الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
حكم الوطء لعادم الماء
اختلف الفقهاء في حكم من كان عادمًا للماء ويريد جماع أهله، فهل يجوز له أن يجامع ليتيمم بعد ذلك، أو لا يجوز له ذلك؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يجوز له جماع أهله، وهو قول الحنفية، وابن وهب
(1)
وابن شعبان من المالكية، وقول الشافعية، وهو رواية عند الحنابلة هي المذهب
(2)
.
القول الثاني: أنه يكره له جماع أهله إلا إذا خاف الضرر على نفسه بسبب عدم الجماع فيباح له بدون كراهة، وهو قول المالكية، ورواية عند الحنابلة
(3)
.
سبب الخلاف:
أصل الاختلاف في هذه المسألة مبني على الاختلاف في التيمم، هل هو رافع للحدث أو مبيح؟
(4)
.
(1)
هو: عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد الفهري مولاهم، ولد بمصر سنة (125 هـ)، وكان مالك يعظمه، قال عنه أحمد بن حنبل: ابن وهب عالم صالح فقيه كثير العلم، من كتبه: الجامع، والمناسك، والمغازي وغيرها. توفي سنة (197 هـ).
انظر: ترتيب المدارك (1/ 243 ـ 250)، سير أعلام النبلاء (9/ 223 ـ 232).
(2)
الأصل (1/ 113 ـ 115)، المبسوط (1/ 117)، النوادر والزيادات (1/ 121)، شرح الزرقاني (1/ 227)، الأم (1/ 96)، المجموع (2/ 167)، الإنصاف (1/ 252)، كشاف القناع (1/ 386).
(3)
المدونة (1/ 31 و 48، 49)، الشرح الكبير للدردير (1/ 265)، المستوعب (1/ 290)، الإنصاف (1/ 252).
(4)
انظر: شرح التلقين (1/ 307)، الذخيرة (1/ 367).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجواز الوطء لعادم الماء بدون كراهة، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
1 ـ قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43، المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن الآية سيقت لبيان الأحداث التي توجب التيمم إن عدم الماء فقوله {لَامَسْتُمُ} يفيد إباحة الجماع حال عدم الماء
(1)
، لأن الملامسة هي الجماع، كما فسرها بذلك ابن عباس
(2)
.
2 ـ قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].
وجه الدلالة:
أن التطهر يصدق على طهارة التراب عند عدم الماء كما يصدق على طهارة الماء
(3)
.
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أعزب
(4)
عن الماء،
(1)
المبسوط (1/ 117).
(2)
تفسير القرآن العظيم (1/ 793، 794).
(3)
السيل الجرار (1/ 334).
(4)
أعزب: أي أبعد، يقال: أعزب الرجل يعزب، إذا أبعد بماشيته عن الناس في المرعى. لسان العرب (1/ 596، 597).
ومعي أهلي فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم
…
» الحديث
(1)
.
وجه الدلالة:
دل الحديث على جواز الوطء لعادم الماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل التيمم يقوم مقام الماء.
ثالثًا: من الآثار:
ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان في سفر، ومعه جارية له فتخلف عن أصحابه، فأصاب منها، ثم أدركهم، فقال: معكم ماء؟ فقالوا: لا، فقال: أما إني قد علمت ذلك، فتيمم
(2)
.
رابعًا: من المعقول:
1 ـ قياسًا على الحدث الأصغر، فكما يجوز له اكتساب سبب الحدث في حال عدم الماء فكذلك يجوز اكتساب سبب الجنابة
(3)
.
(1)
تقدم تخريجه (ص 25).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 94) برقم (1046). وفي مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (1/ 95): «قلت الرجل يجامع أهله في السفر وليس معه ماء؟ قال: لا أكره ذلك قد فعل ذلك ابن عباس. قال إسحاق: هو سنة مسنونة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أبي ذر وعمار وغيرهما، وفعله ابن عباس رضي الله عنهم» ، ط: دار الهجرة 1425 هـ.
وهذا يدل على أن فعل ابن عباس ثابت عنه عند الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه.
(3)
المبسوط (1/ 117).
2 ـ أن منع النفس من جماع الزوجة بسبب عدم وجود الماء فيه حرج ومشقة، وما شرع التيمم إلا لرفع الحرج
(1)
.
3 ـ أن الله تعالى أباح للرجل إتيان أهله، ولا يجوز حظر ذلك ولا المنع منه إلا بسنة أو إجماع
(2)
.
4 ـ أنه يجوز التيمم للجنب، فلا يمنع من أهله، كما لو وجد الماء
(3)
.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بكراهية الوطء لعادم الماء، بما يلي:
أولاً: من الآثار:
ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً أتاه فقال له: إني أعزب في إبلي أفأجامع إذا لم أجد الماء؟ قال ابن عمر: «أما أنا فلم أكن أفعل ذلك، فإن فعلت ذلك، فاتق الله واغتسل إذا وجدت الماء»
(4)
.
وجه الدلالة:
دل الأثر على أن ابن عمر كان يكره لمن لم يجد الماء أن يجامع زوجته.
(1)
المصدر السابق.
(2)
الأوسط (2/ 17، 18).
(3)
البيان (1/ 285).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 93) برقم (1038)، وعبد الرزاق في المصنف (1/ 240) برقم (919).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن قول ابن عمر ليس صريحًا في كراهة جماع الرجل أهله عند عدم الماء، وإنما قال هذا من باب الورع والاحتياط لدينه، ولهذا منع ذلك على نفسه وأجازه لمن سأله.
ثانيًا: من المعقول:
1 ـ أن طهارة التيمم طهارة ضرورية، فيقتصر بها على الصلاة
(1)
.
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه إذا كان طهارة للصلاة فهو طهارة لغيرها، عملاً بارتفاع المنع في الصورتين
(2)
.
2 ـ أنه يفوت على نفسه طهارة كان يمكن بقاؤها
(3)
، كأن يكون على طهارة مائية وهو عادم للماء، فينقضها بالجماع، وحتى لو كان على غير طهارة مائية فإنه ينتقل من تيمم الأصغر للأكبر
(4)
.
المناقشة:
نوقش من وجهين:
(1)
الذخيرة (1/ 368).
(2)
المصدر السابق.
(3)
المغني (1/ 354).
(4)
الشرح الكبير للدردير (1/ 265).
الوجه الأول: أن الجماع مباح فلا يمنع ولا يكره إلا بنص صريح أو إجماع، ولا نص هنا ولا إجماع.
الوجه الثاني: أن الله تعالى سمى التيمم طهرًا ـ والصلاة به جائزة ـ وقد حض الله تعالى على مباضعة الرجل امرأته، وما خص الله بذلك من حكمه التيمم ممن حكمه الغسل أو الوضوء
(1)
.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز الوطء لعادم الماء، وذلك لما يلي:
1 ـ لقوة أدلتهم وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
2 ـ مناقشة أدلة القول الثاني.
3 ـ أن التيمم طهارة تنوب عن الماء، وهي بدل عنه، والبدل يقدم مقام المبدل، فالمتيمم متطهر طهارة صحيحة، فلا وجه للكراهية حينئذ.
4 ـ أن في الوطء منافع كثيرة من امتثال الشرع، وجلب الولد ونحو ذلك، وفي الامتناع عنه قد يؤدي ذلك إلى الاحتلام، فلأن تقع الجنابة بسبب الوطء مع ما فيه من المصالح أفضل من وقوعها بالاحتلام.
(1)
المحلى (1/ 90).