الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
حكم التيمم بالأرض التي أصابتها نجاسة
فزال أثرها بالشمس أوالريح
اختلف الفقهاء في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة
(1)
، فهل تطهر الأرض بذلك فيجوز له أن يتيمم بها أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال
(2)
:
القول الأول: أنها لا تطهر بذلك فلا يجوز التيمم بها، وهو مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية (وهو قول الإمام الشافعي في القديم)، ومذهب الحنابلة، وقول زفر من الحنفية.
القول الثاني: أنها تطهر بذلك فيجوز التيمم بها، وهو قول للحنفية، وقول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم)، وهو قول للحنابلة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
القول الثالث: أنها تطهر بذلك طهارة للصلاة دون التيمم، وبهذا قال أكثر الحنفية، وهو ظاهر الرواية عندهم.
(1)
الاستحالة: هي تغيير الشيء عن طبعه ووصفه. المصباح المنير (1/ 157).
(2)
المبسوط (1/ 119، 205)، بدائع الصنائع (1/ 334، 441)، التفريع (1/ 198، 199)، مواهب الجليل (1/ 234)، المهذب (1/ 178)، المجموع (2/ 173، 425)، المغني (2/ 502، 503)، مجموع فتاوى ابن تيمية (21/ 480، 510)، الإنصاف (1/ 301).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بعدم طهارة الأرض النجسة بالشمس أو الريح، بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه وأريقوا على بوله سجْلاً
(1)
من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين»
(2)
.
وجه الدلالة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتطهير الأرض بالماء، والأمر يقتضي الوجوب
(3)
، ولو كان جفافه بالشمس أو الريح ونحو ذلك مطهرًا للأرض لبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في معرض بيان وتعليم لأصحابه، ولما كان للتكليف في طلب الماء معنى، فدل ذلك على اختصاص الماء بالتطهير دون غيره
(4)
.
المناقشة:
نوقش هذا الدليل بأن المراد بالحديث يحمل على أحد الاحتمالات التالية:
الاحتمال الأول: أن المقصود بالحديث تعجيل تطهير المسجد، إذ لو تركه حتى تطهره الشمس لتأخر تطهيره
(5)
، فليس في الحديث ما يدل على حصر
(1)
السجل والذنوب بمعنى واحد، وهو: الدلو العظيمة المملوءة. المصباح المنير (1/ 210، 267).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد [صحيح البخاري (1/ 89) حديث (217)].
(3)
المغني (2/ 503).
(4)
انظر: نيل الأوطار (1/ 56).
(5)
مجموع فتاوى ابن تيمية (21/ 480).
التطهير بالماء ولا المنع من تطهير الأرض النجسة بالشمس أو الريح.
الاحتمال الثاني: أنه إنما أمر بالمبادرة بإزالة بول الأعرابي بالماء خشية تنجس أحد به، أو لكي لا ينتقل بالمشي إلى مكان آخر في المسجد
(1)
.
الاحتمال الثالث: أن بول الأعرابي كان نهارًا، والصلاة في المسجد تتابع في النهار، بخلاف الليل، فإنه مدته تطول
(2)
.
الاحتمال الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بصب الماء أكمل الطهارتين
(3)
.
ثانيًا: من المعقول:
أنه محل نجس فلم يطهر بغير الغسل كالثوب النجس
(4)
.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بطهارة الأرض النجسة بالشمس أو بالريح، بما يلي:
أولاً: من السنة:
حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: «كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك»
(5)
.
(1)
طرح التثريب (1/ 320).
(2)
شرح فتح القدير (1/ 199).
(3)
المصدر السابق.
(4)
المهذب (1/ 178)، المغني (2/ 503).
(5)
أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان [صحيح البخاري (1/ 75) حديث (172)].
وجه الدلالة:
أنه نص في المسألة، إذ لو كانت النجاسة باقية لوجب غسلها بالماء مما يدل على أنها طهرت بالريح أو الشمس
(1)
.
المناقشة:
نوقش بأنه محمول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، وتقبل وتدبر في المسجد عابرة، فيكون إقبالها وإدبارها في المسجد بعد بولها في مواطنها
(2)
.
الجواب:
أجيب بأنه تأويل بعيد، وذلك لما يلي:
أن قوله: «في المسجد» ليس ظرفًا لقوله: «تقبل وتدبر» وحده، بل هو ظرف أيضًا لقوله:«تبول وتقبل وتدبر» جميعًا.
أن قوله: «فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» يمنع التأويل؛ لأنها لو كانت تبول في مواطنها، ما كان يُحتاج إلى ذكر الرش؛ إذ لا فائدة فيه.
