الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)} فلم يزد الأمر فيهن إلا شدة. رواه الدارمي (1167) بإسناده عن عكرمة، وهو مرسل.
وروي أيضًا عن مجاهد أنه قال: كانوا يجتنبون النساء في المحيض، ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل اللَّه تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)} وقال: في الفرج ولا تعدوه. رواه الدارمي (1184) بإسناده عنه.
انظر بقية الأحاديث في الطهارة والنكاح.
قوله: {حَرْثٌ} أي موضع الولد.
وقوله: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة إذا كان في صمام واحد. وفيه رد على اليهود كما جاء في حديث جابر الآتي:
• عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} .
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (4528) ومسلم في النكاح (117: 1435) كلاهما من حديث سفيان، عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابرًا يقول فذكره، واللفظ للبخاري.
وفي لفظ مسلم: "إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول".
ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 404) من وجه آخر عن ابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري أن محمد بن المنكدر حدثهم عن جابر بن عبد اللَّه فذكره نحوه.
قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج".
• عن عبد الرحمن بن سابط، قال: دخلت على حفصة ابنة عبد الرحمن، فقلت: إني سائلك عن أمر، وأنا أستحيي أن أسألك عنه، فقالت: لا تستحي يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا لا يجبون النساء، وكانت اليهود تقول: إنه من جبّى امرأته، كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة، نكحوا في نساء الأنصار، فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها، فقالت لزوجها: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فدخلت على أم سلمة، فذكرت ذلك لها، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما جاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-
استحيت الأنصارية أن تسأله، فخرجت، فحدثت أم سلمة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"ادعي الأنصارية" فدعيت، فتلا عليها هذه الآية:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} صمامًا واحدًا.
حسن: رواه أحمد (26601) عن عفان، حدّثنا وهيب، حدّثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط فذكره.
ورواه الترمذيّ (2979) من وجه آخر عن سفيان، عن ابن خثيم به مختصرا، وقال: حسن، وفي نسخة: حسن صحيح.
قلت: هو حسن فقط، فإن ابن خثيم مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وجبّى يجبّي من التجبية بأن تكون المراة على هيئة سجود.
وجاء سبب آخر في نزول هذه الآية عن ابن عباس وهو ما يأتي:
• عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه! هلكت، قال:"وما أهلكك؟ " قال: حولت رحلي الليلة، قال: فلم يرد عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا، قال: فأنزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة.
حسن: رواه الترمذيّ (2980) والنسائي في الكبرى (10973) وأحمد (2703) والطحاوي في المشكل (6127) وصحّحه ابن حبان (4202) كلهم من طريق يعقوب بن عبد اللَّه القمّي، قال: حدّثنا جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذيّ: حسن غريب، وفي نسخة: حسن صحيح.
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في يعقوب بن عبد اللَّه القمي وشيخه جعفر بن المغيرة غير أنهما حسنا الحديث. وجاء عن ابن عباس سبب آخر في نزول هذه الآية، وهو الآتي:
• عن ابن عباس قال: أتى ناس من حمير إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أحب النساء فكيف ترى؟ فأنزل اللَّه تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} .
حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 404) عن يونس بن عبد الأعلى قراءة، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عباس فذكره.
وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكن روى عنه عبد اللَّه بن وهب وهو أحد العبادلة، وروايتهم عنه أعدل من غيرهم، فيحسن حديثه.
وذكر عنه سبب آخر في نزول هذه الآية وهو ما رواه الإمام أحمد (2414) من وجه آخر عن
عامر بن يحيى المعافري بإسناده بلفظ: أنزلت هذه الآية في أناس من الأنصار أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ائتها على كل حال، إذا كان في الفرج".
وفي إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف.
فهل يقال: إن في نزول هذه الآية عدة أسباب؟ أو أنها نزلت لسبب واحد، وبقية الأسباب ذكرها ابن عباس استنباطا واجتهادًا منه، وهذا أقرب إلى الصواب.
وعن سعيد بن جبير أنه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس، أتاه رجل فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس -أو يا أبا الفضل- ألا تشفيني عن آية المحيض؟ فقال: بلى، فقرأ:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} حتى بلغ إلى آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، من ثم أمرت أن تأتي. فقال له الرجل: يا أبا الفضل، كيف بالآية التي تتبعها {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ، فقال: إي ويحك! وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول حقا لكان المحيض منسوخا، إذا اشتغل من هاهنا جئت من هاهنا، ولكن {أَنَّى شِئْتُمْ} من الليل والنهار.
رواه ابن جرير في تفسيره (3/ 750) وابن أبي حاتم في التفسير (2/ 402) بإسنادهما، واللفظ لابن جرير، وفيه عمار الدهني حسن الحديث.
ففي هذه الأحاديث: المنع من إتيان النساء فيما سوى فروجهن، وهو أمر جاء النقل فيه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أوجه كثيرة.
• عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يا رسول اللَّه، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال:"ائت حرثك أنى شئت".
حسن: رواه أبو داود (2143) وأحمد (20030) كلاهما من طريق بهز بن حكيم بإسناده أطول منه.
وإسناده حسن من أجل بهز بن حكيم فإنه حسن الحديث.
وقوله: "أنى شئت": أي من أي وجه كان، على أن يكون ذلك في الفرج.
انظر بقية الأحاديث في هذا المعنى في كتاب النكاح.
