الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
حكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، فلو ضرب بيده على طين رطب أو صخرة ملساء لا غبار عليها ومسح بها وجهه ويده أجزأه، وهو قول أبي حنيفة، وقول المالكية
(1)
.
القول الثاني: أنه يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، فلو ضرب بيده على طين رطب أو صخرة ملساء لا غبار عليها لم يجزه، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وقول الشافعية والحنابلة
(2)
.
سبب الاختلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى اختلافهم في حرف (من) في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، وذلك أن (من) قد ترد للتبعيض، وقد ترد لابتداء الغاية، فمن ذهب إلى أنها هاهنا للتبعيض أوجب نقل التراب إلى أعضاء التيمم، ومن رأى أنها لابتداء الغاية، قال: ليس النقل واجبًا
(3)
.
(1)
بدائع الصنائع (1/ 339)، مجمع الأنهر (1/ 38، 39)، البناية (1/ 536)، التلقين (1/ 70)، الإشراف (1/ 160، 161).
(2)
الأم (2/ 105)، المهذب (1/ 126)، المستوعب (1/ 291)، الإنصاف (1/ 271).
(3)
بداية المجتهد (1/ 139).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بعدم وجوب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43، المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن المأمور به هو التيمم بالصعيد مطلقًا من غير شرط الالتزاق، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل
(1)
.
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي جهيم الأنصاري رضي الله عنه قال: «أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام»
(2)
.
وجه الدلالة:
دل الحديث على عدم وجوب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم بالجدار، ومعلوم أنه لم يعلق بيده منه تراب؛ إذ لا تراب على الجدار
(3)
.
(1)
بدائع الصنائع (1/ 340)، شرح العناية (1/ 129).
(2)
تقدم تخريجه (ص 26).
(3)
انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (1/ 476).
المناقشة:
وقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذا الحديث، والجواب على هذه المناقشة
(1)
.
حديث عمار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما على وجهك وكفيك»
(2)
.
وجه الدلالة:
دل الحديث على أنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، وأن المقصود هو وضع اليد على ما كان من الأرض، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم نفخ في يديه ليتناثر ما عليها من تراب
(3)
.
المناقشة:
وقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذا الحديث، والجواب على هذه المناقشة
(4)
.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بوجوب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6].
(1)
انظر (ص 367).
(2)
تقدم تخريجه (ص 266).
(3)
أحكام القرآن للجصاص (4/ 31)، بداية المجتهد (1/ 139)، الجامع لأحكام القرآن (5/ 230).
(4)
انظر (ص 368).
وجه الدلالة:
أن الله سبحانه وتعالى أمر المتيمم أن يمسح بشيء من التراب؛ لأن قوله: {مِنْهُ} أي: ببعضه، وهذا يدل على أنه لابد من نقل التراب إلى محل التيمم.
المناقشة:
وقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذه الآية بالتفصيل
(1)
، فلا داعي للتكرار.
ثانيًا: من المعقول:
أن المتيمم مأمور بالمسح، وهذا يقتضي ممسوحًا به قياسًا على مسح الرأس في الوضوء
(2)
.
المناقشة:
نوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن هذا القياس منقوض بما ورد في حديث عمار من نفخ اليد أو نفضها قبل المسح، ومن تيممه صلى الله عليه وسلم على الجدار
(3)
، وكل قياس يقابل نصًا فهو باطل.
الوجه الثاني: أن قياس التراب على الماء لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، فإنه في طهارة الماء يجب أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزء من الماء، وهذا غير موجود في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء
(4)
.
(1)
انظر (ص 371، 372).
(2)
التهذيب (1/ 354)، المهذب (1/ 126).
(3)
انظر: بداية المجتهد (1/ 139).
(4)
انظر: عيون الأدلة (ص 875، 876)، الإشراف (1/ 161).
الوجه الثالث: أنه إذا سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم كان سقوط الممسوح به في الوجه واليدين أخف
(1)
.
أن المأمور به استعمال الصعيد، وذلك بأن يلتزق بيده شيء منه، فأما ضرب اليد على ما له صلابة وملاسة، من غير استعمال جزء منه فضرب من السفه
(2)
.
المناقشة:
نوقش بأن المأمور به هو مس وجه الأرض باليدين وإمرارها على العضوين، فإذا تحقق ذلك صح التيمم؛ لكونه تعبدًا غير معقول المعنى لحكمة استأثر الله تعالى بعلمها
(3)
.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بأنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، وذلك لقوة أدلتهم في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشة.
(1)
عيون الأدلة (ص 874).
(2)
بدائع الصنائع (1/ 340).
(3)
المصدر السابق، وانظر: أحكام القرآن للجصاص (4/ 31).
