآخر، والذي دل عليه الحديث أكثَرُ منازعينا لا يقولون به، بل عندهم أن مال الابن له حقيقة وحكمًا، وأن الأب لا يتملك عليه منه شيئًا، والذي لم يدل عليه الحديث حمَّلتموه إياه، والذي دل عليه لم تقولوا به، ونحن نتلقى أحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم[كلها](4) بالقبول والتسليم، ونستعملها في وجوهها (5)، ولو دل قوله:"أنت ومالك لأبيك"(2) على أن لا تُقبل شهادةُ الولد لوالده ولا الوالد لولده لكُنَّا أول ذاهب إلى ذلك، ولما سبقتمونا إليه، فأين موضع الدلالة؟ واللام في الحديث ليست للملك قطعًا، وأكثركم يقول: ولا للإباحة إذ لا يُبَاح مال الابن لأبيه؛ ولهذا فرَّقَ بعضُ السلف فقال: تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا تقبل شهادة الأب لابنه، وهو إحدى الروايتين عن الحسن والشَّعْبيّ (6) ونَصَّ عليه أحمد في رواية عنه (7)، ومن يقول: هي للإباحة أسْعَدُ بالحديث، وإلَّا تعطلت فائدته ودلالته، ولا يلزم من إباحة أَخْذَهِ ما شاء من ماله [أن لا](8) تُقبل
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
سبق تخريجه مطولًا قريبًا.
(3)
ما بين المعقوفتين من (د) و (ق) و (ط) و (ك) وأشار إلى أنها في نسخة هكذا، وقال (ط):"في بعض الأصول التي في أيدينا بدون كلمة "عدم"، ولعل الصحيح: "ولا يدل الحديث على "عدم" قبول شهادة أحدهما للآخر" حتى يستقيم له الدليل" اهـ.
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(5)
في (ك): "على وجهها".
(6)
الذي وجدته في مصنف ابن أبي شيبة (5/ 342 - دار الفكر) عن الشعبي: أنه كان لا يجيز شهادة الرجل لأبيه، ويجيز شهادة الرجل لابنه أي عكس ما هو هنا، رواه عن ابن أبي زائدة عن أشعث عنه وأشعث أظنه ابن سَوّار فهو الذي يروي عن الشعبي وهو مُتكلَّم فيه، والمصنف ينقل عن "المحلى"(9/ 415)، وانظر "موسوعة فقه الحسن"(2/ 565).
(7)
قال في "الكافي"(4/ 528): "وعنه [أي الإمام أحمد]: تقبل شهادة الولد لوالده؛ لدخوله في العموم، ولا تقبل شهادة الأب لابنه؛ لأن ماله كماله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" فكانت شهادته" اهـ.
ونقل هذه الرواية عن الإمام أحمد: صاحب "المغني"(10/ 186)، و"الإنصاف"(12/ 66)، وعنه روايات أخرى انظرها في "مسائل عبد اللَّه"(436/ 1579)، وفي "مسائل صالح"(1/ 469/ 490)، وفي "مسائل ابن هانئ"(2/ 37/ 1337)، والمصادر السابقة -أيضًا-.
(8)
في (ق): "ألا".
شهادته له بحال، مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة، كما لو شهد له بنكاح أو حَدٍّ أو ما لا تلحقه به تهمة.
قالوا: وأما كونه لا يُعطى من زكاته، ولا يُقاد به، ولا يحدُّ به (1)، ولا يَثْبُت له في ذمته دَيْن، ولا يُحْبس به؛ فالاستدلال إنما يكون بما ثَبَتَ بنص أو إجماع، وليس معكم شيء من ذلك، فهذه مسائل نزاع لا مسائل إجماع، ولو سلم ثبوت (2) الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه عدم قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة؛ ولا تَلَازُم بين قبول الشهادة وجَرَيان القصاص وثبوت الدَّين له في ذمته لا عقلًا ولا شرعًا، فإن تلك الأحكام اقْتَضَتها الأبوة التي تمنع من مساواته للأجنبي في حَدِّه به، وإقادته منه، وحَبْسه بدَيْنه، فإن منصب الأبوة (3) يأبى ذلك، وقبحه مركوز في فِطَر الناس، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوْهُ قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح، وأما الشهادة فهي خَبَر يعتمد الصدق والعَدَالة، فإذا كان المُخْبِرُ به صادقًا مبرِّزًا في العدالة غير متهم في الأخبار (4) فليس قَبُولُ قوله قبيحًا عند المسلمين، ولا تأتي الشريعة برد خبر المخبر به واتهامه.
قالوا: والشريعة مَبْنَاها على تصديق الصادق وقبول خبره، وتكذيب الكاذب والتوقف في خبر الفاسق المتهم؛ فهي لا تَردُّ حقًا، ولا تَقْبل باطلًا.
قالوا: وأما حديث عائشة (5) فلو ثبت لم يكن فيه دليل، فإنّه إنما يدل على عدم قبول شهادة المتهم في قرابته أو ذي ولاية، و [نحن](6) لا نقبل شهادته إذا ظهرت تُهمَته، ثم منازعونا لا يقولون بالحديث، فإنهم لا يردُّون شهادة كل قرابة، والحديث ليس فيه تخصيص لقرابة الإيلاد بالمنع، وإنما فيه تعليق المنع بتهمة القرابة، فألغيتم (7) وَصْفَ التهمة، وخَصَّصتم وصف القرابة بفردٍ منها؛ فكنا نحن أسْعَدَ بالحديث منكم، وباللَّه التوفيق.
وقد قال محمد بن الحكم: إن أصحاب مالك يُجيزون شهادة الأب والابن
(1) في (ق): "ولا يحد بقذفه".
(2)
في (ق): "بثبوت".
(3)
في المطبوع: "أبوته".
(4)
زاد هنا في (ك) و (ق): "به".
(5)
المتقدم، وهو:"لا يجوز شهادة خائن. . .".
(6)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7)
في (ق): "فنفيتم".