وقيل معناه: أين شئتم، وحيث شئتم، أي في القبل والدبر. روي ذلك عن ابن عمر كما في الحديث الآتي:
• عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم قال: فقرأت ذات يوم هذه الآية: فقال: أتدري فيمن نزلتْ هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.
صحيح: رواه ابن جرير (3/ 751) عن يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا ابن عون، عن نافع فذكره.
ورواه البخاريّ في التفسير (4526) عن إسحاق، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا ثم مضى، انتهى.
ورواه أيضًا من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} قال: يأتيها في" انتهى.
ورواه أيضًا من طريق عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر" انتهى.
هكذا ساق البخاري حديث ابن عمر من ثلاثة طرق وأبهم معنى الآية، إما أنه أراد التأكد من قول ابن عمر فتركُ الفراغ لأجله، ولما لم يتأكد ذلك ترك الفراغ باقيا، أو نسيه. وإلا فالرواية الصحيحة من طريق ابن عون كما ذكره ابن جرير صريح في إتيان النساء في أدبارهن. فترك الفراغ من البخاري يؤكد أنه لا يرى إباحة ذلك، كما لا يرى نسبته إلى ابن عمر لورود أحاديث النهي عن ذلك، ولذا ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين (1440): يأتيها فيه: يعني الفرج، فزاد من فهمه بأن هذا من مذهب البخاري، وبهذا صار قول البخاري مثل قول جمهور أهل العلم: أبو حنيفة والشافعي في الجديد وأحمد وغيرهم إلا مالكا فقد قال معن: وسمعت مالكا يقول: ما علمت حرامًا، ذكره النسائي في الكبرى (8/ 191).
وأما ابن عمر فقد روي عنه خلاف هذا.
• عن أبي النضر أنه قال لنافع: إنه قد أكثر عليك القول: إنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تُؤتى النساء في أدبارهن، قال: نافع، كذبوا علي، ولكني سأخبرك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يومًا، وأنا عنده حتى بلغ قوله عز وجل:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} قال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قال: قلت: لا، قال: إنا كنا معشر قريش نجبّي النساء، فلما دخلنا المدينة، ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهن مثل الذي نريد، فإذا هن قد كرهن وأعظمن ذلك، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل اللَّه تعالى:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} .
حسن: رواه الطحاوي في مشكله (15/ 424) من حديث المفضل بن فضالة، عن عبد اللَّه، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر أنه قال: فذكره.
ورواه النسائي في الكبرى (8929) من حديث المفضل إلا أنه قال: حدثني عبد اللَّه بن سليمان، عن كعب بإسناده نحوه.
وعبد اللَّه هو ابن عياش بن عباس أبو حفص المصري مختلف فيه ولكن تابعه عبد اللَّه بن سليمان وهو ابن زرعة الحميري الطويل، وهو أيضًا مختلف فيه ولكن يقوي أحدهما الآخر ورسم الحديث الحسن.
ولكن يرى مالك أن القول الصحيح عن ابن عمر جواز إتيان الرجل امرأته في دبرها، فقد روى ابن جرير في تفسيره (3/ 752) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد اللَّه، إن الناس يروون عن سالم:"كذب العبد، أو: العلجُ، على أبي"! فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد اللَّه، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإنّ الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نشتري الجواري فنُحمِّض لهن؟ فقال: وما التحميض؟ قال: الدُّبُر. فقال ابن عمر: أفْ! أفْ! يفعل ذلك مؤمن؟ ! -أو قال: مسلم! - فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع وكان ميمون بن مهران يقول عندما ذكر له عن نافع ما حكي عنه من إباحة النساء في أدبارهن فقال: إنما قال ذلك نافع بعد ما كبر، وذهب عقله، رواه الطحاوي في مشكله (15/ 426).
وقال الطحاوي: وقد روي عن سالم نفي ذلك عن ابن عمر كما حدّثنا ابن أبي داود، حدّثنا ابن أبي مريم، أخبرنا عطاف بن خالد، عن موسى بن عبد اللَّه بن الحسن، أن أباه سأل سالم بن عبد اللَّه أن يحدثه بحديث نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يرى بأسًا في إتيان النساء في أدبارهن، فقال سالم: كذب العبد، أو قال: أخطأ، إنما قال: لا بأس أن يؤتين في فروجهن من أدبارهن.
وبناء على هذه الآثار ذهب بعض أهل العلم إلى أن القول الصحيح عن ابن عمر المنع، ولعله كان يقول بجوازه قبل هذا اجتهادًا منه، فلما بلغه النهي رجع إلى تحريمه.
وأما ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك فأنزل اللَّه:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فهو ضعيف.
رواه الطحاوي في مشكله (6118) عن أحمد بن داود بن موسى، حدّثنا يعقوب بن كاسب، حدّثنا عبد اللَّه بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
يعقوب بن كاسب هو يعقوب بن حميد بن كاسب المدني قد ينسب إلى جده ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. ولا تنفع متابعة الحارث بن سريج له فإنه ضعيف جدا، بل كذبه بعض العلماء، ومن طريقه رواه أبو يعلى (1103) بإسناده عن أبي سعيد قال: أبعر رجل امرأته على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: أبعر فلان امرأته فأنزل اللَّه: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} .
وقوله: "أبعر رجل امرأته" أي أتى مكان خروج البعر من الأمعاء وهو الدبر.