الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول
حكم شراء الماء لمن فقده
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمكلف العادم للماء أن يعدل إلى التيمم مع قدرته على شراء الماء بثمن مثله
(1)
، وكان هذا الثمن فاضلاً عن حاجته ودينه
(2)
، واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43، المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن من وجد الماء بثمن مثله وعنده ثمنه فإنه يعتبر واجدًا له
(3)
.
ثانيًا: من المعقول:
5 ـ أن القدرة على ثمن الشيء كالقدرة على الشيء نفسه، قياسًا على الرقبة في الكفارة، حيث أنه لا يجوز له أن ينتقل إلى الصوم، إذا كان يملك الرقبة أو يملك ثمنها
(4)
.
(1)
بثمن مثله: أي في ذلك الموضع وما قاربه. بدائع الصنائع (1/ 323)، شرح الزرقاني (1/ 211)، المجموع (2/ 202)، المغني (1/ 317).
(2)
الاختيار لتعليل المختار للموصلي (1/ 31)، ط: دار المعرفة 1419 هـ، رد المحتار (1/ 372)، حاشية الخرشي (1/ 352)، الفواكه الدواني (1/ 244)، الأم للشافعي (2/ 98)، ط: دار الوفاء 1422 هـ، المجموع (2/ 202)، المبدع (1/ 167)، شرح منتهى الإرادات (1/ 181).
(3)
المغني (1/ 317).
(4)
المبسوط (1/ 115)، المعونة (1/ 147)، المهذب (1/ 131)، الكافي لابن قدامة (1/ 99).
6 ـ لأنه قادر على استعماله من غير ضرر
(1)
.
7 ـ لأنه يلزمه شراء ستر عورته للصلاة فكذا هنا
(2)
.
واتفق الفقهاء أيضًا على أن من عدم الماء، ووجده يباع بزيادة كبيرة على ثمن المثل وبغبن فاحش
(3)
،
فإنه لا يلزمه شراؤه ويتيمم
(4)
(5)
(6)
.
(1)
المبدع (1/ 167).
(2)
كشاف القناع (1/ 394).
(3)
الغبن: بفتح الغين وسكون الباء، والغبن في البيع والشراء الوكس، يقال: غبنه يغبنه غبنًا أي خدعه، وأصل الغبن النقص، ومنه يقال: غبن فلانًا ثوبه إذا ثنى طرفه. تهذيب الأسماء واللغات (3/ 238)، لسان العرب (13/ 310).
والغبن الفاحش أو الزيادة الكثيرة: ما لا يتغابن الناس بمثله أو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، والغبن اليسير أو الزيادة اليسيرة: ما يتغابن الناس بمثله أو ما يقوم به مقوم واحد. بدائع الصنائع (1/ 323)، الكافي لابن عبد البر (ص 28)، المجموع (2/ 203)، المغني (1/ 317)، التعريفات (1/ 207)، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (1/ 534)، ط: دار الفكر 1410 هـ.
(4)
وقال الحسن البصري رحمه الله: يلزمه الشراء ولو بجميع ماله؛ لأن هذه تجارة رابحة. الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (2/ 44)، ط: دار طيبة 1414 هـ، المبسوط (1/ 115)، المجموع (2/ 203).
(5)
هناك رواية عند الحنابلة أنه إن كان ذا مال كثير ولا تجحف به الزيادة الكثيرة لزمه الشراء. انظر: الإنصاف (1/ 257).
(6)
المبسوط (1/ 115)، الذخيرة (1/ 344)، المجموع (2/ 203)، الإنصاف (1/ 257).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 ـ أن حرمة مال المسلم كحرمة نفسه، والضرر في النفس مسقط، فكذا في المال
(1)
.
2 ـ أن الزيادة الكثيرة تجعله في حكم المعدوم
(2)
.
3 ـ أن هذا القول هو الموافق ليسر الشريعة الإسلامية ودفع الحرج والمشقة عن المكلفين في أنفسهم وأموالهم.
واختلف الفقهاء فيما إذا كانت الزيادة على ثمن المثل يسيرة، فهل يلزمه شراء الماء أم لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: يلزمه شراء الماء، وهو قول الحنفية والمالكية ووجه للشافعية، ورواية عند الحنابلة هي المذهب
(3)
.
القول الثاني: لا يلزمه شراء الماء، وهو الصحيح من قول الشافعية، ورواية عند الحنابلة
(4)
.
(1)
شرح العناية على الهداية (1/ 142)، الذخيرة (1/ 344)، المغني (1/ 317).
(2)
الشرح الكبير لابن أبي عمر بن قدامة (2/ 184)، ط: دار عالم الكتب 1419 هـ، المبدع (1/ 167).
