الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقديم
الحمد للَّه مُعز الإسلام بنصره، ومُذل الشرك بقهره، ومُصَّرف الأمور بأمره، ومُزيد النعم بشكره، ومُستدرج الكافرين بمكره، الذي قدَّر الأيام دولًا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على العباد من طلِّه وهطله، الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يُمانَع، والظاهر على خليقته فلا يُنارع، الآمر بما يشاء فلا يُراجَع، والحاكم بما يريد فلا يُدافَع، أحمده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه، ونصرة أنصاره، ومطهر بيت المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر إجهاره، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، شهادة من طهَّر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رافع الشك، وداحض الشرك، ورافض الإفك، الذي أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى صلى الله عليه وسلم وعلى خليفته الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين وجامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأصنام، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
(1)
(1)
هذا المصدر من أول خطبة ألقيت في المسجد الأقصى في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي، ألقاها القاضي محيي الدين بن الزكي، ذكر فيها فضائل المسجد الأقصى وكان أول ما قال:{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} عند ذلك تلي التنزيل وجاء الحق وبطلت الأباطيل، وصفَّت السجادات، وكثرت السجدات، وتنوعت العبادات، وارتفعت الدعوات، ونزلت البركات، وانجلت الكربات، وأقيمت الصلوات، وأذن المؤذنون، وخرس القسيسون، وزال البوس، وطابت النفوس، =
أمَّا بعد
فإن المسجد الأقصى يمثل عند المسلمين عقيدة راسخة لا تزول ولا تتغير؛ فإنه أول القبلتين وثاني المسجدين، لا يشد الرحل بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، وإليه أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وصلى فيه بالأنبياء والرسل، ومنه كان المعراج إلى السموات العلى، وهو أرض المحشر والمنشر يوم التلاق، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، فقدره عظيم، وشرفه كبير، والإيمان بفضله وشرفه عقيدة، والجهاد لتحريره عزة، والتخاذل عن نصره ذلة، والرضى بكونه مأسورًا ومدنسًا نفاق وخسة؛ لذا فإن الصراع بيننا وبين اليهود وحلفائهم ليس صراع أرض وحدود، وانما هو صراع عقيدة ووجود، ومن نظر إلى قضية القدس بغير هذا المنظور فهو جاهل ظلوم قد تجاوز الحدود، فاليهود يخوضون ضدنا حربًا دينية، ويتقربون إلى اللَّه -زعموا- بتخريب بلادنا، وافساد أخلاقنا، وتدمير اقتصادنا، ونحن نقاوم ذلك تحت راية القومية العربية، وليست تحت راية الدعوة الإسلامية، حتى هذه القومية المزعومة لم تحرك ساكنًا، أو تغير واقعًا لمَّا ناداهم الأقصى:
نادى على أهله الأقصى فما انتفضت
…
إلا الحجارة تفديه وتحميه
يا ألف مليون مخلوق لو ائتلفوا
…
لزلزلوا الكون دانيه وقاصيه
لعلَّنا إن سمعنا صوت نائحة .... واإخوتاه انتفضنا كي نلبيه
وفي المقابل ترى اليهود يعلنونها بكل صراحة: إن حربنا معكم مقدسة، في البروتوكول الخامس من بروتوكولات حكماء صهيون يقولون: إننا نقرأ في
= وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس، وعُبد اللَّه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وكبره الراكع والساجد والقائم والقاعد، وامتلأ الجامع، وسالت لرقة القلوب المدامع، وقد صدرت القول بها تيمنًا لعلَّنا نسمع مثلها عن قريب، ووقتئذٍ يفرح المؤمنون بنصر اللَّه.
شريعة الأنبياء: أننا مختارون من اللَّه لنحكم الأرض. وفي صحيفة يديعوت أحرنوت اليهودية نشرت مقالًا في 11/ 3/ 1987 م جاء فيه: إنَّ على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة مهمة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عامًا، ويجب أن يبقى الإسلام بعيدًا عن تلك المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا تلك في استمرار منع استيقاظ الروح الدينية بأي شكل وبأي أسلوب ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف لإخماد أي بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا.
