الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُسْنَدُ حُذَيْفَةَ
739 -
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ":
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: "فَانْطَلَقْتُ -أَوْ: انْطَلَقْنَا- فَلَقِيَنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى بَيْتِ المقْدِسِ، فَلَمْ يَدْخُلَاهُ". قَالَ: قُلْتُ: بَلْ دَخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَتَئِذٍ وَصَلَّى فِيهِ. قَالَ: مَا اسْمُكَ يَا أَصْلعُ، فَإِنِّي أَعْرِفُ وَجْهَكَ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: قلْت: أَنَا زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ
(129)
. قَالَ: فَمَا عِلْمُكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِيهِ لَيْلَتَئِذٍ؟ قَالَ: قلْتُ: القُرْآنُ يُخْبِرُنِي بِذَلِكَ، قَالَ: مَنْ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ فَلَحَ، اقْرَأْ. قَالَ: فَقَرَأْت: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قَالَ: فَلَمْ أَجِدْهُ صَلَّى فِيهِ، قَالَ: يَا أَصْلَعُ هَلْ تَجِدُ صَلَّى فِيهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: وَاللَّهِ مَا صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَتَئِذٍ؛ لَوْ صَلَّى فِيهِ لَكُتِبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةٌ فِيهِ كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةٌ فِي البَيْتِ العَتِيقِ، وَاللَّهِ مَا زَايَلَا البُرَاقَ حَتَّى فُتِحَتْ لَهمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَرَأَيَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ وَوَعْدَ الآخِرَةِ أَجْمَعَ، ثُمَّ عَادَا عَوْدَهُمَا عَلَيَّ بَدْئِهِمَا. قَالَ: ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى رَأَيْت نَوَاجِذَهُ، قَالَ: وَيُحَدِّثونَ أَنَّهُ لَرَبَطَة لِيَفِرَّ مِنْهُ، وَإِنَّمَا سَخَّرَهُ لَهُ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. قَالَ: قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ دَابَّةٍ البُرَاقُ؟ قَالَ: دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ هَكَذَا خَطْوُهُ مَدُّ البَصَرِ
(130)
.
(129)
زر بن حبيش بن حباشة بن أوس بن بلال، وقيل: هلال بن سعد بن نصر بن غاضرة بن مالك ابن ثعلبة بن غنم بن خزيمة الأسدي، أبو مريم، ويقال: أبو مطرف، الكوفي، مخضرم أدرك الجاهلية، مات سنة إحدى وثمانين، وقيل غير ذلك. "تهذيب الكمال"(1976).
(130)
"حسن"
"مسند أحمد"(5/ 387)، وأخرجه الترمذي (3147)، والنسائي في "الكبرى"(11280)، والطيالسي (411)، وابن أبي شيبة (8/ 445)، والحميدي (448)، والطبري في "التفسير"(15/ 15)، وفي "تهذيب =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الآثار" مسند ابن عباس (1/ 444 - 446)، وعبد الرزاق في "التفسير" (1534)، والبزار في "البحر الزخار" (2915)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4381)، وابن حبان في "صحيحه" (45)، والحاكم (2/ 359)، والبيهقي في "الدلائل" (2/ 364)، وعزاه السيوطي في "الخصائص الكبرى" (1/ 261) إلى ابن مردويه، جميعهم من طرق عن عاصم بن أبي النجود، عن زر به.
