الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في مسقط الخيار
روي مرفوعا إذا عتقت الأمة وهي تحت العبد فأمرها بيدها فإن هو قرب حتى وطأها فهي امرأته لا تستطيع فراقه وعن عائشة إن بريرة عتقت فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: "إن قربك فلا خيار لك" فيه أن الخيار لا يبطل بالقيام من مجلس العلم حتى يكون منها تمكين من نفسها بالوطء بعده خلافا للكوفيين بأنها إذا قامت أو أخذت في عمل آخر بطل خيارها ومثل الوطء التمكين من التقبيل والمس في أن ذلك دليل الرضا بالزوج وإبطال الخيار كالتصريح باللسان ومثل ذلك الطلاق المبهم لامرأتيه والعتاق المبهم لأمتيه فإنه إذا جامع إحداهما مختارا تعينت الأخرى للطلاق والعتاق كما لو صرح بلسانه ومثل ذلك الأمة المبيعة المعينة إذا صدر من المشتري إليها ما لا يحل له منها إلا بملكه لها يكون قاطعا للرد نازلا منزلة قوله رضيت صريحا ويؤيد عدم اشتراط المجلس ما روي عن ابن عباس أنها لما خيرت كان زوجها يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته وكذا قوله صلى الله عليه وسلم لها بعد إعلامها بثبوت الخيار لها: "هو زوجك وأبو ولدك" فقالت: أتامرني به يا رسول الله قال: "لا إنما أنا شافع" فقالت: أن كنت شافعا فلا حاجة لي فيه فقد انتقلت عنه من مكان إلى مكان واختارت نفسها وعن حفصة قالت لبريرة: أن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك وهو قول ابن عمر وعطاء.
معاني حديث بريرة
عن عائشة أنها قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: فكانت عتقت فخيرت في زوجها وقال صلى الله عليه وسلم: "الولاء فيمن اعتق" ودخل صلى الله عليه وسلم والبرمة تفور بلحم فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت فقال صلى الله عليه وسلم: "ألم أر برمة فيها لحم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة فقال صلى الله عليه وسلم: "هو صدقه عليها وهو
لنا منها هدية". ووجهه أن الصدقة خرجت من ملك المتصدق على بريرة فجاز خروجها من ملكها إلى من تحرم عليه الصدقة بالهدية وبهذا استدل قوم على إباحة الصدقة للهاشمي بطريق العمالة لأنه لا يأخذ منها ما يأخذه إلا بعمله عليها لا بصدقة أهلها به عليه وهو قول أبي يوسف قياسا على الغنى وكرهه غيره لأن الصدقة تخرج من ملك ربها إلى مستحقها وفيهم العاملون علها ولا يحل لهم أن يأخذوها جعلا على عملهم وأنا تركنا القيام في ذلك للسنة روى عن علي قال: قلت للعباس: سل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملك على الصدقة فسأله فقال: "ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس" فعلم بذلك إنما كره استعماله رفعا لرتبته أن يكون عاملا على الغسالة لا لحرمتها عليه كما روى ابن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: أصحبني كما تصيب منها فقال: حتى اسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: "أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة وإن مولى القوم من أنفسهم" وذلك على التنزه منه لبني هاشم ولمواليهم لا على أنهم لو عملوا لحرم عليهم ما يأخذونه منها كما لا يحرم على الغني العام إذ لم يرد أبو رافع أن يصيب من الصدقة إلا ما تكون عمالته منها وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق" لا يجوز أن يبيح لعائشة أن تشترط خلاف ما في شريعته ولكن لم يوجد اشتراط الولاء في حديث عائشة إلا من رواية مالك عن هشام فأما من سواه وهو الليث ابن سعد وعمرو بن الحارث فقد رويا عن هشام أن السؤال لولاء بريرة إنما كان من عائشة لأهلها بأداء مكاتبتها إليهم فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق" وهذا خلاف ما رواه مالك عن هشام خذيها واشترطي فإنما الولاء لمن أعتق مع أنه يحتمل أن يكون معنى اشترطي أظهري لأن الاشتراط في كلام العرب هو الإظهار ومنه قول أوس بن حجر.
