الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26]، فذكر سبحانه زينة ظواهرهم و [زينة](1) بواطنهم ونَبَّههم بالحِسِّيِّ على المعنوي؛ وفَهْمُ هذا القدر زائد على فَهْمِ مجرد اللفظ ووضعه في أصل اللسان، واللَّه المستعان، وعليه التُّكْلَان، ولا حول ولا قوة إِلَّا به (2).
فصل [قول نفاة القياس وأدلّتهم]
قد أتينا على ذكر فصول نافعة، وأصول جامعة، في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منها، فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلة الدالة على ذم القياس، وأنه ليس من الدين، وحصول الاستغناء عنه والاكتفاء بالوَحْيين، وها نحن نسوقها مفصَّلة مبينة بحمد اللَّه تعالى:
قال اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59]، وأجمع المسلمون على أن الرد إلى اللَّه سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول [صلى الله عليه وسلم](3) هو الرد إليه في حضوره وحياته، وإلى سنَّته في غَيْبته وبعد مماته (4)، والقياس ليس بهذا ولا هذا.
ولا يقال: الردُّ إلى القياس هو من الردِّ إلى اللَّه [ورسوله](5)، لدلالة كتاب اللَّه وسنة رسوله [عليه السلام](3)، كما تقدَّم تقريرُه؛ لأنَّ اللَّه سبحانه إنما رَدّنا إلى كتابه وسنة رسوله، ولم يردَّنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط، بل قال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105]، ولم يقل: بما رأَيتَ أنتَ، وقال:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44](6)، {وَمَنْ لَمْ
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2)
في المطبوع و (ك): "إِلَّا باللَّه".
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4)
انظر في هذا [الموافقات](4/ 191) وتعليقي عليه.
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6)
سقطت هذه الآية والتي قبلها من (ك).
يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، وقال تعالى:{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 3]، وقال تعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، وقال:{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]} (1)[العنكبوت: 51]، وقال:{قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50]، فلو كان القياسُ هُدًى لم ينحصر الهُدى في الوحي، وقال:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمه وحده (2)، وهو تحكيمه في حال حياته، وتحكيم سنته فقط بعد وفاته، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] أي: لا تقولوا حتى يقول.
قال نُفَاةُ القياس: والإخبار عنه بأنه حَرَّمَ ما سكت عنه أو أوجبه قياسًا على ما تكلم بتحريمه أو إيجابه تقدُّم بين يديه؛ فإنه إذا قال: "حَرَّمْتُ عليكم الربا في البر" فقلنا: ونحن نقيس على قولك البلوط (3)، فهذا مَحْضُ التَّقدُّم.
قالوا: وقد حَرَّم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم، فإذا فعلنا ذلك فقد واقعنا (4) هذا المحرم يقينًا، فإنَّا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة، تحريمه في القَدِيد من اللحوم، وهذا قَفْوٌ منا ما ليس لنا به علم، وتعدٍّ لما حَدَّ لنا، {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، والواجب أن نقف عند حدوده، ولا نتجاوزها ولا نُقصِّر بها.
ولا يقال: فإبطالُ (5) القياس وتحريمه والنهي عنه تقدُّمٌ بين يديّ اللَّه ورسوله، وتحريم ما (6) لم ينص على تحريمه، [و] (1) قَفْوٌ منكم ما ليس لكم به علم؛ قالوا: لأنا نقول: اللَّه سبحانه [وتعالى](1) أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وأنزل علينا كتابه، وأرسل إلينا رسوله (7) يعلِّمنا الكتاب والحكمة، فما عَلَّمناه وبيّنه لنا فهو من الدين، وما لم يُعَلِّمناه ولا بَيَّنَ لنا أنه من الدين فليس من
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في (ق): "حتى يؤخذ بحكمه وحده".
(3)
قال في هامش (ق): "شجر يُتغذى بثمره"، ووقع في (ق):"فهذا محض تقدم".
(4)
في (ن): "وافقنا" والعبارة في (ق): "وإذا فعلنا هذا فقد واقعنا".
(5)
في (ق): "إبطال".
(6)
في المطبوع: "لما".
(7)
في (ق): "رسوله صلى الله عليه وسلم".
الدين ضرورة (1)، وكل ما ليس من الدين فهو باطل؛ فليس بعد الحق إِلَّا الضلال؛ [وقد] (2) قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، فالذي أكمله اللَّه [سبحانه](2) وبيَّنه هو ديننا، لا دينَ لنا سواه، فأين فيما أكمله لنا: قِيسوا ما سَكَتُّ عنه على ما تكلمت بإيجابه أو (3) تحريمه أو (3) إباحته سواء كان الجامع بينهما علة، أو دليل علة، أو وصفًا شَبيهًا، فاستعملوا ذلك [كُلَّه](4) وانْسُبُوه إليَّ وإلى رسولي وإلى ديني، واحكموا به علي.
قالوا: وقد أخبر سبحانه {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36]، وأخبر رسوله:"أن الظَّنَّ أكذبُ الحديث"(5)، ونهى عنه، ومن أعظم الظَّن ظَنُّ القياسيين؛ فإنهم ليسوا على يقين أن اللَّه سبحانه [وتعالى](6) حَرَّم بيع السِّمسم بالشيرج، والحلوى بالعنب، والنشا بالبُرِّ، وإنما هي ظنون مجردة لا تغني من الحق شيئًا.
