الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على ذلك قوله تعالى: {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا} والمهاجر إنما كان إلى المدينة لا من المدينة إلى ما سواها ولم نحد ما يدل على الموضع الذي رجعوا إليه غير ما روى عن مجاهد قال قوم: خرجوا من مكة حتى جاؤا إلى المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك فاستأذنوا إلى مكة ليأخذوا بضائع لهم فيتجرون بها فاختلف فيهم الصحابة فقيل هم منافقون وقيل هم مؤمنون فبين الله نفاقهم وأمر بقتالهم.
سورة المائدة
عن جبير بن نفير أنه قال: دخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير هل تقرأ المائدة فقلت نعم فقالت: إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه.
وعن البراء آخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} وآخر سورة نزلت: براءة، المروى عن عائشة أشبه بالحق والله أعلم لأن رسوله بعث عليا بسوره براءة في الحجة التي حجها أبو بكر قبل حجة الوداع فقرأها على الناس حتى ختمها وسورة المائدة نزلت بعد ذلك في حجة الوداع {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} الآية على ما روي أن اليهود قالوا: لو نزلت علينا هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} لاتخذنا ذلك اليوم عيدا فقال ابن عباس: أنها نزلت في عيدين اثنين يوم عرفة والجمعة وعن عمر أنها نزلت ليلة جمعة ونحن واقفون معه بعرفة.
وعن علي أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة وعن أبي بكر قال: تقرؤن هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب". هذا خطاب فيه نقصان من بعض رواته لا من أبي بكر والأولى به
ما روي عنه أنه قال يا أيها الناس إنكم تقرؤن هذه الآية من كتاب الله وتضعونها على غير ما وضعها الله عليه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أن الناس إذا عمل فيهم بالمعاصي أو بغير الحق يوشك أن يعمهم الله بعقاب".
وعن أبي ثعلبة الخشني سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا بد لك منه فعليك بنفسك إياك من1 العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل يومئذ منهم كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله فعلمنا أن قول أبي بكر تضعونها غير موضعها أراد به تستعملونها في غير زمنها وإن زمنها الذي تستعمل فيه" هو الزمن الذي وصفه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ثعلبة الخشنى لما وصفه به ونعوذ بالله منه وإن ما قبله من الأزمنة فرض الله فيه على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن الله لا يهلك العامة بعمل الخاصة ولكن إذا رأوا المنكر بين أظهرهم فلم يغيروه عذب الله العامة والخاصة"، ففي هذا تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يكون الزمان الذي ينقطع فيه ذلك وهو الزمان الموصوف في حديث أبي ثعلبة الذي لا منفعة فيه بأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر ولا قوة مع من ينكره على القيام بالواجب في ذلك فسقط الفرض عنه ويرجع أمره إلى خاصة نفسه ولا يضره مع ذلك من ضل هكذا يقول أهل الآثار أما من يتعلق بالتأويل فيقول: أن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم} ليس على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنهم لا يكونون مهتدين إذا لم يفعلوا ذلك وإنما يهتدون إذا فعلوا إلا إذا قصروا عنه ويقول نظيره ليس عليك هداهم ومع هذا يفترض
1 في مشكل الآثار 2/65 "وإياك أمر".
عليه الجهاد والقتال إلى أن يردهم إلى دينه الذي بعثه الله به وأمره1 أن يقاتل الناس عليه كافة والأول أبين معنى وهذا صحيح أيضا عن ابن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كيف بكم وبزمان -أو قال- يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة ويبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا" وشبك بين أصابعه قالوا: وكيف بنا يا رسول الله؟ قال: "تأخذون بما تعرفون وتذرون ما تنكرون وتقبلون على أمر خاصتكم وتذرون أمر عامتكم".
وعن العرباض قال: وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ورغبهم وحذرهم وقال: "ما شاء الله أن يقول" ثم قال: "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأطيعوا من ولاه الله أمركم ولا تنازعوا الأمر أهله ولو كان عبد أسود وعليكم ما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين وعضوا على نواجذكم بالحق"، وفي حديث آخر:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" ففي هذه الآثار تسديد ما في الآثار التي قبلها وتصديقه وأعلام بأن الأزمنة تختلف وتتباين وإن كل زمان منها له حكمه الذي قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وأعلمهم إياه وعلمهم ما يعملون به فيه فعلى الناس التمسك بذلك ووضع كل أمر موضعه الذي أمر أن يضعه فيه وإن لا يخرجوا عن ذلك إلى ما سواه.
وعن ابن عباس كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة للتجارة فخرج رجل من بني سهم فتوفي في أرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما ودفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوص بذهب فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمنا ولا اطلعنا ثم عرف الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله إن هذا لجام السهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين وأخذا الجام وفيهم
1 في مشكل الآثار 2/67 "عن عبد الله بن عمرو بن العاص".
نزلت هذه الآية وعنه في قوله تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال: من غير أهل الإسلام من الكفار إذا لم تجدوا المسلمين.
وعن أبي زائدة عن عامر قال: خرج رجل من خثعم فتوفي بدقوقاء فلم يشهد وصيته إلا رجلان نصرانيان من أهله فأشهدهما على وصيته فقدما الكوفة فاحلفهما أبو موسى الأشعري في دبر صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله الذي لا إله إلا هو ما خانا ولابد ولا كتما وإنها لوصيته ثم أحاز شهادتهما هذا يدل على أن الآية محكمة غير منسوخة عند ابن عباس وأبي موسى ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة والتابعين وعن شريح أنه قال: لا تجوز شهادة المشرك على المسلم إلا في وصيته تكون في سفر.
وعن ابن المسيب وابن جبير وابن سيرين {مِنْ غَيْرِكُمْ} أي: من غير دينكم.
وعن مجاهد إذا حضر موته مسلمان أو كافران ولا يحضر غير اثنين منهم فإن رضي ورثته بما غابا عليه من تركته بذلك1 ويحلفان أنهما صادقان فإن عثر بلطخ وجد أو لبس أو شبهه حلف الإثنان2 للأولين من الورثة فاستحقا وابطلا إيمان الشاهدين وهو قول فقهاء الأمصار ابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري وقال الحسن {مِنْ غَيْرِكُمْ} أي: من غير أهل قبلتكم3 كلهم من أهل الصلاة ألا تراه يقول: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ} وإليه ذهب أبو حنيفة في أصحابه ومالك في
1 في تفسير ابن جرير 7/72 "فذاك" وهو الظاهر- ح.
2 في التفسير "الأوليان".
3 كذا والظاهر "قبيلتكم" كما يدل عليه السياق وقوله عقبة، كلهم مبتدأ بريد الأولان والآخران ومذهب الحسن مشهور في ذلك راجع تفسير ابن جرير 7/64 ولفظه في رواية "كان الحسن يقول اثنان ذوا عدل منكم أي من عشيرته أو آخران من غيركم قال من غير عشيرته" وفي أخرى عن الحسن، أو آخران من غيركم قال من غير عشيرتك وعن غير قومك كلهم من المسلمين- ح.