الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في كثير من أهل الحجاز والذي صححنا عليه حديث ابن عمر على ما ذكرناه أولى وأما ذكر الولاء في حديث ابن عمر للمعتق إذا كان موسر أو لمن يسعى له فإن جميع من ذكرنا يأبى ذلك ويجعله لمن أعتقه خاصة غير أبي حنيفة فإنه يجعله بينهما والدليل يساعد قول مخالفيه لأن العبد يعتق بإعتاق مالكه إياه لا بالسعاية لا سيما وحديث ابن عمر يدل على أنه حر بعتاق من أعتقه من مالكيه فانتفى عنه الرق ولم يقع عليه عتاق بعد ذلك ومن قال: أنه يبقى نصيب من لم يعتق رقيقا إذا كان المعتق معسرا يكون له ما يكتسبه في يوم من أيامه لنفسه بحق العتاق الذي ناله ويكون ما يكتسبه في يوم سواه لمن يملك بقيته وهذا غير معقول لأن العبد في اليوم الذي يعمل لنفسه إنما يعمل بكليته مما بعضه مملوك وبعضه ليس كذلك فوجب أن لا ينفرد شيء بكسبه دون من له فيه الرق ألا ترى أنه لو جنى عليه جناية في الأيام التي يعمل فيها لنفسه لم ينفرد بارش ذلك ولو كانت أمة فتزوجت في أيامها لم تنفرد بصداقها وقد كان ابن أبي ليلى وابن شبرمة يقولان جميعا في العبد الذي يعتق نصيبه منه صاحبه وهو معسر: أنه يسعى في قيمة أنصباء الذين لم يعتقوه ويرجع بما يسعى على المعتق وفيما روينا ما يدفع ذلك إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الضمان على المعتق إذا كان له مال يبلغ قيمة أنصباء شركائه لا غير وليس لأحد أن يتعدى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء إلى ما لم يرو عنه وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أعتق نصيبا أو شركا له في مملوك فعليه خلاصة كله في ما له فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه" وفيه إيجاب ما صححنا عليه حديث ابن عمر قبل هذا ومن روى هذا الحديث فلم يذكر فيه السعاية فقد قصر في الحفظ وكان من حفظ شيئا أولى ممن قصر عنه.
في العتق بالمثلة
عن ابن عباس قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب فقالت: أن سيدي
اتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجى فقال عمر: علي به فلما رأى عمر الرجل قال له: تعذب بعذاب الله، قال: يا أمير المؤمنين اتهمتها في نفسها قال: رأيت ذلك عليها؟ قال الرجل: لا قال: فاعترفت لك به؟ قال: لا قال: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقاد مملوك من مالكه ولا والد من ولده1" لأقدتها منك فجرده وضربه مائة سوط وقال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى وأنت مولاة الله عز وجل ورسوله أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حرق مملوكه بالنار أو مثل به مثلة فهو حر وهو مولى الله عز وجل ورسوله".
قال الليث: هذا أمر معمول به وروى أنه كان عبد لزنباع بن سلامة فعتب عليه فخصاه وجدعه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ لزنباع القول واعتقه منه مذهب مالك والليث اعتاق المملوك على مولاه بتمثيله محتجين بالحديثين وبما روى عن أبي يزيد القداح قال: رأيت عمر بن الخطاب وجاءته أمة سوداء قد شويت بالنار فاسترجع عمر حين رآها وقال: من شواك قالت: فلان فأتى به فقال: عذبتها بعذاب الله والله لولا لأقدتها منك فأعتقها وأمر به فجلد غير أن مالكا يجعل ولاءه لمولاه قال الطحاوي: وجدت الحديث الأول يرجع إلى عمر بن عيسى القرشي الأموي رواية عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وهو ليس بمعروف والحديث الثاني ليس مما يقطع به أيضا والحديث الثالث وإن كان طريقه حسنا ليس فيه حجة لأنه قد يجوز أن يكون عمر فعله عقوبة لفاعله إذ كان مذهبه العقوبات على الذنوب بالأموال كما فعل مع حاطب في عبيدة الذين كان يجيعهم حتى حملهم ذلك على سرقة ناقة لرجل من مزينة قيمتها أربعمائة فغرم حاطبا لذلك ثمانمائة درهم والمحتجون به لا يقولون بذلك وإذا اتسع لهم خلاف عمر في هذا فالذي كان عليه عمر من هذا كان الحكم في أول الإسلام من ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الزكاة من أعطاها مؤتجرا قبلناها منه وإلا فإنا آخذوها منه وشطر ما له
1 كذا في الأصل- لعله ولا ولد من والده.
عزمة من عزمات ربنا ومن ذلك ما روى عنه في حريسة الجبل أن فيها غرامة مثلها.
ومن ذلك ما روى فيمن وقع على جارية امرأته مستكرها لها أو غير مستكره لها كما ذكرنا في موضعه من هذا الكتاب وإذا أوجب نسخ ذلك كان مثله أيضا العقوبات في الأموال بالمثلات وغيرها ثم رجعنا إلى ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدخل في هذا الباب فوجدنا من ذلك ما روى عن عمر بن الحكم أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن لي جارية كانت ترعى غنما لي فجاء ذئب فعقر شاة من الغنم فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئب فأسفت عليها وكنت من بني آدم فلطمت وجهها وعلي رقبة أفأعتقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين الله"؟ فقالت: في السماء قال: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله قال: "اعتقها".
وفي حديث آخر مكان فلطمت وجهها فصككتها صكة ولا يخالف ذلك ما في الحديث الأول لأن اللطمة قد تسمى صكة ومنه قوله عز وجل: {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} فلما كانت اللطمة قد يكون عنها الشين بالوجه الذي قد يكون تمثيلا بالملطوم وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الكشف عن ذلك عقلنا به أن تمثيله لا يوجب عتاقها عليه يقول ذلك من يقوله ممن ذكرناه وعن محمد بن المنكدر قال: حدثنا أبو شعبة قال: لطم رجل وجه خادم له عند سويد بن مقرن فقال له سويد: ألم تعلم أن الصورة محرمة لقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا إلا خادم واحد فلطم أحدنا وجهه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتقه وفي أمره صلى الله عليه وسلم إياه بالأعتاق دليل على أنه ما عتق باللطمة التي فيها أحداث المثلة في وجهه وفيه نظر لأن الغالب أن اللطمة لا تكون عنها مثلة ومما يدل على انتفاء العتق ما روى أن ابن عمر أعتق مملوكا له فأخذ عودا من الأرض وقال: مالي فيه من الأجر ما يساوي هذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من لطم مملوكه أو ضربه حدا لم يأته فكفارته