وعندما أُعلنت دولة إسرائيل دولة لها كيانها واستقلالها -لا أقامها اللَّه- قام أول رئيس للوزراء وهو بن جوريون في هيئة الأمم المتحدة وقال على الملأ: قد لا يكون لنا الحق في فلسطين من منظور سياسي أو قانوني ولكن لنا الحق في فلسطين من منظور ديني، فهي أرض الموعد التي وعدنا اللَّه إياها من النيل إلى الفرات، وإنه يجب الآن على كل يهودي في أنحاء العالم بعد قيام دولة إسرائيل أن يهاجر إلى فلسطين، فإن كل يهودي لا يهاجر اليوم إلى أرض فلسطين فإنه يكفر كل يوم بالدين اليهودي.
ومع هذا التصريح والبيان من غير تلميح نرى بين صفوفنا قومًا يصرون على أن الدين لا دخل له في صراعنا مع اليهود:
أحل الكفر بالإسلام ضيمًا
…
يطول عليه للدين النحيب
فحق ضائع وحمى مباح
…
وسيف قاطع ودم صبيب
وكم من مسلم أمسى سليبًا
…
ومسلمة لها حرم سليب
وكم من مسجد جعلوه ديرًا
…
على محرابه نصب الصليب
دم الخنزير فيه لهم خلوق
…
وتحريق المصاحف فيه طيب
أمور لو تأملهن طفل
…
لطفل في عوارضه المشيب
أتسبى المسلمات بكل ثغر
…
وعيش المسلمين إذًا يطيب
أما للَّه والإسلام حق
…
يدافع عنه شبان وشيب
فقل لذوي البصائر حيث كانوا
…
أجيبوا اللَّه ويحكمُ أجيبوا
فالقدس لن تعود إلا بالمؤمنين أصحاب العقيدة التي تقدس البيت المقدس وتطأ اليهود والشرك المدنس، ولا عزة إلا بهذا.
في العام السادس عشر من الهجرة النبوية تم فتح بيت المقدس على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولما قدم عمر وصلى في المسجد الأقصى أراد عمر رضي الله عنه أن يجهر بهذه العقيدة، فلما قدم بيت المقدس عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض صنعت كذا وكذا قال: فصك في صدره وقال: لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم اللَّه بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم اللَّه. نعم واللَّه يا عمر لا عزة ولا نصرة ولا فلاح إلا باللَّه {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}
(2)
.
وفي محاولة منَّا لنصرة قضية المسلمين في فلسطين شمرنا عن ساعد الجد، لجمع كل ما ورد في كتاب اللَّه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عن هذه البقعة المباركة على وجه الخصوص وعن بلاد الشام قاطبةً على وجه العموم.
فلعل غافلًا ينتبه، وجاهلًا يتعلم، وناسًا يتذكر، وعالمًا يزداد علمًا ويقينًا.
(2)
المنافقون: 8.
ولربما استيقظت أمة من سباتها لتسترد مجدًا قد سلب منها، وأرضًا قد حُبسنا عنها، ومسجدًا قد شكى إلى اللَّه منَّا.
فجمعنا في ذلك ما ورد من الآيات، وما ثبت أو لم يثبت عن كل الأنبياء، وما أُثر عن الصحابة والتابعين والعلماء؛ ليكتمل البناء، ويتضح المقال، وينكشف ما كان مخبأً في ثنايا السطور والمصنفات، فغدت هذه الموسوعة بحمد اللَّه جامعةً لكل الفضائل والآيات، ومبينة فضل هذه البلاد على غيرها من الجارات سوى مكة والمدينة؛ فهما موطن الشرف ومهبط الوحي والفرقان.