الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول
حكم تيمم الصحيح الخائف
من البرد
اتفق جمهور الفقهاء على جواز التيمم للصحيح في السفر أو الحضر إذا خاف على نفسه التلف أو حصول الضرر من استعمال الماء لشدة البرد، ولم يجد ما يسخن به الماء، أو لم يجد ما يدفئه، وسواء كان ذلك في الحدث الأكبر أو الأصغر
(1)
، إلا أن أبا يوسف ومحمد من الحنفية قالا: بجواز ذلك في السفر دون الحضر.
وقد استدل جمهور الفقهاء على جواز تيمم الصحيح الخائف من البرد بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
1.
قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].
2.
قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].
(1)
الأصل (1/ 124، 125)، بدائع الصنائع (1/ 320)، المدونة (1/ 45)، مواهب الجليل (1/ 489)، الحاوي (2/ 1078، 1079)، نهاية المحتاج (1/ 282، 283)، المستوعب (1/ 283، 284)، الكافي (1/ 97، 98).
ملاحظة: ذهب الحنفية إلى أن جواز التيمم للبرد خاص بالجنب؛ لأن المحدث لا يجوز له التيمم للبرد في الصحيح عندهم؛ لعدم تحقق الضرر في الوضوء عادة، ولكن لو تحقق الضرر من الوضوء فإنه يجوز التيمم عندهم اتفاقًا. انظر: حاشية الطحطاوي (1/ 115)، رد المحتار (1/ 353).
وجه الدلالة من الآيتين:
أن الله سبحانه وتعالى نهى عن أن يعرض الإنسان نفسه للهلاك، أو التلف، أو الضرر بها، فدل ذلك على أن أي سبب يؤدي إلى الهلاك، أو التلف، أو الضرر، فإنه يتناوله هذا النهي، ومن ذلك الخوف من استعمال الماء لشدة البرد.
22 ـ قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
وجه الدلالة:
دلت الآية على أن الحرج مدفوع عن المكلفين، وفي تكليف من خشي على نفسه الهلاك باستعمال الماء لشدة البرد أعظم الحرج، وهو منفي شرعًا، فيجوز له التيمم.
ثانيًا: من السنة:
حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له ذلك فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله عز وجل:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا»
(1)
.
(1)
تقدم تخريجه (ص 127).
وجه الدلالة:
دل الحديث على جواز التيمم عند شدة البرد ومخافة الهلاك إن استعمل الماء، وذلك من وجهين
(1)
:
الوجه الأول: التبسم والاستبشار، فإن التبسم أقوى دلالة من السكوت على الجواز.
الوجه الثاني: عدم الإنكار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ، ولو كان ذلك غير جائز لبَيَّنَه له، وأمره بالإعادة.
ثالثًا: من الآثار:
عن عبد الرزاق
(2)
قال: سمعت الثوري
(3)
يقول: «أجمعوا على أن الرجل يكون في أرض باردة فأجنب فخشي على نفسه الموت، يتيمم وكان بمنزلة المريض»
(4)
.
(1)
الأوسط (2/ 27)، المغني (1/ 340)، نيل الأوطار (1/ 303).
(2)
هو: عبد الرزاق بن همّام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، مُصَنِّف مشهور، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين.
انظر: تقريب التهذيب لابن حجر (ص 354)، ط: دار الرشيد 1406 هـ.
(3)
هو: أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفي شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، المجتهد، ولد سنة (97 هـ)، وهو من تابعي التابعين، اتفق العلماء على وصفه بالبراعة في العلم بالحديث والفقه والورع والزهد، توفي بالبصرة سنة (161 هـ).
انظر: تهذيب الأسماء واللغات (1/ 215، 216)، سير أعلام النبلاء (7/ 229 ـ 279).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (1/ 226) برقم (877)، وذكره ابن المنذر في الأوسط ولم يسقه بإسناده (2/ 26).
رابعًا: من المعقول:
1.
أنه خائف على نفسه الهلاك من البرد، فأبيح له التيمم كالجريح والمريض
(1)
.
2.
أنه قد أتى بما أمر به وقدر عليه، فأشبه سائر من يصلي بالتيمم
(2)
.
3.
أنه غير قادر على استعمال الماء؛ لأن العجز ثابت حقيقة، فيتيمم بالنص
(3)
.
4.
قياسًا على من خاف على نفسه عطشًا أو لصًا أو سبعًا، فإنه يجوز له التيمم، فكذلك هاهنا، والعلة الجامعة بينهما هي الخوف على النفس
(4)
.
واستدل أبو يوسف ومحمد على جواز ذلك في السفر دون الحضر بما يلي:
أن الغالب في الحضر وجود الماء المسخن، ووجود ما يستدفأ به، وعدمه نادر
(5)
.
المناقشة:
نوقش من أربعة وجوه:
الوجه الأول: أن ذلك غير مسلم به في حق الفقير والغريب
(6)
.
الوجه الثاني: أن من جاز له التيمم مع وجود الماء، فالحضر والسفر له سواء كالمريض
(7)
.
(1)
المبسوط (1/ 122)، المغني (1/ 340).
(2)
المغني (1/ 340).
(3)
الاختيار (1/ 28)، مجمع الأنهر (1/ 44).
(4)
الأوسط (1/ 27)، المغني (1/ 34).
(5)
الهداية (1/ 27)، تبيين الحقائق (1/ 119).
(6)
الاختيار (1/ 28).
(7)
المبسوط (1/ 122)، المغني (1/ 340).
الوجه الثالث: قياسًا على المسافر؛ لأن معنى الحرج من استعمال الماء ثابت فيهما، فيتيمم بالنص
(1)
.
الوجه الرابع: أن العذر النادر يسقط به الفرض كغيره، ولهذا من حال بينه وبين الماء سبع فإنه يجوز له التيمم، وإن كان عذرًا نادرًا
(2)
.
(1)
المبسوط (1/ 122)، تبين الحقائق (1/ 119).
(2)
التجريد (1/ 258)، الاختيار (1/ 28).