الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
اجتماع الأحداث وأثره في تداخلها
عند النسيان
اتفق الفقهاء على أن من اجتمع عليه حدث أكبر وأصغر وعدم الماء فإنه يكفيه أن يتيمم لهما تيممًا واحدًا متى ما نواهما
(1)
.
واختلفوا فيما لو نوى أحدهما دون الآخر كأن يتيمم للحدث الأصغر ناسيًا حدثه الأكبر أو العكس، فهل يجزئه ذلك التيمم أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يجزئه ذلك التيمم، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية، وبه قال الشافعية
(2)
.
القول الثاني: أنه لا يجزئه ذلك التيمم، وهو قول الحنابلة
(3)
.
القول الثالث: أنه إذا نوى بتيممه الحدث الأكبر أجزأ عن الأصغر، ولو نوى الحدث الأصغر لم يجزئ عن الأكبر، وهو المشهور عند المالكية
(4)
.
سبب الخلاف:
يرجع سبب الاختلاف في هذه المسألة إلى اختلاف الفقهاء في مسألة: هل
(1)
رد المحتار (1/ 370)، مواهب الجليل (1/ 506)، المجموع (2/ 180)، المغني (1/ 347).
(2)
بدائع الصنائع (1/ 332)، البناية (1/ 539)، البيان والتحصيل (1/ 208)، الذخيرة (1/ 351)، مختصر المزني (1/ 14)، المجموع (2/ 180).
(3)
المغني (1/ 346)، الفروع (1/ 301).
(4)
المدونة (1/ 48)، مواهب الجليل (1/ 506، 507).
يشترط تعيين نية التيمم من أي الحدثين أم لا؟ فمن اشترط التعيين قال بعدم إجزاء الحدث الأكبر بنية الأصغر أو العكس، ومن لم يشترط التعيين قال بالإجزاء، ومن اشترط التعيين في الحدث الأكبر قال بعدم إجزاء الأصغر عن الأكبر دون العكس.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بالإجزاء، بما يلي:
1 ـ أنه لما كان الحدث الأصغر والأكبر يستويان في منعهما من الصلاة، ويستويان في صفة رفعهما، أو استباحة الصلاة منهما بالتيمم، ناب التيمم لواحد منهما عن التيمم للآخر، كما لو اجتمع على المرأة جنابة وحيض، فإنه نية أحدهما تنوب عن الآخر
(1)
.
المناقشة:
نوقش بأن حكم الجنابة والحيض واحد وهو الحدث الأكبر، ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء، بخلاف الحدث الأصغر والأكبر، فإنهما يختلفان حكمًا، فلا تنوب نية الأصغر عن الأعلى في الماء ولا في التيمم
(2)
.
2 ـ أن المقصود بالطهارة هو ارتفاع المانع من الصلاة، وقد حصل بالتيمم، فوجب إباحة الصلاة به ولا عبرة باختلاف الأسباب من كون المانع أصغر أو أكبر
(3)
.
(1)
البيان والتحصيل (1/ 209)، الحاوي (2/ 1012).
(2)
انظر: عيون الأدلة (ص 884)، المغني (1/ 346).
(3)
الذخيرة (1/ 351).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه تعليل غير وجيه؛ لأن من نوى بتيممه استباحة الصلاة مطلقًا فإن حدثه يرتفع، لأنه يلزم من نية الصلاة ارتفاع الحدثين، وإنما الخلاف فيما لو عين النية لأحد الحدثين، فنسلم بإجزاء الأكبر عن الأصغر ولكن لا نسلم بإجزاء الأصغر عن الأكبر، لأنه إذا كان الوضوء الذي يرفع الحدث باتفاق لا يجزئ عن الغسل فالتيمم الذي هو بدله من باب أولى.
3 ـ أن هيئة التيمم في الحدثين واحدة، وهي مسح الوجه واليدين، فسقطت إحداهما بفعل الأخرى، كالبول والغائط
(1)
.
المناقشة:
نوقش بأن القياس على البول والغائط قياس مع الفارق؛ لأن حكم البول والغائط واحد وهو الحدث الأصغر، ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء، بخلاف الحدث الأصغر والأكبر، فإنهما يختلفان حكمًا
(2)
.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بعدم الإجزاء، بما يلي:
(1)
الإشراف (1/ 163)، الحاوي (2/ 1012، 1013).
(2)
المغني (1/ 346).
أولاً: من السنة:
حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»
(1)
.
وجه الدلالة:
أن من نوى أحد الحدثين أجزئه عنه دون ما لم ينوه؛ لأن لكل امرئ ما نوى
(2)
.
المناقشة:
يمكن مناقشته بأن المقصود من الحديث الثواب الأخروي.
ثانيًا: من المعقول:
1 ـ أن سبب الجنابة والحدث مختلف، فلم تجزئ نية أحدهما عن الأخرى كالحج والعمرة
(3)
.
المناقشة:
نوقش من وجهين
(4)
:
الوجه الأول: أن كونهما سببين مختلفين، لا يمنع من تداخلهما في النية كاجتماع تحية المسجد والفريضة، فإن سببهما مختلفان، ومع ذلك تداخلا في الأفعال والنية، فتكفي الفريضة عن التحية وإن لم ينوها.
(1)
تقدم تخريجه (ص 276).
(2)
المغني (1/ 346)، شرح الزركشي (1/ 366).
(3)
المغني (1/ 346)، المبدع (1/ 178).
(4)
التداخل (1/ 277).
الوجه الثاني: أن القياس على الحج والعمرة لا يصح؛ لأن صفتهما مختلفة، بخلاف صفة الطهارة من الجنابة والحدث في التيمم فإن صفتهما واحدة.
2 ـ أنهما طهارتان، فلم تقع إحداهما بنية الأخرى
(1)
.
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه استدلال بمحل النزاع، والاستدلال بمحل النزاع لا يصح.
أدلة القول الثالث:
استدل المالكية على التفصيل بما يلي:
أن المتيمم إذا نوى الجنابة فإن التيمم حينئذ يكون بدلاً عن الغسل، والوضوء بعض أعضاء الغسل، والبدل عن الكل ينوب عن البدل عن البعض، وهو التيمم للحدث الأصغر.
وأما إذا نوى بتيممه الحدث الأصغر، فإن التيمم حينئذ يكون بدلاً عن الوضوء، والوضوء بعض أعضاء الغسل، والبدل عن البعض لا ينوب عن البدل عن الكل، وهو التيمم للحدث الأكبر
(2)
.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثالث القائل بالتفصيل، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، وما جرى من مناقشة القول الأول والثاني.
(1)
المغني (1/ 346).
(2)
الذخيرة (1/ 351 و 367، 368)، التاج والإكليل (1/ 506).