الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
تحديد القدر الواجب من الضرب
في التيمم
للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الواجب ضربتان، واحدة للوجه، وأخرى لليدين، وهو مذهب الحنفية، وقول للمالكية، وهو المذهب عند الشافعية
(1)
.
القول الثاني: أن الواجب والمسنون ضربة واحدة فقط للوجه واليدين، وهو مذهب الحنابلة
(2)
.
القول الثالث: أن الواجب ضربة واحدة، لكن يسن ضربة أخرى، وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة، اختارها القاضي أبو يعلى
(3)
.
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ثلاثة أمور
(4)
:
(1)
المبسوط (1/ 106، 107)، بدائع الصنائع (1/ 313)، الاستذكار (3/ 164)، الذخيرة (1/ 352)، الحاوي (2/ 994)، المجموع (2/ 186).
هناك وجه ضعيف عند الشافعية أنه يستحب ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة لليد اليمنى، وثالثة لليسرى. انظر: روضة الطالبين (1/ 226).
(2)
المغني (1/ 320)، الإنصاف (1/ 286).
(3)
التلقين (1/ 69)، مواهب الجليل (1/ 522)، روضة الطالبين (1/ 226)، المجموع (2/ 186)، الفروع (1/ 298)، الإنصاف (1/ 286).
(4)
بداية المجتهد (1/ 138).
الأول: الإجمال الوارد في آية التيمم.
الثاني: التعارض بين الأحاديث الواردة في المسألة، إذ أفاد بعضها أن التيمم ضربة واحدة، وأفاد بعضها الآخر أنه ضربتان.
الثالث: معارضة المعقول للمنقول، وذلك أن قياس التيمم على الوضوء يقتضي تخصيص كل من الوجه واليدين بضربة مستقلة، وهذا يعارض النص الوارد في أن التيمم ضربة واحدة.
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن التيمم ضربتان، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن الآية وإن لم تتعرض للأمر بتكرار التيمم من الصعيد نصًا، إلا أنها تعرضت له دلالة؛ لأن التيمم بدل عن الوضوء، ولا يجوز استعمال ماء واحد في عضوين مختلفين عند الوضوء، فكذلك في التيمم لا يجوز استعمال تراب واحد في عضوين مختلفين أيضًا؛ لأن البدل لا يخالف المبدل
(1)
.
(1)
بدائع الصنائع (1/ 313).
المناقشة:
يمكن مناقشته بأنه قياس في مقابلة النص، وهو حديث عمار الثابت في الصحيحين في الاقتصار على ضربة واحدة
(1)
.
ثانيًا: من السنة:
ما رواه عبيد الله بن عبد الله
(2)
(3)
.
وجه الدلالة:
دل الحديث على أن الواجب في التيمم الضرب على الصعيد ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين.
المناقشة:
نوقش من وجهين:
(1)
تقدم ذكره وتخريجه (ص 266).
(2)
هو: أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ثقة فقيه، توفي سنة (94 هـ)، وقيل غير ذلك. تقريب التهذيب (ص 372).
(3)
أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب التيمم [سنن أبي داود (1/ 86) حديث (318)]، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب في التيمم ضربتين [سنن ابن ماجة (1/ 189) حديث (571)].
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف لانقطاعه، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر
(1)
.
الجواب: أن الحديث صحيح لاتصال إسناده من طرق أخرى
(2)
.
الوجه الثاني: على التسليم بصحته، فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن عمارًا لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم علمه صفة التيمم، فالحجة فيما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على صحة هذا القول أن عمارًا علمهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم في ولايته أيام عمر على الكوفة أن التيمم ضربة للوجه والكفين
(3)
.
الثاني: إن كان ذلك وقع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فكل تيمم للنبي صلى الله عليه وسلم بعده فهو ناسخ له، قاله الشافعي وغيره
(4)
.
(1)
نصب الراية (1/ 155)، وانظر: فتح الباري لابن رجب (2/ 56، 57).
(2)
قال ابن أبي حاتم في العلل (1/ 32): «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: هذا خطأ رواه مالك وابن عيينة عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار. وهو الصحيح، وهما أحفظ» ، وقال ابن حزم في المحلى (1/ 97):«هذا أثر صحيح» ، وقال الحازمي في الاعتبار (ص 96):«هذا حديث حسن» ، ط: دار الوعي 1403 هـ.
(3)
جامع الترمذي (1/ 271)، الأوسط (2/ 51، 52)، معالم السنن (1/ 86).
(4)
السنن الكبرى للبيهقي (1/ 208)، معرفة السنن والآثار (1/ 292)، فتح الباري لابن رجب (2/ 57، 58).
استدلوا بالأحاديث التي نصت على ذكر الضربتين، وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث في المبحث السابق عند ذكر أدلة من قال بأنه يجب مسح اليدين إلى المرفقين
(1)
.
المناقشة:
تقدم مناقشة هذه الأحاديث التي اشتملت على ذكر الضربتين
(2)
، فلا داعي للتكرار.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن الواجب المسنون ضربة واحدة فقط، بما يلي:
أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6].
