الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وظلمة الموج وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه اللَّه منها إلى نور الإيمان، وهذان المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة وهما (1) الماء والظلمات المضادة للنور نظير المثلين اللذين ضربهما اللَّه للمنافقين والمؤمنين، وهما (2) المثل المائي والمثل الناري، وجعل حظَّ المؤمنين منهما الحياة والإشراق، وحظ المنافقين منهما الظلمة المضادة للنور والموت المضاد للحياة؛ فكذلك الكفار في هذين المثلين، حظُهم من الماء السراب الذي يغُرّ الناظر ولا حقيقة له، وحظهم (3) الظلمات المتراكمة، وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار، وأنهم عدموا مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي؛ فيكون المثلان (4) صفتين لموصوف واحد؛ ويجوز (5) أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف، فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعَمُوا عنه بعد أن أبصروه، وجحدوه بعد أن عرفوه، فهذا (6) حال المغضوب عليه، والأول (7) حال الضالين؛ وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله [تعالى] (8):{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [الْمِصْبَاحُ]} (8) إلى قوله: [{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}](9)[النور:30، 38] فتضمنت الآيات أوصاف الفرق الثلاثة: المُنْعَم عليهم وهم أهل النور، والضالين وهم أصحاب السراب، والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة، واللَّه أعلم.
[أصحاب مثلي السراب والظلمات]
فالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع، والمثل الثاني لأصحاب [العلوم والنظر والأبحاث الذي لا ينفع (10)، فأولئك أصحاب
(1) في المطبوع و (ق): "وهو".
(2)
في المطبوع: "وهو".
(3)
في (ق) بعدها: "من النور".
(4)
في (ق) و (ك): "المثل".
(5)
في (ق): "ويحتمل".
(6)
في (ف): "فهذه".
(7)
في (ق): "عليهم والأولى".
(8)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(9)
بدلها في (ق): " {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ".
(10)
في (ق): "تنفع".
العمل الباطل، وهؤلاء أصحاب] (1) العلم (2) الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة، وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق، ولهذا مَثَّل حال الفريق الثاني في (3) تلاطم أمواج [لشكوك و](4) الشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه، وأنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم، وهكذا أمواج الشكوك والشُّبه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سُحُبُ الغَي والهوى والباطل، فليتدبر اللبيبُ أحوال الفريقين، وليطابق بينهما وبين المثلين، يعرف عظمة القرآن وجلالته، وأنه تنزيل من حكيم حميد.
وأخبر سبحانه أن الموجب لذلك أنه لم يجعل لهم نورًا، بل تركهم على الظلمة التي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النور؛ [فإنه سبحانه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور](5)، وفي "المسند" من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن اللَّه خَلَقَ خَلْقَه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه [من] (5) ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ"(6) فلذلك أقول: جَفَّ القلم على علم اللَّه، فاللَّه [سبحانه](4) خلق الخلق في ظلمة، فمن أراد هدايته جعل له نورًا وجوديًا يُحيي به قلبه وروحه، كما يحيي بدنه بالروح التي ينفخها فيه، فهما حياتان: حياة البدن بالروح، وحياة الروح والقلب بالنور، ولهذا سَمّى سبحانه الوحي روحًا لتوقُّف الحياة الحقيقية عليه، كما قال تعالى:{يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2]، [وقال: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(2)
في (ق): "العمل" وأشار إلى أنه في نسخة "الباطل".
(3)
في (ق): "و".
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من "ق".
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(6)
رواه أحمد (2/ 176 و 197) والطيالسي (57 - المنحة أو رقم 291)، والترمذي (2642) في (الإيمان): باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وابن أبي عاصم (241 و 242 و 243 و 244)، والآجري في "الشريعة"(ص 175 ط الفقي أو 2/ 757 رقم 337، 338 - ط الدميج)، وابن حبان (6169 و 6170)، واللالكائي (1077 و 1079)، والحاكم (1/ 30) والفريابي في "القدر"(رقم 66، 67، 68، 69، 70، 71) وابن بطة في "الإبانة"(2/ 134 رقم 135)، والبيهقي في "الأسماء والصفات"(1/ 203 رقم 229)، و"السنن الكبرى"(9/ 4) من طرق عن عبد اللَّه بن الديلمي، عن عبد اللَّه بن عمرو، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي (7/ 193 - 194): ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات.
ورواه البزار (2145) من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو. ووقع في (ك) و (ق):"عبد اللَّه بن عمر".