قالوا: وإنْ لم يكن قياس (الضُّرَاط) على (السلام عليكم) من الظن الذي نهينا عن اتباعه وتحكيمه، وأخبرنا أنه لا يغني من الحق شيئًا فليس في الدنيا ظن باطل، [فأين الضُّرَاط من "السلام عليكم"؟](7)، وإن لم يكن قياس الماء الذي لاقى الأعْضَاء الطاهرة الطيبة عند اللَّه في إزالة الحدث على الماء الذي لاقى أخْبَثَ العذرات والميتات والنجاسات، ظنّا فلا ندري ما الظَّنُّ الذي حرم اللَّه [سبحانه](6) القولَ به، وذمَّه في كتابه وسَلَخه من الحقِّ، وإنْ لم يكن قياس
(1) في (ن): "أنه من الدين ضرورة، فليس من الدين".
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(3)
في (ك) و (ق): "و".
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5)
رواه البخاري (5143) في (النكاح): باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع، و (6064) في (الأدب): باب ما يُنهى عن التحاسد والتدابر، و (6066) في باب:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} ، و (6724) في (الفرائض): باب تعليم الفرائض، ومسلم (2563) في (البر والصلة): باب تحريم الظن والتجسس. . . من حديث أبي هريرة.
(6)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق)، وفي (ك):"بابطال الضراط في السلام عليكم".
وفيه إيماء إلى أنَّ مذهب الحنفية في عدم ركنية السلام مرجوح، إذ عندهم من خرج من الصلاة بالضراط، سقطت من ذمته، وليس مدرك المسألة عندهم على القياس، قال ابن العربي، "وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس:
ويرى الخروج من الصلاة بضرطةٍ
…
أين الضراط من السلام عليكم"
انظر تفصيل ذلك في "تفسير القرطبي"(1/ 174).
أعداء اللَّه ورسوله من عُبّاد الصُّلّبان واليهود الذين (1) هم أشد الناس عداوة للمؤمنين على أوليائه، وخيار خَلْقه، وسادات الأمة وعلمائها، وصلحائها في تكافؤ دمائهم وجَرَيان القِصاص بينهم، فليس في الدنيا ظَنٌّ يُذَمُّ أتباعه.
قالوا: ومن العجب أنكم قِسْتُم أعداءَ اللَّه على أوليائه في جَرَيان القصاص بينهم، فقلتم: ألف ولي للَّه قتلوا نصرانيًا واحدًا يُجَاهرهم بسبِّ اللَّه ورسوله، وكتابه [علانيةً](2)، ولم تقيسوا مَنْ ضربَ [رأسَ رجل](3) بدبوس فَنَثَر دماغَه بين يديه على مَنْ طعنه بمسَلّة فقتله.
قالوا: وسُنبيِّن لكم من تناقض أقيستكم واختلافها وشدة اضطرابها ما يُبيّن أنه من عند غير اللَّه (4).
قالوا: واللَّه تعالى (5) لم يَكِلْ بيانَ شريعَتِهِ إلى آرائنا (6) وأقيستنا واستنباطنا، وإنما وَكَلَها إلى رسوله المبيِّنِ عنه، فما بيَّنه عنه وَجَبَ اتِّباعه، وما لم يبيِّنه فليس من الدين، ونحن نُنَاشدكم اللَّه: هل اعتمادكم في هذه الأقيسة الشّبَهية والأَوصاف الحَدْسِيّة التخمينية على بيان الرسول أم على آراء الرجال وظنونهم وحدسهم؟ قال اللَّه تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فأين (7) بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أني إذا حرمتُ شيئًا أو أوجبته أو أبحتُه، فاستخرجوا وصفًا ما شبهيًا (8) جامعًا بين ذلك وبين جميع ما سكتُ عنه، فألحقوه به، وقيسوا عليه.
قالوا: واللَّه تعالى (9) قد نَهى عن ضَرْب الأمثال له، فكما لا تُضرب له الأمثال لا تُضرب لدينه، وتمئيل ما لم ينص على حُكمه بما نَصَّ عليه لِشَبهٍ (10) مَّا ضربُ الأمثال لدينه، وهذا بخلاف ما ضربه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم من الأمثال في كثير من الأحكام التي سُئل عنها، كما أمرهم بقَضَاء الصلاة التي نامُوا عنها، فقالوا: ألَّا نصلِّيها لوقتها من الغد؟ فقال: "أينهاكم عن الرِّبا ويَقْبَله منكم"(11)، وكما قال
(1) في المطبوع: "الذي"!!
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(3)
في (ق): "رجلًا".
(4)
في (ن): "أنها ليست من عند اللَّه".
(5)
في (ق): "سبحانه".
(6)
في (ك) و (ق): "رأينا".
(7)
في (ق) و (ك): "فإن".
(8)
في (ق): "شبهًا".
(9)
سقط من (ق).
(10)
في (ق) و (ك): "كتشبيه".
(11)
رواه أحمد (4/ 441)، وعبد الرزاق (2241)، والدارقطني (1/ 385، 387)، وابن حزم في "الإحكام"(7/ 108)، وابن خزيمة (994)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 400)، وابن حبان (1462)، والبيهقي في "السنن"(2/ 217) من طرق عن الحسن =