الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
حكم التيمم في الحضر
اتفق الفقهاء على مشروعية التيمم للمسافر عند عدم الماء، واختلفوا في الحاضر الصحيح إذا عدم الماء، بأن انقطع الماء عنه، أو حبس في مصر ونحو ذلك، فهل يجوز له التيمم أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال
(1)
:
القول الأول: أنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه وهو قول للحنفية، والمشهور عند المالكية، وقول للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.
القول الثاني: أنه يتيمم ويصلي وعليه الإعادة، وهو قول للحنفية، وابن حبيب
(2)
وابن عبد الحكم
(3)
من المالكية، والمشهور عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة.
(1)
المبسوط (1/ 123)، بدائع الصنائع (1/ 325، 326)، البحر الرائق (1/ 243، 244)، المنتقى (1/ 112، 113)، عقد الجواهر الثمينة (1/ 60)، الذخيرة (1/ 345)، العزيز (1/ 264)، المجموع (2/ 242)، المسائل الفقهية (1/ 91)، المغني (1/ 311، 312)، الإنصاف (1/ 253 و 287).
هناك قول للشافعية أنه لا يجوز له التيمم حتى يجد الماء، ولكن قال عنه النووي في المجموع (2/ 242):«وليس بشيء» .
(2)
هو: أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان السلمي الأندلسي القرطبي المالكي، ولد بعد السبعين ومائة، كان موصوفًا بالحذق في الفقه، كبير الشأن، بعيد الصّيت، كثير التصانيف، منها: الواضحة، والجامع، وفضائل الصحابة وغيرها، توفي سنة (238 هـ)، وقيل:(239 هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء (12/ 102 ـ 107)، الديباج المذهب (ص 154 ـ 156).
(3)
هو: أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن الليث المصري، ولد سنة (155 هـ) بمصر، كان ثقة حافظًا، روى عن مالك الموطأ، وكان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، من كتبه: المختصر الكبير، والمناسك وغيرهما، أفضت إليه رئاسة المذهب المالكي في مصر بعد موت أشهب، توفي سنة (214 هـ).
انظر: الديباج المذهب (ص 134)، شذرات الذهب (2/ 34).
القول الثالث: أنه لا يجوز له التيمم حتى يجد الماء، وهو قول للحنفية، وقول للإمام مالك، ورواية عند الحنابلة.
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الاختلاف في عود الضمير في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43، المائدة: 6]، هل يعود على الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط، فمن رآه عائدًا على جميع أصناف المحدثين أجاز التيمم للحاضرين ومن رآه عائدًا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يُجز التيمم للحاضر العادم للماء
(1)
.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجوام التيمم لمن عدم الماء في الحضر ولا إعادة عليه، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43، المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن الله سبحانه وتعالى قد اشترط للتيمم شرطين: عدم الماء، وعدم القدرة على استعماله، ولم يفرق في ذلك بين المسافر والمقيم، فكل من عدم الماء
(1)
المقدمات (1/ 111، 112)، بداية المجتهد (1/ 132).
فلم يجده بعد طلبه، ولا قدر عليه فإنه يجوز له التيمم في السفر والحضر
(1)
.
ثانيًا: من السنة:
1 ـ حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإنه ذلك خير»
(2)
.
وجه الدلالة:
دل الحديث بعمومه على جواز التيمم عند عدم الماء، ولم يفرق بين حاضر ومسافر
(3)
.
2 ـ حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «
…
وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل»
(4)
.
وجه الدلالة:
أن الحديث عام لم يخص سفرًا من حضر، فهو على عمومه حتى يقوم دليل على خلافه
(5)
.
(1)
الكافي لابن عبد البر (1/ 28).
(2)
تقدم تخريجه (ص 25).
(3)
البيان (1/ 286)، المغني (1/ 311).
(4)
تقديم تخريجه (ص 38).
(5)
عيون الأدلة (ص 934)، المغني (1/ 311).
3 ـ حديث أبي جهيم رضي الله عنه قال: «أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام»
(1)
.
