الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الْفِقْهِ
النَّهْيُ عَنِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ المقْدِسِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ
764 -
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ":
حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأنصارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ، وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا".
(1)
765 -
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ":
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدت عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عُمَرَ: لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى لَبِنَتَينِ مُستَقْبِلًا بَيتَ المقدِسِ لِحَاجَتِهِ، وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ.
(2)
(1)
"صحيح"
"صحيح البخاري"(144)، وأخرجه مسلم في "صحيحه"(264) بإسناده عن الزهري به، وزاد: قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر اللَّه؟ قال: نعم. وأخرجه أبو داود (9)، والنسائي (1/ 22 - 23)، والترمذي (8)، والدارمي (665) كلهم من طرق عن الزهري به، قال أبو عيسى الترمذي: حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح.
(2)
"صحيح"
"صحيح البخاري"(145)، وأخرجه مسلم (266) من طريق يحيى بن سعيد به.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح"(1/ 298): ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة له كما في الرواية الآتية، فحانت منه إلتفاتة كما في رواية للبيهقي من =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= طريق نافع عن ابن عمر. نعم؛ لما اتفقت له رؤيته في تلك الحالة عن غير قصد أحب ألا يخلو ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي. وكأنه إنما رآه من جهة ظهره حتى ساغ له تأمل الكينية المذكورة من غير محذور. ودل ذلك على شدة حرص الصحابي على تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ليتبعها، وكذا كان رضي الله عنه.
فائدة: اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها.
قال ابن المنذر في "الأوسط"(1/ 325 - 328): وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة بظاهر هذه الأخبار، قالت: لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها بغائط ولا بول في البراري والمنازل، هذا قول سفيان الثوري، وقال أحمد بن حنبل: يعجبني أن يتوقى في الصحراء والبيوت، وكره مجاهد والنخعي ذلك. وحجة هذه الفرقة ظاهر هذه الأخبار التي فيها النهي عن العموم. ورخصت طائفة في استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول. هذا قول عروة بن الزبير، وكان يقول: وأين أنت منها، وقد حكي هذا القول عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واحتج بعض من يوافق هذا القول بحديث عائشة، حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج، ثنا حماد، أخبرني خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فذكروا استقبال القبلة بالفروج، فقال عراك ابن مالك، قالت عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عنده أن ناسًا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"قد فعلوها؛ استقبلوا بمقعدي إلى القبلة". وبأحاديث قد ذكرنا أسانيدها في غير هذا الكتاب، وقال بعضهم: الأشياء على الإباحة، وجاءت الأخبار في هذا الباب مختلفة، ولا يعرف ناسخها من منسوخها، فوجب إيقاف الخبرين، وحمل الأشياء على الإباحة التي كانت، لما خفي الناسخ من الخبرين. وفرقت فرقة ثالثة بين استقبال القبلة واستدبارها في الصحاري والمنازل، فنهت عن ذلك في الصحاري، ورخصت فيه في المنازل، روي هذا القول عن الشعبي، وبه قال الشافعي وإسحاق بن راهويه، وحكي عن مالك هذا المعنى. حكى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن استقبال القبلة للغائط: أترى البيوت مثل الصحاري؟ قال: لا، ولا أرى في البيوت شيئًا. وحكى عنه ابن وهب أنه قال في البيوت: أحب عندي، واحتج بعض من قال بهذا القول في النهي عن ذلك في الصحاري بخبر أبي أيوب، واحتج في الرخصة في ذلك في المنازل بحديث ابن عمر، حدثنا إبراهيم ابن عبد اللَّه، أنا يزيد بن هارون، أنا يحيى، أن محمد بن يحيى، أخبره أن عمه واسع بن حبان أخبره، عن عبد اللَّه بن عمر قال:"ويقول ناس: إذا قعدت للغائط فلا تستقبل القبلة، ولا بيت المقدس. قال عبد اللَّه بن عمر: لقد ظهرت يومًا على ظهر بيت فرأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جالسًا على لبنتين مستقبل بيت المقدس". ودفع أبو ثور حديث عائشة بأن قال: خالد بن أبي الصلت ليس بمعروف. وقال أحمد بن حنبل: أما من ذهب إلى حديث عائشة، فإن مخرجه حسن. وقال غير أحمد: خالد معروف، قد روى عنه خالد الحذاء، والمبارك بن فضالة، وواصل =
766 -
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ":
ثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: ثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ مَعْقِلِ ابنِ أَبِي مَعْقِلٍ الأَسَدِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَتَانِ بِغَائِطٍ أوْ بولٍ
(3)
.