(3)
بدائع الصنائع (1/ 323)، البحر الرائق (1/ 284)، التلقين في الفقه المالكي لعبد الوهاب البغدادي (ص 67)، ط: مكتبة نزار الباز 1415 هـ، حاشية الخرشي (1/ 352)، العزيز (1/ 210)، المجموع (2/ 203)، المستوعب للسامري (1/ 280)، ط: مكتبة المعارف 1413 هـ، الإنصاف (1/ 257).
(4)
المجموع (2/ 203)، نهاية المحتاج (1/ 273)، المبدع (1/ 167)، الإنصاف (1/ 258).
أدلة القول الأول:
وهم القائلون بلزوم شراء الماء إذا كانت الزيادة يسيرة، استدلوا بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43، المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن من وجد الماء بزيادة يسيرة على ثمن المثل وعنده ثمنه فإنه يعتبر واجدًا له
(1)
.
ثانيًا: من المعقول:
1 ـ أن تلك الزيادة اليسيرة غير معتبرة فلا أثر لها
(2)
.
2 ـ أن القدرة على ثمن العين كالقدرة على العين في المنع من الانتقال إلى البدل، بدليل ما لو بيعت بثمن مثلها
(3)
.
3 ـ أن الضرر اليسير قد اغتفر في النفس كضرر يسير في بدنه من صداع أو برد، فتحمل الضرر اليسير في المال أحرى
(4)
.
(1)
المغني (1/ 317).
(2)
بدائع الصنائع (1/ 323)، شرح منتهى الإرادات (1/ 181).
(3)
رد المحتار (1/ 372)، المعونة (1/ 147)، المغني (1/ 317).
(4)
المبدع (1/ 167)، كشاف القناع (1/ 394).
أدلة القول الثاني:
وهم القائلون بعدم شراء الماء سواء كثرت الزيادة عن ثمن المثل أو قلت، استدلوا بما يلي:
1 ـ أنه لو لزمه بذل اليسير للزمه بذل الكثير، ولأفضى الأمر به إلى خروجه من جميع ملكه، وهذا عدول عما يقتضيه الشرع
(1)
.
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن التفريق بين الغبن اليسير والغبن الفاحش مقرر في الشرع فالمصير إليه أولى
(2)
.
الوجه الثاني: أن الزيادة اليسيرة لا يتحقق كونها زيادة، لدخولها بين تقويم
(3)
المقومين، فصار وجودها ووجود ثمن المثل سواء
(4)
.
2 ـ أن في الزيادة عليه ضرر، فلا يلزمه بذلها، كما لو خاف لصًا يأخذ من ماله ذلك المقدار، فإنه يتيمم
(5)
.
المناقشة:
نوقش بأن الشافعية قد قالوا في المريض: يلزمه الغسل، ما لم يخف التلف. فتحمل الضرر اليسير في المال أحرى
(6)
.
قال السيوطي
(7)
: «
…
وأشكل من هذا أنهم لم يوجبوا شراء الماء بزيادة يسيرة على ثمن المثل وجوزوا التيمم، ومنعوه فيما إذا خاف شيئًا فاحشًا في عضو باطن مع أن ضرره أشد من ضرر بذل الزياذة اليسيرة جدًا، خصوصًا إذا كان رقيقًا، فإنه ينقص بذلك قيمته أضعاف قدر الزيادة المذكورة، وقد استشكله الشيخ عز الدين وغيره ولا جواب عنه»
(8)
.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول، القائل بلزوم شراء الماء إذا كانت الزيادة يسيرة، وذلك لما يلي:
1 ـ قوة دليل هذا القول في مقابل ضعف أدلة المخالفين بما حصل من مناقشة.
2 ـ أن أغلب الناس لا يلتفتون إلى هذه الزيادة لكونها يسيرة، ولأنها في مقابل الحصول على ماء الوضوء الذي هو شرط في صحة الصلاة.
(1)
الحاوي (2/ 1142).
(2)
شرح العناية (1/ 142).
(3)
التقويم: مصدر قومت السلعة إذا حددت قيمتها وقدرتها. المطلع على أبواب المقنع للبعلي (1/ 403)، ط: المكتب الإسلامي 1401 هـ.
(4)
التجريد للقدوري (1/ 266)، ط: دار السلام 1425 هـ، بدائع الصنائع (1/ 323).
(5)
المجموع (2/ 203)، المبدع (1/ 167).
(6)
شرح العناية على الهداية (1/ 142)، المغني (1/ 317).
(7)
هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي، جلال الدين، فقه شافعي، إمام حافظ مؤرخ أديب، له نحو ستمائة في فروع الشافعية، ومن كتبه: الإتقان في علوم القرآن، والدر المنثور في التفسير بالمأثور وغيرهما، توفي سنة (911 هـ).
انظر: البدر الطالع للشوكاني (1/ 328)، الأعلام للزركلي (3/ 301)، ط: دار العلم للملايين 1984 م.
(8)
الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 81، 82).