قلت: ورجال إسناده ثقات سوى عاصم، ويتلخص كلام الأئمة فيه إلى ما قاله الذهبي في "الميزان" (2/ 357): ثبت في القراءة، هو في الحديث دون الثبت، صدوق يهم. وقال ردًّا على ابن خراش: هو حسن الحديث، خرج له الشيخان لكن مقرونًا بغيره لا أصلًا وانفرادًا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
وأما توجيه الحديث فقد أفاض أهل العلم في بيان التوجيه الصحيح له:
قال الإمام الطبري في "تهذيب الآثار"(443 - 448): إن قال لنا قائل إنك قد رويت لنا في بعض هذه الأخبار التي قدمت ذكرها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه صلى في بيت المقدس ليلة أسري به إليه من مكة، والأنبياء الذين سُمُوا في الأخبار التي رويت لنا بذلك، وأنه رآهم روية عيان لا رويا منام، فما أنت قائل فيما حدثكموه -وذكر الحديث وقول معاوية وعائشة. . . - وقال: هذا حذيفة بن اليمان ينكر أن يكون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد الأقصى، ويحلف على ذلك، وهذا معاوية وعائشة يذكران الذي ذكر اللَّه تبارك وتعالى من مسرى رسوله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المسجد الأقصى إنما كان مسرى روحه دون جسده، وأن الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من إخباره عما عاين من الأنبياء ورأى من العجائب في السموات، ووحي اللَّه إليه ما أوحى في تلك الليلة، وافتراضه ما افترض عليه فيها من الصلوات المكتوبات، إنما كان ذلك كله رؤيا نوم لا رؤيا يقظة؟ قيل له: أما ما روي عن حذيفة بن اليمان من قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في المسجد الأقصى ليلة أسري به، ولا نزل عن البراق حتى عاين من عظيم قدرة اللَّه عز وجل ما عاين، ثم رجع إلى المسجد الحرام". فقول منه، قاله تأولًا منه ظاهر ما في التلاوة، وذلك أنه لا ذكر في القرآن أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد الأقصى، فقال في ذلك بحسب ما كان عنده من علم ذلك، ولعله أن لا يكون كما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم إخباره عن نفسه أنه صلى في المسجد الأقصى تلك الليلة، أو أن يكون سمعه يخبر بذلك ثم نسيه، فالصواب كان له أن يقول من القول في ذلك وفي غيره ما هو الصحيح عنده، وليس إنكاره ما أنكر من ذلك، إن كان صحيحًا عنه ما روي في ذلك عنه، بدافع شهادة من شهد على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يخبر عن نفسه أنه صلى في المسجد الأقصى ليلة أسري به، وأن الأنبياء جمعوا له هنالك فصلى بهم، وذلك أن العدل إذا شهد شهادة على شهود عليه، لم تبطل شهادته عند أحد من علماء الأمة، بقول قائل: لا صحة لهذه الشهادة، أو لا حقيقة لها. إذا لم يكن لقائل ذلك حجة غير قوله: لا صحة لها ولا حقيقة. فحذيفة -رحمة اللَّه عليه- إنما احتج لقوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في المسجد الأقصى ليلة أسري به على من أنكر قوله، بأن اللَّه تعالى ذكره لم يذكر في كتابه أنه صلى فيه، وإنما ذكر =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فيه إسراء به فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} . وليس للقائل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل فيه تلك الليلة في ذلك من الحجة، إلا وفيه لمن قال إنه صلى فيه مثلها، وذلك أنه لا خبر فيه من اللَّه تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم على أنه صلى فيه، ولا أنه لم يصل فيه، ولا أنه نزل عن البراق، ولا أنه لم ينزل عنه، ولا أنه ربطه، ولا أنه لم يربطه، وإنما فيه الخبر عن أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته، وإنما قال من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد الأقصى تلك الليلة، رواية عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وخبرًا عنه أنه قال: صليت فيه، وليس في خبره عن نفسه بذلك خلاف لشيء من إخبار اللَّه عنه الذي ذكره في قوله: "بل بأن يكون ذلك تحقيقًا لما في هذه الآية، أشبه من أن يكون له خلافًا، وذلك أن اللَّه تعالى ذكره أخبر فيها أنه أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته، ومن عظيم آياته أن يكون جمع له من خلقه من مات قبل ذلك بالآف أعوام أحياء فصلى بهم، وخاطبوه وخاطبهم، وكلموه وكلمهم، فأعظم بها آية، وأجلل بها عبرة، فإن قال: فهل من خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى ليلة أسري به في المسجد غير هذا الخبر الذي ذكرت، فإن سائر الأخبار غيره ليس فيه ذلك؟ قيل: نعم. فإن قال: فاذكر لنا بعض ذلك. قيل له:. . . .
وحدث بأحاديث شداد بن أوس وأنى في الإسراء كما ردَّ (ص 43) على قول أن ذلك كله رؤيا نوم لا رؤيا يقظة، وأجمل به من كلام.
وقال أبو جعفر الطحاوي كما في "ترتيب شرح المشكل"(5/ 579): وكان ما رويناه عن ابن مسعود وأنس وأبي هريرة، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إثبات صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هناك أولى من نفي حذيفة أن يكون صلى هناك؛ لأن إثبات الأشياء أولى من نفيها؛ ولأن الذي قاله حذيفة: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لو كان صلى هناك لوجب على أمته أن يأتوا ذلك المكان، ويصلوا فيه، كما فعل صلى الله عليه وسلم. فإن ذلك مما لا حجة لحذيفة فيه، إذ كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يأتي مواضع ويصلي فيه، لم يكتب علينا إتيانها، ولا الصلوات فيها، بل قد نهى عمر بن الخطاب عن تتبع تلك المواضع والصلوات فيها.