= مولى أبي عيينة. قال أبو بكر: وأصح هذه المذاهب مذهب من فرق بين الصحاري والمنازل في هذا الباب، وذلك أن يكون ظاهر نهي النبي صلى الله عليه وسلم على العموم إلا ما خصته السنة فيكون ما خصته السنة مستثنى من جملة النهي، وإنما تكون الأخبار متضادة إذا جاءت جملة فيها ذكر النهي، يقابل جملة ما فيها ذكر الإباحة، فلا يمكن استعمال شيء منها إلا بطرح ما ضادها، وسبيل هذا كسبيل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر بالثمر جملة، ثم رخص في بيع العرايا بخرصها، فبيع العرية مستثنى من جملة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر بالثمر، وكذلك نهيه عن بيع ما ليس عند المرء واذنه في السلم، وهذا الوجه موجود في كثير من السنن، واللَّه أعلم. فلما نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة بالغائط والبول نهيًا عامًا واستقبل بيت المقدس مستدبرًا الكعبة، كان إباحة ذلك في المنازل مخصوص من جملة النهي. وقال الحافظ في "الفتح" (1/ 296) بعد أن حكى الخلاف:. . . وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقًا، قال الجمهور: وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق، وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة، ويؤيده من جهة النظر ما تقدم عن ابن المنير أن الاستقبال في البنيان مضاف إلى الجدار عرفًا، وبأن الأمكنة المعدة لذلك مأوى الشياطين، فليست صالحة لكونها قبلة، بخلاف الصحراء فيهما.
(3)
"ضعيف"
"المسند"(4/ 210)، وأخرجه أبو داود (10)، وابن ماجه (319)، والبخاري في "التاريخ الكبير"(7/ 391)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 176)، والطبراني في "الكبير"(20/ 34 رقم 549، 550)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 233)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(1057، 1058)، والبيهقي في "السنن الكبير"(1/ 91)، وابن عساكر في "الجامع المستقصى" كلهم عن عمرو بن يحيى به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وعلته: أبو زيد وهو مولى بني ثعلبة، قال ابن المديني كما نقل عنه الحافظ في "التهذيب": ليس بالمعروف.
وقال الحافظ في "الفتح"(1/ 296): وهو حديث ضعيف لأن فيه راويًا مجهول الحال. وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس، وقد ادعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، وفيه نظر لما ذكرناه عن إبراهيم وابن سيرين، وقد قال به بعض الشافعية أيضًا، حكاه ابن أبي الدم.
فائدة: قال الزركشي في "إعلام الساجد"(292): يكره استقبال بيت المقدس واستدباره بالبول والغائط، ولا يحرم. قاله الشيخ محيي الدين في "الروضة" من زوائده تبعًا لغيره، ولم يتعرض له الشافعي وأكثر الأصحاب، كذا قال.
قلت: وقال الروياني في "البحر": قال أصحابنا: استقبال بيت المقدس واستدباره بالبول والغائط يكره؛ لأنه كان قبلة، ولا يحرم للنسخ. اهـ.
وقال الإمام الخطابي في "معالم السنن"(1/ 16): أراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس، وهذا يحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس، إذ كان مرة قبلة لنا، ويحتمل أن يكون من أجل استدبار الكعبة؛ لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة.
قال الإمام النووي في "المجموع"(2/ 80 - 81): قال أصحابنا: لا يحرم استقبال بيت المقدس ببول ولا غائط ولا استدباره، لا في البناء، ولا في الصحراء. قال المتولي وغيره: ولكنه يكره، ونقل الروياني عن الأصحاب أيضًا أنه يكره؛ لكونه كان قبلة. وأما حديث معقل بن أبي معقل الأسدي رضي الله عنه، قال: نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط. رواه أحمد بن حنبل، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم، وإسناده جيد، ولم يضعفه أبو داود، فأجاب عنه أصحابنا بجوابين لمتقدمي أصحابنا: أحدهما: أنه نهى عن استقبال بيت المقدس حيث كان قبلة، ثم نهى عن الكعبة حين صارت قبلة، فجمعهما الراوي. قال صاحب "الحاوي": هذا تأويل أبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة.
والثاني: المراد بالنهي أهل المدينة؛ لأن من استقبل بيت المقدس وهو في المدينة استدبر الكعبة، وإن استدبره استقبلها، والمراد بالنهي عن استقبالهما، النهي عن استقبال الكعبة، واستدبارها. قال صاحب "الحاوي": هذا تأويل عن بعض المتقدمين، فهذان تأويلان مشهوران للأصحاب، ولكن في كل واحد منهما ضعف، والظاهر المختار أن النهي وقع في وقت واحد، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان، ولكنه في الكعبة نهي تحريم في بعض الأحوال على ما سبق، وفي بيت المقدس نهي تنزيه، ولا يمتنع جمعهما في النهي، وان اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة، فبنيت له حرمة الكعبة، وقد اختار الخطابي هذا التأويل، فإن قيل: لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه؟ قلنا: للإجماع، فلا نعلم من يُعتد به خَرَمَهُ، واللَّه أعلم.