الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، وقال [تعالى] (1):{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)} [الرحمن: 1، 2]، فهذا الكتاب، ثم قال:{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)} [الرحمن: 7]، و [الميزان](1) يُراد به العَدْلُ والآلة (2) التي يُعْرَفُ بها العدل وما يُضَاده.
[الأولى تسمية القياس بما سَمَّاه اللَّه به]
والقياس الصحيح هو الميزان؛ فالأولى (3) تسميتُه بالاسم الذي سمَّاه اللَّه به، فإنه يدل على العَدْل، وهو اسم مَدْح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان، بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم، ولهذا لم يجئ في القرآن مَدْحُه ولا ذَمُّه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه مورد تقسم إلى صحيح وفاسد؟.
فالصحيح (4) هو الميزان الذي أنزله مع كتابه.
[أمثلة من القياس الفاسد أشار إليها القرآن]
والفاسد ما يضاده، كقياسِ الذين قاسُوا البيعَ على الربا بجامع (5) ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وقياسِ الذين قاسوا المَيْتَةَ على المذكَّى (6) في جَوَاز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح؛ هذا بسببٍ (7) من الآدميين وهذا بفعل اللَّه؛ ولهذا تجد في كلام السلف ذمَّ القياسِ وأنه ليس من الدِّين، وتجد في كلامهم استعمالَهُ والاستدلالَ به، وهذا حق [وهذا حق](8) كما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى.
[أنواع القياس]
والأقْيِسَةُ المستعملة في الاستدلال [ثلاثة](9): قياس علة، وقياس دَلالَة، وقياس شَبه، وقد وردت كلها في القرآن.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في (ن): "الدلالات".
(3)
في (ق): "والأولى".
(4)
في المطبوع: "والصحيح".
(5)
في (ق): "مع".
(6)
في (ق): "الذكي".
(7)
في (ك) و (ق): "السبب"، وقال في هامش (ق):"لعله: بسبب".
(8)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(9)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
فأما قياس العلة؛ فقد جاء في كتاب اللَّه [عز وجل](1) في مواضع، منها قوله [تعالى] (1):{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (2)} [آل عمران: 59]، فاخبر [تعالى](1) أن عيسى نظير آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تَعلَّق به وجود [سائر المخلوقات، وهو مجيئها طَوْعًا لمشيئته (3) وتكوينه، فكيف يَستنكرُ وجودَ عيسى من غير أبٍ مَنْ يُقِرُّ بوجود، (4) آدم من غير أبٍ ولا أُمٍّ؟ ووجود حؤَاء من غير أم؟ فآدم وعيسى عليهما السلام نَظِيرَان يجمعهما المعنى الذي يصحُّ تعليقُ الإيجاد والخلق [به](1)، ومنها قوله تعالى:{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] (5)} [آل عمران: 137]، أي: قد كان (6) من قبلكم أممٌ أمثالكم فانظروا إلى عواقبهم السيئة، واعلموا أن سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات اللَّه ورسله، وهم الأصل وأنتم الفرع، والعِلَّةُ الجامعةُ: التَّكذيبُ، والحُكُم: الهلاك (7).
ومنها قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 6]، فذكر سبحانه (8) إهلاك مَنْ قبلنا من القرون، وبَيَّنَ أن ذلك كان لمعنى القياس (9)، وهو ذنوبهم، فهم الأصل ونحن الفرع، والذُّنوبُ العِلَّةُ الجامِعة، والحكم الهلاك فهذا محض قياس العلة، وقد أكَّده سبحانه بضَرْبٍ من الأوْلى، وهو أن مَنْ قبلنا كانوا أقوى منا فلم تَدفع عنهم قوتُهم وشدتُهم ما حلَّ بهم، ومنه قوله تعالى:{كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [التوبة: 69]
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في (ق): "فكان".
(3)
في (ن): "كمشيئته"، وفي (ق):"بمشيئته".
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5)
من هنا إلى قوله: "ولهذا كان" ص 255 سقط من (ك).
(6)
في "ق" بعدها: "لكم "
(7)
في (ن): "والحكم بالهلاك".
(8)
في (ن): "فبين سبحانه" ووقع في "ق": "إهلاك من كان قبلنا".
(9)
قال في هامش (ق): "للمعنى القياسي".
وقد اختُلِفَ في محل هذه الكاف (1) وما يتعلق به، فقيل: هو رفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم كالذين من قبلكم، وقيل: نَصبٌ بفعل محذوف، تقديرُه فعلتم كفعل الذين من قبلكم، والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل، وقيل: إن التشبيه في العذاب، ثم قيل: العاملُ محذوف، أي لَعَنهم وعَذَّبهم كما لعن الذين من قبل، وقيل: بل العاملُ ما تقدم، أي وعد اللَّه المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولَعَنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم.
والمقصود أنه سبحانه ألحَقَهم بهم في الوعيد، وسَوَّى بينهم فيه كما تساووا في الأعمال، وكَوْنُهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالًا وأولادًا فَرْقٌ غير مؤثِّر، فعلَّق الحكم بالوصف الجامع المؤثر، وألغى (2) الوصفَ الفارق، ثم نَبَّه [سبحانه] (3) على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء فقال:{فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} [التوبة: 69]، فهذه هي العلة المؤثرة والوصف الجامعُ، وقوله:{أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} هو الحكم، والذين من قبل هم الأصل، والمخاطَبُون الفرع (4).
قال عبد الرزاق في "تفسيره": ثنا مَعْمَر، عن الحسن في قوله:{فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} قال: بدينهم (5). ويروى عن أبي هريرة (6).
وقال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا (7). وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا (8).
(1) يقصد بها الكاف الداخلة على الاسم الموصول في قوله تعالى: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} . . . (ط)، وفي المطبوع:"هذا الكاف" ووقع في (ق): "وما تتعلق به".
(2)
في (ن): "وألقى".
(3)
سقطت من المطبوع.
(4)
في (ق): "والخاطبون هم الفرع".
(5)
رواه عن الحسن عبد الرزاق في "تفسيره"(2/ 283 - مكتبة الرشد)، والطبري في "تفسيره"(6/ 176)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(6/ 1834 رقم 10504)، وتصحف في المطبوع "إلى بذنبهم"، والتصويب من (ن) ومصادر التخريج.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير"(4/ 1834 رقم 10506)، وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور"(4/ 233).
(7)
في "الدر المنثور"(3/ 458) عن ابن عباس قال: بذنبهم، عزاه لابن أبي حاتم -وهو في "تفسيره"(4/ 1835 رقم 10509) - وأبي الشيخ.
(8)
انظر "تفسير الطبري"(10/ 176)، وعزاه في "الدر المنثور"(3/ 458) لابن أبي حاتم -وهو في "تفسيره"(4/ 1834 رقم 10505) - عن السدي.