أن أبا داود بَوَّبَ على هذا الحديث بقوله في ترجمة الباب: «باب طهور الأرض إذا يبست»
(3)
، وفي هذا رد على التأويل الذي ذكروه
(4)
.
(1)
انظر: شرح فتح القدير (1/ 199)، مجموع فتاوى ابن تيمية (21/ 480).
(2)
معالم السنن (1/ 101)، اللباب (1/ 79)، المغني (2/ 503).
(3)
سنن أبي داود (1/ 104).
(4)
البناية (1/ 721).
ثانيًا: من الآثار:
ما روي عن محمد بن الحنفية
(1)
أنه قال: «إذا جفت الأرض فقد زكت
(2)
»
(3)
.
وجه الدلالة:
أن أثر محمد رجاله رجال الجماعة
(4)
، وهو مما لا يدرك بالقياس فله حكم الرفع
(5)
.
ثالثًا: من المعقول:
أن المطلوب زوال النجاسة، فإذا زالت فقد زال حكمها، ومعلوم أن الشمس تحرق النجاسة، وتفرقها الريح، وتحول عينها الأرض، وينشفها الهواء، فلا تبقى عينها بعد تأثير هذه الأشياء فيها، فتعود الأرض كما كانت قبل الإصابة
(6)
.
أن النجاسة قد استحالت أرضًا بذهاب أثرها؛ لأن من شأن الأرض جذب الأشياء إلى طبعها، وذهاب الأثر طهارة كاملة للصلاة والتيمم
(7)
.
(1)
هو: محمد بن علي بن أبي طالب، أبو القاسم المعروف بابن الحنفية، أخو الحسن والحسين من الأب، أمه خولة بنت جعفر، من بني حنيفة، كان ثقة عالمًا من كبار التابعين، روى عن عثمان وعن أبيه وعن معاوية وغيرهم، توفي سنة (81 هـ).
انظر: الطبقات الكبرى (5/ 91 ـ 116)، تقريب التهذيب (ص 497).
(2)
زكت: أي طهرت. النهاية (ص 400).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 59)، رقم (626).
(4)
الجماعة هم: البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، وأحمد. انظر: مقدمة بلوغ المرام (ص 6).
(5)
انظر: إعلاء السنن للعثماني (1/ 369 ـ 371)، ط: دار الكتب العلمية 1418 هـ.
(6)
المبسوط (1/ 205).
(7)
بدائع الصنائع (1/ 334)، مجموع فتاوى ابن تيمية (21/ 481).
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بأن الأرض النجسة تطهر بالشمس أو الريح طهارة للصلاة دون التيمم، بما يلي:
أولاً: استدلوا على طهارة الأرض النجسة بالشمس أو الريح بمجموع ما تقدم ذكره من أدلة أصحاب القول الثاني.
ثانيًا: استدلوا على التفريق بين الصلاة والتيمم، بما يلي:
أن الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت إما بفعل الشمس أو بفعل الريح أو بغيرهما أصبحت طاهرة غير مطهرة، وطهارتها كافية في الصلاة عليها، بخلاف التيمم فإنه يشترط له الطهورية لقوله تعالى:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43، المائدة: 6]، وحديث ابن عمر السابق يدل على الطهارة دون الطهورية، فالأرض قبل التنجس كانت طاهرة وطهورًا، وبالتنجس زال الوصفان، ثم بالجفاف ثبتت الطهارة دون الطهورية، وحتى يتيمم بالتراب لابد من ثبوت الوصفين معًا
(1)
.
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن القول بالتفريق بين الصلاة والتيمم يحتاج إلى دليل صريح، فإن الكتاب العزيز اشترط أن يكون التراب طاهرًا، وقد ثبت لنا بحديث ابن عمر أن الجفاف يجعله طاهرًا، فلذا صحت عليه الصلاة، فكذلك يصح التيمم، إذ إن كل أرضٍ جازت الصلاة عليها فإنه يجوز التيمم بها كالأرض الطاهرة.
(1)
شرح فتح القدير (1/ 200)، الاختيار (1/ 45).
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بجواز التيمم والصلاة على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت، وذلك لما يلي:
لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
أن القول بأن الأرض تطهر بالجفاف مأثور عن بعض التابعين
(1)
.
أنه إذا كان التراب يطهر غيره، فلأن يطهر نفسه من باب أولى
(2)
.
أن الإنسان إذا كان في سفر ونحوه فأراد أن يتيمم لعدم الماء فإنه يجوز له التيمم من الصعيد مع احتمال أن هذا الصعيد وقع عليه نجاسة من إنسان أو حيوان، وهذا يدل على أن الأرض تطهر بالجفاف.
(1)
انظر: مصنف عبد الرزاق (3/ 158)، مصنف ابن أبي شيبة (1/ 59)، نصب الرابة (1/ 211).
(2)
انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (21/ 481).