فأشرط فيها نفسه وهو معصم
…
فألقى باسياف له وتوكلا
أي: أظهر نفسه أي أظهري الولاء الذي يوجبه عتاقك أنه لمن يكون ذلك العتاق منه دون من سواه وقال بعض أن معنى: اشترطي لهم أي: عليهم كقوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} وقال محمد بن شجاع: هو على الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} وكقوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} الآية ألا تراه صلى الله عليه وسلم صعد المبر وخطب فقال: "ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله عز وجل" إلى آخره، وإذا انفرد مالك عن هشام وخالفه عمرو بن الحارث والليث بن سعد كانا أولى بالحفظ من واحد وحديث عائشة ذكر من وجوه بألفاظ شديدة الاختلاف غير أنه لا شيء فيه من إطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بريرة ما كان منهم من اشتراطهم الولاء لإطلاق عائشة ذلك لهم وممن روى عن عائشة ابن عمر والأسود بن يزيد والقاسم بن محمد وعمرة ابنة عبد الرحمن وعن ابن أيمن حدثني أبي قال: دخلت على عائشة فقالت: دخلت على بريرة فقالت: اشتريني وأعتقيني؟ فقلت: نعم فقالت: إن أهلي لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي فقلت لها: لا حاجة لنا بذلك فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اشتريها فاعتقيها" واشترط أهلها الولاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الولاء لمن أعتق وإن اشترط مائة شرط".
وكان في حديث أيمن ودعيهم فليشترطوا ما شاؤوا على الوعيد ورواه ربيعة عن القاسم بمعنى الوعيد قال: كان في بريرة ثلاث سنن: أرادت عائشة أن تشتريها وتعتقها فقال أهلها: ولنا الولاء فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لو شئت شرطته لهم فإنما الولاء لمن أعتق" ثم قام قبل الظهر أو بعدها فقال: "ما بال رجال يشترطون" الحديث، فقوله:"لو شئت شرطته" على الوعيد لا على إطلاق ذلك لها أن تشترطه لهم وعن الأسود عن عائشة أنها اشترت بريرة فأعتقتها واشترطت لأهلها الولاء فذكرت ذلك للنبي صلى الله
عليه وسلم فقال: "إنما الولاء لمن أعتق" وعن منصور أنها اشترت بريرة لتعتقها فاشترط أهلها الولاء فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني اشتريت بريرة لأعتقها واشترط أهلها ولاءها فقال: "الولاء لمن أعتق" فكان قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كله ثم أعلم أن بعض الناس استدل بقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "اشتريها واعتقيها" على أن ابتياع عائشة كان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم على أن تعتقها يجوز ابتياع المماليك بشرط الإعتاق بخلاف باقي الشرائط ولا دليل له في ذلك لأن ذلك كان مشورة بذلك علها أن تفعله ابتداء وليس فيه اشتراط أهلها ذلك عليها في بيعهم إياها منها وفي بعض الآثار أن عائشة هي التي سألت أن تشتريها على أن يكون الولاء لها وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة بعد إباء موالي بريرة ذلك: "ابتاعي فاعتقي فإنما الولاء لمن أعتق" فكان فيه الأمر بابتياعها وعتقها ابتداء وليس فيه اشتراط من أهلها أن تعتقها عائشة أنما فيه اشتراطهم ولائها عليه في إعتاق عائشة بعد ابتياعها إياها ومقول أنها إذا كانت تعتقها عن نفسها لم يكن باشتراط من بائع بريرة عليها وفي الحديث دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم موالي بريرة عن ذلك حيث أنكر عليهم وأعلمهم بوعيده إياهم أنه خارج من شريعته بقوله: "كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مائة شرط" ولو كان ما صدر منهم من الشرط جائزا لما أنكره عليهم ولا تواعدهم عليه ولا ذمهم وفيما ذكرنا دليل على أن الذي كان منهم اشتراط ولائها في عتاق عائشة لا اشتراط أن تعتقها عن نفسها عتاقا واجبا عليها شرطهم في بيعهم إياها منها وقال ابن عمر: لا يحل فرج إلا فرج إن شاء صاحبه وهبه وإن شاء أمسكه لا شرط عليه فيه
والمبيعة على أن يعتقها مشتريها ليس كذلك لأنه لزمه اعتاقها ولم يكن له إمساكها وفي ذلك نفى ما ظنه المتأولون من تجويز البيع بالشرط وقول عمر لابن مسعود في الجارية التي ابتاعها من أمرأته واشترطت عليه خدمتها لا تقريها ولا حد فيها مثنوية يؤكد ما قلنا أيضا.