المطلب الثالث
حكم التيمم بغبار اللبد
(1)
ونحوه
اختلف الفقهاء في حكم التيمم بغبار التراب إذا كان على لبد أو ثوب أو مخدة أو جدار أو حصير أو نحو ذلك، فهل يجوز التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يجوز التيمم بغبار اللبد والثياب ونحو ذلك، وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة
(2)
.
القول الثاني: أنه لا يجوز التيمم بغبار اللبد ونحوه، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقول المالكية، إلا أن أبا يوسف قال: لا يجوز التيمم بالغبار في حال القدرة على الصعيد وإلا فيجوز
(3)
.
سبب الخلاف:
سبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى اختلاف الفقهاء في الغبار، هل هو تراب خالص أو غالب أم لا؟ فمن قال بالأول قال بجواز التيمم بالغبار، ومن قال بالثاني قال بعدم الجواز
(4)
.
(1)
اللبد: جمع لبده ـ بكسر اللام ـ وهي نوع من البسط، ومنه لبدة السرج. لسان العرب (3/ 386).
(2)
الأصل (1/ 111، 112)، المبسوط (1/ 109)، الأم (1/ 105)، المجموع (2/ 175)، المغني (1/ 326)، كشاف القناع (1/ 408)، وهناك وجه للشافعية أنه لا يجوز، ولكن قال عنه النووي في المجموع (2/ 175):«وهذا الوجه ليس بشيء» .
(3)
الأصل (1/ 122)، المبسوط (1/ 109)، التفريع (1/ 203)، مواهب الجليل (1/ 519).
(4)
شرح فتح القدير (1/ 129).
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن (من) للتبعيض، فيحتاج أن يمسح بجزء منه، والغبار جزء من الصعيد
(1)
.
ثانيًا: من السنة:
حديث أبي جهيم الأنصاري رضي الله عنه قال: «أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام»
(2)
.
وجه الدلالة:
دل الحديث على جواز التيمم بالغبار؛ وذلك لأن التيمم بالجدار محمول على جدار عليه غبار؛ لأن جدرانهم من الطين ولا تراب عليها
(3)
.
ثالثًا: من الأثر:
عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «لا يتيمم بالثلج، فمن لم يجد، فضفَّة
(1)
المغني (1/ 327).
(2)
تقدم تخريجه (ص 26).
(3)
المجموع (2/ 171).
سرجه
(1)
، أو معرفة دابته
(2)
»
(3)
.
قال الكاساني: «ولم ينكر عليه أحد، فيكون إجماعًا»
(4)
.
رابعًا: من المعقول:
أن الغبار تراب رقيق، ويدل على ذلك أن من نفض ثوبه يتأذى جاره من التراب، فإذا جاز التيمم بالتراب الخشن جاز بالرقيق لاتحاد الجنس
(5)
.
أنه قصد الصعيد، ولا فرق بين أن يكون على الأرض أو على غيرها
(6)
، كما أن الماء لا يختلف حكمه في كونه في إناء أو نهر أو ما عصر من ثوب مبلول
(7)
.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بعدم جواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، بما يلي:
(1)
ضفة سرجه: أي قبضته، والضفُّ: الحلب بالكف كله، وهو أن يقبض بأصابعه كلها على الضرع. لسان العرب (9/ 206).
(2)
معرفة دابته: أي منبت عرفها من رقبتها. النهاية (ص 608).
(3)
ذكره ابن قدامة في المغني (1/ 327)، ونسبه إلى الأثرم، والسرخسي في المبسوط (1/ 109)، وذكره عبد الرزاق عن الثوري. انظر: مصنفه (1/ 216).
(4)
بدائع الصنائع (1/ 341).
(5)
المبسوط (1/ 109)، الهداية (1/ 28)، مجمع الأنهر (1/ 39).
(6)
أحكام القرآن للجصاص (4/ 32).
(7)
المجموع (2/ 175).
أن الغبار ليس من جنس الصعيد؛ لأنه ليس بتراب خالص، بل هو تراب من وجه دون وجه فلا يجوز التيمم به
(1)
.
المناقشة:
يمكن مناقشته بالمنع؛ وذلك لأن الغبار تراب من كل الوجوه ولكنه رقيق، ورقته لا تخرجه من كونه ترابًا، فدل ذلك على أنه من جنس الصعيد.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول القائل بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، وذلك لقوة أدلتهم، ولأن القول بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه مأثور عن بعض الصحابة والتابعين
(2)
.
(1)
المبسوط (1/ 109)، بدائع الصنائع (1/ 341)، الذخيرة (1/ 350)، مواهب الجليل (1/ 519).
(2)
انظر: مصنف عبد الرزاق (1/ 216)، مصنف ابن أبي شيبة (1/ 148)، الأوسط (2/ 41).