الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أعدل الصلح، فإن اللَّه سبحانه أباح للرجل أن يطلق زوجته ويستبدل بها غيرها، فإذا رضيت بترك بعض حقها وأخذ بعضه وأن يمسكها كان هذا من الصلح العادل، وكذلك أرشد الخصمين اللذين كانت بينهما المواريث (1) بأن يتوخيا الحق بحسب الإمكان ثم يحلل كل منهما صاحبه (2)؛ وقد أمر اللَّه [سبحانه](3) بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين أولًا، فإن بغت إحداهما على الأخرى فحينئذٍ أمر بقتال الباغية لا بالصلح فإنها ظالمة، ففي الإصلاح مع ظلمها هضم لحق الطائفة المظلومة، وكثير من الظلمة المصلحين يصلح بين القادر والظالم والخصم الضعيف المظلوم، بما يَرْضَى به القادر رضًى لصاحب الجاه (4)، ويكون له فيه الحظ، ويكون الإغماص والحيف فيه على الضعيف، ويظن أنه قد أصلح، ولا يتمكن (5) المظلوم من أخذ حقه، وهذا ظلم، بل يُمكَّن المظلوم من استيفاء حقه، ثم يُطلب إليه برضاه أن يَتْرك بعض حقه بغير محاباة لصاحب الجاه، ولا يشتبه (6) بالإكراه للآخر بالمحاباة ونحوها.
فصل [الصلح إما مردود وإما جائز نافذ]
والصلح الذي يُحل الحَرام ويُحَرِّم الحلال كالصلح الذي يتضمن تحريم بُضْعٍ حلال، أو حل (7) بُضْعٍ حرام، أو ارقاق حُر، أو نقل نسب [أو ولاء](8) عنَ محل إلى محل، أو أكل ربًا، أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد، أو ظلم ثالث، وما أشبه ذلك؛ فكل هذا صلح جائر مردود.
فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى اللَّه [سبحانه](3)
= وحسنه كذلك الحافظ في "الإصابة"(4/ 330) في ترجمة (سودة)، وذكره في "الفتح"(9/ 313) ساكتًا عنه.
وفي "طبقات ابن سعد" روايات مرسلة تشهد لهذا.
وروى البخاري (5212)، ومسلم (1463) هبة سودة يومها لعائشة؛ لكن ليس فيه ذكر السبب، قالت عائشة: فلما كبرت جعلت يومها من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعائشة، قالت: يا رسول اللَّه! قد جعلت يومي منك لعائشة.
(1)
في (ن) و (ق): "كان بينهما إرث".
(2)
إسناده حسن، وقد سبق تخريجه قريبًا.
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(4)
في المطبوع (ن): "بما يرضى به القادر صاحب الجاه".
(5)
في المطبوع: "ولا يمكن".
(6)
في (ن): "ولا يشير"، وفي (ق) و (ك):"ولا يشبه".
(7)
في المطبوع: "أو إحلال".
(8)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
ورضى الخصمين؛ فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل؛ فيكون المصلح عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا، للعدل؛ فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصائم القائم؟! قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: إصلاح ذات البَيْن؛ فإن فساد ذات البَيْن [هي] (1) الحَالِقَة، أما إِنِّي لا أقول [تحلق] (2) الشَّعْر، ولكن [تحلق] (2) الدِّين"(3) وقد جاء في أثر: أصلحوا بين الناس، فإن اللَّه يصلح بين المؤمنين يوم القيامة (4)؛ وقد قال تعالى:
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2)
تصحفت في (و) إلى: "بحلق".
(3)
أخرجه هناد في "الزهد"(رقم 1310) -ومن طريقه الترمذي في "الجامع" أبواب صفة القيامة (4/ 663/ رقم 2509) -، وأحمد في "المسند"(6/ 444 - 445)، والبخاري في "الأدب المفرد"(106)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الأدب): باب في إصلاح ذات البين (4/ 280/ رقم 4919)، والبيهقي في "الآداب"(رقم 130)، و"الشعب"(3/ 430) والتيمي في "الترغيب"(1/ 105، 107 رقم 181، 188)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (رقم 400) عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصوم والصلاة والصدقة؟ ". قالوا بلى: قال: "إصلاح ذات البين، وإن فساد ذات البين هي الحالقة".
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح، ويُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".
ثم أخرج الترمذي برقم (2510)، وأحمد في "المسند"(1/ 165، 167)، والبزار في "المسند"(رقم 2002 - الزوائد)، وأبو يعلى في "المسند"(2/ 32/ رقم 669)، عن الزبير مرفوعًا:"دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر؛ ولكن حالقة الدِّين، والذي نفس محمد بيده؛ لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يُثبت ذلك لكم؟ أفشوا السلام". لفظ أبي يعلى.
وإسناده ضعيف؛ ولكنه حسن بشواهده، ولآخره:"والذي نفسي بيده. . . " شاهد عن أبي هريرة، أخرجه مسلم في "صحيحه"(رقم 54)، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(رقم 260)، وزاد في آخره:"وإياكم والبغضة؛ فإنها هي الحالقة، لا أقول لكم: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين"، ولفظ الترمذي (رقم 2508) عنه مرفوعًا:"إياكم وسوء ذات البين؛ فإنها الحالقة".
وانظر: "غاية المرام"(414)، و"الإرواء"(2/ 239)، و"صحيح الأدب المفرد"(رقم 197).
(4)
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير"(2/ 1/ 459 مختصرًا)، والحاكم في "المستدرك"(4/ 576) وأبو يعلى -كما في "المطالب العالية"(4655) و"تفسير ابن كثير"(2/ 285)، و"الجامع الكبير"(1/ 145 رقم 410) - وابن أبي الدنيا في "حسن الظن باللَّه"(رقم 118)، وابن أبي داود في "البعث"(رقم 32)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق"(رقم 402)، وأبو الشيخ في "الترغيب" والبيهقي في "البعث" -وسقط من مطبوعه، كما في =