ثم قال (ص 581): ردًّا على قول حذيفة "لو صلى فيه لكتب عليكم صلاة فيه": المساجد التي صلى فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذه المواضعٍ لم يجب على أمته إتيانها، ولا الصلاة فيها لإتيان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إياها ولصلاته فيها، فمثل ذلك أيضًا صلاته في بيت المقدس على ما في أحاديث ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة لا يجب به إتيان الناس هناك، ولا الصلاة فيه، وأبين من هذا أنه لا مسجد أجل مقدارًا، ولا أكثر ثوابًا من الصلاة فيه بعد المسجد الحرام من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكتب على الناس إتيانه ولا الصلاة فيه، كما كتب عليهم ما كتب من مثل ذلك في المسجد الحرام، وفيما ذكرنا في هذا ما قد دل على رتبة عمر رضي الله عنه في العلم أنها فوق رتبة من سواه رضوان اللَّه عليه، وعلى سائر أصحابه، وأما ما ذكرناه أيضًا عن حذيفة رضي الله عنه من دفعه أن يكون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ربط البراق ليلتئذ على ما في حديثه =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الذي رويناه عنه في ذلك، فإن ما روينا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من إثبات ذلك أولى مما روينا عن حذيفة في نفيه؛ ولأنه ليس كل مسخر لمعنى ينطاع لذلك المعنى، قد سخر اللَّه عز وجل لنا الدواب أن نركبها، ونحن لا نصل إلى ذلك منها بانطياعها لنا به، وببذلها إياه لنا من أنفسها، وإذا كان ذلك فيها كان مثل تسخير اللَّه عز وجل البراق لنبيه صلى الله عليه وسلم غير مستنكر منه فيه رباطه إياه المروي عنه في الأحاديث التي روى عنه ذلك فيها.
وقال البيهقي في "الدلائل"(2/ 365): وبمعناه رواه حماد بن زيد، عن عاصم إلا أنه لم يحفظ صفة البراق، وكأن حذيفة لم يسمع صلاته في بيت المقدس، وقد روينا في الحديث الثابت عن أبي هريرة وغيره أنه صلى فيه، وأما الربط فقد رويناه أيضًا في حديث غيره، والبراق دآبة مخلوقة، وربط الدواب عادة معهودة، وإن كان اللَّه لقادر على حفظها، والخبر المثبت أولى من النافي.
وقال ابن كثير في "التفسير" آية الإسراء: وهذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنه نفي وما أثبته غيره، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة بالبيت المقدس، مما سبق وما سيأتي مقدم على قوله، واللَّه أعلم بالصواب.
وقال ابن دحية في "الابتهاج في أحاديث المعراج"(ص 103): كان البراق لكرامته من حيث كرامة الراكب على الماشي غيره، ولذلك لم يمشي عنه إظهارًا لكرامة اللَّه تعالى له على ما جاء في حديث حذيفة:"ما زايل ظهر البراق".
وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام"(1/ 67): كأن حذيفة لم يبلغه أنه صلى في المسجد الأقصى، ولا ربط البراق بالحلقة.
وقال السهيلي في "الروض الأنف"(2/ 190): عن رواية بريدة السابقة وهي: "قال جبريل بإصبعه إلى الصخرة فخرقها فشد بها البراق وصلى" وأن حذيفة أنكر هذه الرواية وقال: لم يفر منه، وقد سخره له عالم الغيب والشهادة، وفي هذا من الفقه على رواية بريدة التنبيه على الأخذ بالحزم مع صحة التوكل، وأن الإيمان بالقدر -كما روي عن وهب بن منبه- لا يمنع الحازم من توقي المهالك. قال وهب: وجدته في سبعين كتابًا من كتب اللَّه القديمة وهذا نحوٌ من قوله صلى الله عليه وسلم: "قيدها وتوكل" فإيمانه صلى الله عليه وسلم بأنه قد سخر له، كإيمانه بقدر اللَّه وعلمه بأنه سبق في علم الكتاب ما سبق، ومع ذلك كان يتزود في أسفاره، ويعد السلاح في حروبه حتى لقد ظاهر بين درعين في غزوة أحد، وربطه للبراق في حلقة الباب من هذا الفن، وهو حديث صحيح، وقد رواه غير بريدة، ووقع في حديث الحارث بن أبي أسامة من طريق أنس، ومن طريق أبي سعيد وغيرهما - أعني ربطه للبراق في الحلقة التي كانت تربطه فيها الأنبياء، غير أن الحديث يرويه داود بن المحبر وهو ضعيف.
وقال ابن حجر في "الفتح"(7/ 247): ووقع في حديث حذيفة عند أحمد قال: "أتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالبراق فلم يزايل ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس". فهذا لم يسنده حذيفة عن النبي =