وجه الدلالة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن رد السلام يجوز بغير طهارة، فإذا شرع التيمم في الحضر لتحصيل مصلحة رد السلام فالصلاة أولى
(2)
.
ثالثًا: من المعقول:
1 ـ أنه مكلف دخل عليه وقت الصلاة وهو عادم للماء فلزمه التيمم للصلاة كالمسافر
(3)
.
2 ـ أنه عاجز عن استعمال الماء فلزمه التيمم كالمريض
(4)
.
واستدلوا على عدم الإعادة لمن تيمم في الحضر، بما يلي:
1 ـ أنه ممن لزمه فرض التيمم فوجب أن يسقط عنه الفرض كالمسافر
(5)
.
(1)
تقدم تخريجه (ص).
(2)
الذخيرة (1/ 345).
(3)
أحكام القرآن للجصاص (4/ 19)، المعونة (1/ 143)، الحاوي (2/ 1064)، المبدع (1/ 163).
(4)
المنتقى (1/ 112، 113)، المجموع (2/ 244).
(5)
الإشراف (1/ 168)، المنتقى (1/ 113).
المناقشة:
نوقش بأن فقد الماء في السفر عذر عام، فلذلك لم يجب القضاء على المسافر بخلاف الحضر فإن فقد الماء فيه نادر، فلا يسقط به القضاء
(1)
.
الجواب:
أجيب عن ذلك بثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن المسافرين ربما احتاطوا في جمع الماء خوفًا أن يقطع بهم أكثر من احتياطهم في الحضر، فينبغي أن يسقط فرضه كالمسافر
(2)
.
الوجه الثاني: أن العذر النادر يسقط به الفرض كغيره، فمن صلى عريانًا فإنه يسقط فرضه إذا صلى، وكذلك الخائف من سبع أو عدو، وهذا كله نادر
(3)
.
الوجه الثالث: أن القول بإيجاب التيمم مع إيجاب الإعادة يؤدي إلى إيجاب ظهرين عن يوم، وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة
(4)
، فإن الله تعالى إنما خاطب بصلاة واحدة يفعلها بحسب الإمكان والشرط المعجوز عليه ساقط بالعجز
(5)
.
(1)
الحاوي (2/ 1063).
(2)
عيون الأدلة (ص 941).
(3)
المصدر السابق.
(4)
المجموع (2/ 244).
(5)
شرح العمدة (1/ 425).
2 ـ أنها صلاة لزم أداؤها بالتيمم فوجب أن يسقط به الفرض كالوضوء
(1)
.
3 ـ أن التيمم إنما فرض لئلا تفوت الصلاة وتفعل قضاء، مع إمكان فعلها أداء، وهذه العلة موجودة في المقيم الصحيح كوجودها في المريض المسافر فوجب أن يكون حكم الجميع سواء
(2)
.
4 ـ أن هذا المكلف قد أتى بما أُمر به، فخرج عن عهدته، حيث صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع، فلا تلزمه الإعادة كالمريض والمسافر
(3)
.
5 ـ أن عدم هذا الماء أكثر من عدم المسافر له، فالنص على التيمم للمسافر تنبيه على التيمم هاهنا
(4)
.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بجواز التيمم لمن عدم الماء في الحضر مع وجوب الإعادة، بما يلي:
أولاً: استدلوا على جواز التيمم بما استدل به أصحاب القول الأول من الكتاب والسنة والدليل الأول والثاني من أدلة المعقول.
ثانيًا: استدلوا على وجوب الإعادة إذا تيمم في الحضر، بما يلي:
(1)
الإشراف (1/ 168).
(2)
شرح التلقين (1/ 281).
(3)
المغني (1/ 312).
(4)
المصدر السابق.
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. } الآية [النساء: 43، المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن الله سبحانه وتعالى جعل للتيمم شرطين وهما: السفر، والمرض، فدل ذلك على أن الفرض لا يسقط إلا بهما ليكون للشرط فائدة
(1)
.
المناقشة:
يمكن مناقشته بما استدل به أصحاب القول الأول في عدم وجوب الإعادة، ولاسيما الدليل الثالث والرابع، وبأن القول بإعادة الصلاة للحاضر العادم للماء دون المسافر يحتاج إلى دليل شرعي، وليس هناك أي دليل يدل على التفريق بينهما.