وجه الدلالة:
أن الله سبحانه وتعالى أمر بالتيمم مطلقًا فلم يقيده بضربة أو بضربتين، وامتثال هذا الأمر يحصل بضربة واحدة، فلا يجب أكثر منها
(3)
.
(1)
انظر (ص 417 ـ 420).
(2)
انظر (ص 417 ـ 421).
(3)
شرح العمدة (1/ 411).
ثانيًا: من السنة:
حديث عمار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إنما كان يكفيك هكذا» ، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه
(1)
.
وفي رواية: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا» ، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه
(2)
.
وجه الدلالة:
أن الحديث نص في أن المشروع المجزئ في التيمم ضربة واحدة، ولو كان المشروع أكثر من ضربة لعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لعمار رضي الله عنه، إذ يبعد أن يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على تعليمه الجائز فقط، ويدع تعليمه فيما هو أفضل منه.
المناقشة:
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث لا يدل على أن الواجب ضربة واحدة؛ لأن المراد بالحديث هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التعليم
(3)
.
(1)
تقدم تخريجه (ص 422).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب التيمم ضربة [صحيح البخاري (1/ 133) حديث (340)]، ومسلم ـ واللفظ له ـ في كتاب الحيض، باب التيمم [صحيح مسلم (1/ 280) حديث (368)].
(3)
عمدة القاري (4/ 29)، شرح صحيح مسلم (4/ 283).
الجواب:
أجيب عن ذلك بجوابين:
الأول: أن سياق الحديث يدل على أن المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم؛ لأن ذلك هو الظاهر من قوله: «إنما كان يكفيك»
(1)
، فحمله على مجرد تعليم صورة الضرب حمل بعيد
(2)
.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في معرض بيان الحاجة، فلو لم يكن المقصود من التعليم بيان جميع ما يحصل به التيمم لكان ذلك سكوتًا في معرض الحاجة، وهو غير جائز من صاحب الشرع
(3)
.
الوجه الثاني: أن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لعمار رضي الله عنه وقع بالفعل، وقد وردت الأحاديث القولية بأن الضرب على الصعيد ضربتان، والراجح تقديم القول على الفعل
(4)
.
الجواب:
أجيب بأن تعليم عمار رضي الله عنه وإن كان بالفعل لكن انضم إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما كان يكفيك هكذا» ، وعليه فإن هذا الحديث يكون في حكم الحديث القولي
(5)
.
(1)
فتح الباري (1/ 531).
(2)
تحفة الأحوذي للمباركفوري (1/ 381)، ط: دار الكتب العلمية.
(3)
المصدر السابق.
(4)
المصدر السابق.
(5)
تحفة الأحوذي (1/ 381).
وقد ورد في رواية أخرى للحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك»
(1)
، وهذا يدل على أن تعليمه صلى الله عليه وسلم لعمار وقع بالقول أيضًا.
أدلة القول الثالث:
يمكن أن يستدل لهم بمجمل أحاديث القولين الأولين، فيحمل حديث عمار الثابت في الصحيحين على أن الواجب ضربة واحدة فقط، وأما أحاديث الضربتين فتحمل على الاستحباب.
المناقشة:
يمكن مناقشته بالتسليم على أن الواجب ضربة واحدة فقط، ولكن لا نسلم بحمل أحاديث الضربتين على الاستحباب؛ وذلك لأن أحاديث الضربتين أحاديث ضعيفة جدًا، وبعضها الصحيح فيه أنه موقوف، وقد سبق بيان ذلك
(2)
، وعليه فلا تكون تلك الأحاديث حجة على استحباب الضربة الثانية.
الترجيح:
الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القائل بأن الواجب والمسنون في التيمم ضربة واحدة فقط، وذلك لما يلي:
أن حديث عمار رضي الله عنه صريح في أن الضربة الواحدة كافية، ولم يأت دليل صحيح صريح بالزيادة على ذلك.
(1)
تقدم تخريجه (ص 266).
(2)
انظر (ص 417 ـ 421).
أن ما عدا حديث عمار رضي الله عنه من أحاديث الضربتين، فهو إما ضعيف، أو موقوف، ومعلوم أن الضعيف لا يصلح للاحتجاج به، والموقوف لا يُسقط المرفوع.
قال الشوكاني رحمه الله: «والحاصل أن جميع الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا ضربة واحدة،
…
وجميع ما ورد في الضربتين لا يخلو من ضعف يسقط به عن درجة الاعتبار، ولا يصلح للعمل به حتى يقال إنه مُشتمل على زيادة، والزيادة يجب قبولها،
…
فالحق الوقوف على ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار رضي الله عنه من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصح الزيادة على هذا المقدار)
(1)
.
44 ـ أن ما ثبت عن عمار رضي الله عنه أنه كان يعلم الناس التيمم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة للوجه واليدين، يوافق أثبت ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقوى على معارضته أحاديث الضربتين.
4 ـ ضعف أدلة المخالفين بما حصل من مناقشة.
(1)
السيل الجرار (1/ 324، 325)، نيل الأوطار (1/ 310).