الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابه (1)، وأمر باستماع أمثاله، ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكر فيها، والاعتبار بها، وهذا هو المقصود بها.
[التسوية بين المتماثلين في الأحكام الشرعية]
وأما أحكامه الأمرية الشرعية فكلُّها هكذا، تجدها مشتملةً على التسوية بين المتماثلين، وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين، وعدم تسوية أحدهما بالآخر (2)، وشريعته سبحانه مُنَزَّهة أن تنهى (3) عن شيء لمفسدة فيه تُبيح (4) ما هو مشتملٌ على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيدَ منها، فمن جَوَّز ذلك على الشريعة فما عرفها حقَّ معرفتها؛ ولا قدَّرها حَقَّ قدرها. وكيف يُظَنُّ بالشريعة أنها تبيح شيئًا لحاجة المكلف إليه ومصلحته، ثم تحرم ما هو أحوج إليه والمصلحة في إباحته أظهر، وهذا من أمْحَل المحال.
[لا يشرع اللَّه الحيل التي تبيح الواجب وتسقط المحرم]
ولذلك كان من المستحيل أن يَشْرَعَ اللَّه ورسوله من الحِيَل ما يُسْقِط به ما أوجبه، أو يبيح به ما حَرَّمه، ولَعَنَ فاعله، وآذنه بحربه وحرب رسوله، وشَدّد فيه الوعيد؛ لما تضمنه من المفسدة في الدنيا والدين، ثم بعد ذلك يسوغ التوصل إليه بأدنى حيلة، ولو أن المريض اعتمد هذا فيما يحميه منه الطبيب ويمنعه منه لكان مُعينًا على نفسه، ساعيًا في ضرره، وعُدَّ سفيهًا مفرطًا.
[أحكام فطرية في النفس]
وقد فطر اللَّه سبحانه عباده على أنَّ حكم النظير حكم نظيره، وحكمَ الشيء حكم مثله، وعلى إنكار التفريق بين المتماثلين، [وعلى إنكار](5) الجمع بين المختلفين، والعقل والميزان الذي أنزله اللَّه شرعًا وقدرًا يأبى ذلك.
[الجزاء من جنس العمل]
ولذلك (6) كان الجزاء مماثلًا للعمل من جنسه في الخير والشر، "فمن ستر
(1) في (ق): "كتاب اللَّه".
(2)
انظر: "زاد المعاد"(3/ 152)، و"شفاء العليل"(148 - 420) للمؤلف رحمه الله.
(3)
في (ق): "ينهى".
(4)
في (ق): "ثم يبيح".
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6)
في (ق): "وكذلك".
مسلمًا ستره اللَّه، ومن يَسَّر على معسر يَسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن نَفَّس عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا نَفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة" (1)، "ومن أقال نادمًا أقاله (2) اللَّه عَثْرَته [يوم القيامة]" (3)، و"من تَتَبعَ عَوْرة أخيه تتبع اللَّه عورته" (4)، و"من ضارَّ مسلماَ ضارَّ اللَّه به، ومن شاق شاق اللَّه [عليه]" (5)، و"من خَذَل مسلمًا في موضع يحب نُصْرَته فيه خَذَله اللَّه في موضع يحب نصرته فيه" (6)،
(1) أخرجه البخاري (2442) في (المظالم): باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ومسلم (2580) في (البر والصلة): باب تحريم الظلم، من حديث عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما، ولم يذكر فيه:"ومن يسر على معسر. . . ". وهو وارد في حديث أبي هريرة، رواه مسلم (2699): في (الذكر والدعاء): باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، وفيه:"من نفس عن مؤمن كربة. . . ومن يسر. . . ومن ستر مسلمًا. . . ".
(2)
في (ق): "أقال".
(3)
أخرجه أحمد (2/ 252)، وأبو داود (3460)، وابن ماجة (2199)، وابن حبان (5029، 5030 - الإحسان)، والطحاوي في "المشكل"(5291)، والحاكم (2/ 45)، وأبو نعيم في "الحلية"(6/ 345)، والخطيب في "تاريخ بغداد"(8/ 198)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 27) من حديث أبي هريرة، وإسناده حسن، وقوله:"يوم القيامة" سقط من (ك) و (ق).
(4)
هذا لفظ أبي يعلى (1675)، وأبي نعيم في "الدلائل"(356) ورجاله ثقات، كما في "المجمع"(8/ 93). وعند أحمد (4/ 421، 424) من حديث أبي برزة الأسلمي، رفعه:"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان. . ولا تتبعوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتغ عوراتهم يتبع اللَّه عورته" وأخرجه أبو داود (4880) في (الأدب): باب في الغيبة، والروياني (1312) وأبو يعلى (13/ 419)، والبيهقي (10/ 247) وإسناده قوي، وانظر:"العلل"(6/ 309) للدارقطني، والحديث سقط من (ك).