ثانيًا: من المعقول:
1 ـ أن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل، فلا يسقط به القضاء، كالعادم للماء والتراب
(2)
، وكمن نسي بعض أعضاء الطهارة
(3)
.
المناقشة:
تقدم مناقشة هذا الدليل بما أجيب به على مناقشة الدليل الأول من أدلة أصحاب القول الأول في عدم وجوب الإعادة.
وأما ما استدلوا به من القياس فيمكن مناقشته من وجهين:
(1)
الحاوي (2/ 1063).
(2)
الحاوي (2/ 1061)، شرح العمدة (1/ 425).
(3)
المجموع (2/ 244).
الوجه الأول: القياس على عادم الماء والتراب لا يصح؛ لأن المقيس عليه مختلف فيه
(1)
.
الوجه الثاني: وأما القياس على من نسي بعض أعضاء الطهارة فقياس مع الفارق؛ لأن من شرط صحة الصلاة طهارة أعضاء الطهارة كلها، فمن نسي بعضها لم تصح صلاته لعدم تحقق الشرط، بخلاف مسألتنا فإن شرط التيمم فقد الماء، فإذا فقد الماء جاز التيمم في أي مكان، ولا إعادة عليه.
2 ـ أنه مقيم صحيح فلا يسقط فرضه بالتيمم كالواجد للماء
(2)
.
المناقشة:
نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن واجد الماء القادر على استعماله منهي عن التيمم، فإذا تيمم لم يجزئ في حضر ولا سفر، بخلاف عادم الماء فإنه مأمور بالتيمم حتى إن لم يفعله عصى، فوجب أن يسقط فرضه، كالمسافر إذا عدم الماء، وهذا أولى من قياسهم؛ لأن رد المأمور بالتيمم إلى مثله أولى من رد المأمور بالتيمم إلى المنهي عن التيمم
(3)
.
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بعدم جواز التيمم لمن عدم الماء في الحضر، بما يلي:
(1)
سيأتي بحث هذه المسألة (ص 516 وما بعدها).
(2)
الحاوي (2/ 1063).
(3)
عيون الأدلة (ص 940).
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. } الآية [النساء: 43، المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن الله سبحانه وتعالى أباح التيمم للمريض والمسافر فلم يجز لغيرهما
(1)
.
المناقشة:
نوقش بأنه إنما ذكر المريض والمسافر؛ لأن الغالب أن التيمم يكون فيهما، لا أنه أراد به أنه لا يجوز إلا فيهما، وهذا بمنزلة قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، وليس السفر بشرط للرهن، بل لأن الغالب عدم الكاتب في السفر، فإذا جاز الرهن في الحضر، جاز التيمم في الحضر، ولا فرق بينهما
(2)
.
ثانيًا: من المعقول:
أن عدم الماء في الحضر غير معتبر شرعًا، حتى لا يسقط عنه الفرض بالتيمم ويلزمه الإعادة، فلم يكن التيمم طهورًا له ولا صلاة إلا بطهور
(3)
.
المناقشة:
يمكن مناقشته من ثلاثة وجوه:
(1)
شرح التلقين (1/ 281)، المجموع (2/ 244)، المغني (1/ 311).
(2)
المجموع (2/ 244)، المغني (1/ 311).
(3)
المبسوط (1/ 123).
الوجه الأول: أن شرط التيمم هو عدم الماء، فأينما تحقق جاز التيمم
(1)
.
الوجه الثاني: أن القول بأن عدم الماء في الحضر غير معتبر شرعًا لا يصح؛ لأنه لم يثبت في ذلك أي دليل شرعي يدل على عدم جواز التيمم للحاضر العادم للماء.
الوجه الثالث: أن المسافر والمريض إذا تيمما وصليا سقط فرضهما، فكذلك الحاضر، ولا فرق.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التيمم لمن عدم الماء في الحضر ولا إعادة عليه، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراضات القادحة، في مقابل عدم سلامة أدلة المعارضين من المناقشة.
(1)
انظر: البحر الرائق (1/ 243)، شرح العناية (1/ 122).