الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث التاسع: أركان الصيام
الركن لغة:
هو جانب الشيء الأقوى، والأركان جمع ركن.
الركن اصطلاحاً:
هو عبارة عن جزء الماهية (1).
والصوم له ركنان تتركب منهما حقيقة الصيام، على النحو الآتي:
الركن الأول: النية:
وهي القصد، والإدارة للشيء، فلا بد من النية في الصوم والقصد لذلك، وهي نوعان:
النوع الأول: نية المعمول له
، وهي الإخلاص لله تعالى، وابتغاء مرضاته ووجهه، ويرجو ثوابه سبحانه وتعالى؛لقول الله تعالى عز وجل:{وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} (2)؛ولحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (([يا أيها الناس] إنما الأعمال بالنيات ((وفي رواية: العمل بالنية)) وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته [إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته] إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها ((وفي رواية: يتزوجها)) فهجرته إلى ما هاجر إليه)) (3).
(1) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب،1/ 65، عدة الباحث في أحكام التوارث، لعبد العزيز بن ناصر الرشيد، ص4.
(2)
سورة البينة، الآية:4.
(3)
متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم 1، وأطرافه بأرقام: 54،2529، 3898،5070، 6689، 6953، ولفظه لفقه العلامة الألباني من هذه الأطراف، وأخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنية
…
))، برقم 1907.
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات)) والمعنى: الأعمال واقعة، أو حاصلة، وصالحةٌ أو فاسدةٌ، أو مقبولة أو مردودة، أو مثابٌ عليها أو غير مثابٍ عليها بالنيات؛ فإن الأعمال لا تقع إلا عن قصدٍ، وصلاحها وفسادها بحسب صلاح النيات وفسادها، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((
…
إنما الأعمال بالخواتيم)) (1) أي: إن صلاحها وفسادها، وقبولها وعدم قبولها بحسب الخاتمة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) والمعنى: أن حظ العامل من عمله نيته، فإن كانت صالحةً فعمله صالحٌ وله أجره، وإن كانت فاسدةً فعمله فاسدٌ وعليه وزره، فلا يحصل له من عمله إلا ما نواه به، فإن نوى خيراً، حصل له خير، وإن نوى شراً، حصل له شر، وليس هذا تكريراً للجملة الأولى [إنما الأعمال بالنيات] فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية:[وإنما لكل امرئ ما نوى] دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحةً فيكون العمل مباحاً، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه: صلاحه، وفساده، وإباحته، بحسب النية العاملة عليه، المقتضية لوجوده، وثواب العامل، وعقابه، وسلامته بحسب نيته، التي بها صار العمل: صالحاً، أو فاسداً، أو مباحاً.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى
(1) البخاري، كتاب القدر، باب العمل بالخواتيم، برقم 6607.
ما هاجر إليه)) لما ذكر صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من: خيرٍ، أو شرٍ، وهاتان كلمتان جامعتان، وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثالاً من أمثال الأعمال التي صورتها واحدة ويختلف صلاحُها وفسادُها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذوِ هذا المثال.
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها، فمن هاجر من دار الشرك إلى دار الإسلام حُبَّاً لله ورسوله، ورغبةً في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه، حيث كان يعجز عنه في بلاد الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقاً، وكفاه شرفاً وفخراً، أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله.
ومن كانت هجرته من بلد الشرك إلى بلد الإسلام؛ لطلب دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها في دار الإسلام، فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجرٌ، والثاني خاطبٌ، وليس واحد منهما بمهاجر (1).
فهذا النوع الأول من أنواع النية: وهو تمييز المقصود بالعمل، وهو الله تعالى وحده لا شريك له، وهذه النية التي يتكلم فيها العارفون بالله تعالى في كتبهم في كلامهم على الإخلاص، وتوابعه، وهي التي توجد في كلام السلف المتقدمين.
(1) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، 1/ 64 - 73 بتصرف.