(5)
أخرجه أحمد (3/ 453)، وأبو داود (3635)، والترمذي (1940)، وابن ماجه (2342)، والطبراني في "الكبير"(22/ رقم 829، 835)، والدولابي في "الكنى"(1/ 40)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(2169)، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق"(41، 623) والبيهقي (6/ 70) والمزي في "تهذيب الكمال"(35/ 300) من حديث أبي صرمة، والحديث حسن بشواهده، قال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(6)
أخرج أحمد (4/ 30)، والبخاري في "التاريخ الكبير"(1/ 347)، وأبو داود (4884)، والطبراني في "الأوسط"(8642)، والبيهقي في الشعب (رقم 763) من حديث جابر وأبي طلحة بن سهل رفعاه: كما من امرئ يخذل امرأ مسلمًا في موضع تُنْتَهك فيه حرمتُه، ويُنتقص فيه من عرضه، إلا خذله في موطن يحب فيه نصرته".
وتصحف "يحب" في الموطنين عند المصنف في جميع طبعات الكتاب إلى "يجب".
و"من سمع سمع اللَّه به"(1)، و"الراحمون يرحمهم الرحمن"(2)، و"إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء"(3)، و"من أنفق أُنفق عليه"(4)، و"من أوعى أُوعي عليه"(5)،
(1) أخرجه البخاري (6499) في (الرقاق) باب الرياء والسمعة، ومسلم؛ (2986) في (الزهد والرقائق): باب من أشرك في عمله غير اللَّه، من حديث جندب، وتحرف "سمع" في الموطنين في جميع الطبعات و (ق) إلى "سمح" و"به" إلى "له"!! وسقط لفظ الجلالة (اللَّه) من (ك).
(2)
أخرجه الترمذي في "الجامع"(أبواب البر والصِّلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، 4/ 323 - 324/ رقم 1924)، وأبو داود في "السنن"(كتاب الأدب، باب في الرحمة، 4/ 285/ رقم 4941)، وأحمد في "المسند"(2/ 160)، والحميدي في "المسند"(رقم 591)، والبخاري في "التاريخ"(9/ 64)، وعثمان الدارمي في "الرد على الجهمية"(69)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل"(775)، والحاكم في "المستدرك"(4/ 159)، والبيهقي في "الأسماء"(ص 423)، والخطيب في "التاريخ"(3/ 260)، وابن أبي الدنيا في "العيال" (1/ 426) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد اللَّه بن عمرو عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا. قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح".
وحسنه ابن حجر في كتابه "الإمتاع"(ص 63)، وذكر تصحيح الترمذي وعلِّق عليه بقوله:"وكأنه صححه باعتبار المتابعات والشواهد، وإلا؛ فأبو قابوس لم يرو عنه سوى عمرو بن دينار، ولا يُعرف اسمه، ولم يوثقه أحدٌ من المتقدّمين".
قلت: وأقوى هذه الشواهد ما أخرجه البخاري في "الصحيح"(كتاب التوحيد، باب قول اللَّه تبارك وتعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} 13/ 358 / رقم 7376)، ومسلم في "صحيحه"(كتاب الفضائل، باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، 4/ 1804/ رقم 2319) عن جرير بن عبد اللَّه رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: "من لا يرحم الناس؛ لا يرحمه اللَّه عز وجل".
وما أخرجه البخاري في "الصحيح"(كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، 10/ 426/ رقم 5997)، ومسلم في "الصحيح" (رقم 2318) عن أبي هريرة مرفوعًا:"من لا يرحم؛ لا يُرحم". وانظر: "الأربعين في فضل الرحمة والراحمين" لابن طولون، والحديث الآتي.
(3)
أخرجه البخاري (1284) في (الجنائز): باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يُعذّب الميت ببعض بكاء أهله عليه"، ومسلم (923) في (الجنائز): باب البكاء على الميت، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وأطرافه عند البخاري (5655، 6602، 6655، 7377، 7448).
(4)
أخرج البخاري (4684) في (التفسير): باب {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} ، ومسلم (993) في (الزكاة): باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"قال اللَّه عز وجل: أَنْفِقْ أُنْفِق عليك،. . . ".
(5)
أخرج البخاري (1433) في (الزكاة): باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها من حديث أسماء قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تُوكي فيُوكى عليك".
وأخرج البخاري (1434) ومسلم (1029) من حديثها: "ولا توعي فيُوعي اللَّه عليك".