الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث
مراتب النية
مما تقدم يتضح أن الفقهاء قد اختلفوا في مسائل النية في التيمم، وهذا ما يجعلنا لزامًا أن نبين في هذا المطلب الضابط عند الفقهاء في مسألة مراتب النية وما يستباح بكل مرتبة، حتى يتبين لنا سبب الاختلاف بين الفقهاء في مسائل النية في التيمم، ومعرفة القاعدة التي مشى عليها كل مذهب في مراتب النية، وبيان ذلك كالآتي:
فمراتب النية عند الحنفية على مرتبتين:
المرتبة الأولى: أن ينوي المتيمم عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة، كالصلاة وقراءة القرآن، أو ينوي الطهارة، أو استباحة الصلاة، أو رفع الحدث أو الجنابة.
ويستبيح بهذه المرتبة جميع الفرائض والنوافل وكل ما يتطهر له.
المرتبة الثانية: أن ينوي عبادة غير مقصودة لذاتها كالأذان والإقامة، أو ينوي عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم للسلام ورده، أو زيارة القبور، أو ينوي ما ليس بعبادة أصلاً كدخول المسجد، ومس المصحف.
فمن نوى بتيممه شيئًا من هذه المرتبة فإن تيممه يصح ولكن لا يستبيح به الصلاة
(1)
.
(1)
البحر الرائق (1/ 261 ـ 264)، حاشية الطحطاوي (1/ 113، 114)، رد المحتار (1/ 368، 369).
وأما مراتب النية عند المالكية فعلى مرتبتين:
المرتبة الأولى: أن ينوي بتيممه الفرض فإنه يجوز له أن يستبيح به غيره من النوافل لا فرضًا آخر، واشترطوا لصحة استباحة النوافل الاتصال والتأخير، فإن طال الفصل أو تقدمت النوافل على الفرض فإنه يلزمه إعادة التيمم.
المرتبة الثانية: أن ينوي بتيممه النفل استقلالاً بأن كان مريضًا أو مسافرًا فإنه يجوز له فعل ما شاء من النوافل، سواء تقدم ذلك النفل المقصود أو تأخر، واشترطوا اتصال النوافل بعضها ببعض، وأن لا تكثر جدًا
(1)
.
وأما مراتب النية عند الشافعية، فعلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن ينوي استباحة فرض الصلاة ولو منذورة، أو ينوي استباحة فرض الطواف، أو استباحة خطبة الجمعة، أو ما أشبه ذلك.
المرتبة الثانية: أن ينوي استباحة نفل الصلاة، أو استباحة الصلاة مطلقًا، أو نفل الطواف، أو صلاة الجنازة، أو ما أشبه ذلك.
المرتبة الثالثة: أن ينوي استباحة ما عدا ذلك، كنية استباحة مس المصحف، أو سجود التلاوة أو الشكر، أو قراءة القرآن من الجنب ونحوه.
فإذا نوى واحدًا من المرتبة الأولى استباح واحدًا منها فقط، إما الذي نواه، وإما غيره بدلاً عنه، واستباح معه جميع الثانية والثالثة ولو مكررًا.
(1)
التلقين (1/ 70)، شرح الرزقاني (1/ 209 ـ 211)، الشرح الكبير (1/ 248، 249).
وإذا نوى واحدًا من المرتبة الثانية استباح جميع ما فيها ولو مكررًا، وجمع ما في الثالثة دون شيء من الأولى.
وإذا نوى شيئًا من المرتبة الثالثة استباحها كلها، دون الأولى والثانية
(1)
.
وأما القاعدة عند الحنابلة في مراتب النية فهي: أن من نوى استباحة شيء تشترط له الطهارة استباحه ومثله ودونه، لا ما هو أعلى منه.
فمن نوى بتيممه صلاة الظهر مثلاً، فله فعلها وفعل مثلها كفائتة؛ لأنها في حكم صلاة واحدة، واستباح أيضًا دون ما نواه، كالنفل في المثال؛ لأنه أخف، ونية الفرض تتضمنه.
وإن نوى نافلة أبيحت له، وأبيح له قراءة القرآن، ومس المصحف والطواف؛ لأن النافلة آكد من ذلك كله؛ لأن الطهارتين مشترطتان لها بالإجماع، وفي اشتراطهما لما سواها خلاف، فيدخل الأدنى في الأعلى، كدخول النافلة في الفريضة، ولأن النفل يشتمل على قراءة القرآن، فنية النفل تشتمله.
وإن نوى قراءة القرآن، أو مس المصحف، أو الطواف لم يبح له التنفل بالصلاة؛ لأنه أدنى، فلا يستبيح الأعلى بنيته، كالفرض من النفل، وهكذا
(2)
.
(1)
الإقناع للشربيني (1/ 107)، نهاية المحتاج (1/ 299)، حاشية البيجوري على ابن القاسم الغزي (1/ 178)، ط: دار الكتب العلمية 1415 هـ.
(2)
المغني (1/ 330، 331)، كشاف القناع (1/ 414، 415).
الراجح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو مذهب الحنفية، وذلك لأن التيمم كالوضوء يرفع الحدث، وإذا ارتفع الحدث فله أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو القول الراجح كما سبق بيانه في مبحث: نوع بدلية التيمم
(1)
.
وأما مراتب النية عند الجمهور فهي مبنية على القول بأن التيمم لا يرفع الحدث، ولهذا نجدهم قد ذكروا من المسائل والشروط في نية التيمم ما كنا في غنية عنه لو أخذوا بالقول الراجح، وقد سبق بيان بعض هذه المسائل والشروط، وسنذكر البعض الآخر في المبحثين التاليين.
ثم إن في مذهب الحنفية من اليسر والسعة ورفع الحرج عن المكلف ما يوافق الحكمة التي من أجلها شُرع التيمم.
(1)
انظر (ص 211).