الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خامساً: إقامة المسافر التي يفطر فيها ويقصر فيها الصلاة:
إذا نوى المسافر الإقامة أثناء سفره في بلد أكثر من أربعة أيام، فإنه يُتِمُّ الصلاة، ويصوم إذا كان في رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة في حجة الوداع، يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وأقام بها: الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم صلى الفجر يوم الخميس ثم خرج إلى منى، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر، وأفطر إن كان في رمضان، وإذا أجمع أكثر من ذلك أتم وصام، قال الإمام ابن قدامة: ((وجملة ذلك أن
من لم يُجمع إقامةً مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة فله القصر ولو أقام سنين)) (1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة؛ فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال: غداً أسافر، أو بعد غد أسافر ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بضعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة، والله أعلم)) (2).
وكذلك الصيام في رمضان والإفطار، فإن أجمع إقامة أربعة أيام فأقل قصر وأفطر، وإن أجمع على الإقامة أكثر من ذلك أتم وصام، وعليه: الإمام الشافعي، وأحمد، ومالك، وبقول هؤلاء الأئمة وجمهور أهل العلم معهم تنتظم الأدلة، ويكون ذلك صيانة من تلاعب الناس، وهذا هو الأحوط؛ لأن ما زاد عن أربعة أيام غير مجمع عليه، وما كان أربعة أيام فأقل مجمع عليه أي داخل في المجمع عليه، وبهذا يخرج المسلم من الخلاف، ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، والله عز وجل أعلم (3).
(1) المغني،3/ 153،وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،5/ 68،والمغني،3/ 3/147 - 148، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، 2/ 390، ومجموع فتاوى ابن تيمية 24/ 17 - 137.
(2)
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 24/ 17.
(3)
انظر: مجموع فتاوى ابن باز، 12/ 276، و15/ 239 - 244، وتقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم 459، ورقم 461، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، 8/ 99، و10/ 205 - 212، وفتاوى ابن عثيمين، 19/ 141، وصلاة المؤمن للمؤلف، 1/ 683 - 686.
ومما يدل على أن المسافر إذا أقام ببلد متردِّداً في مدة الإقامة جاز له أن يفطر مدة تلك الإقامة؛ لأنه لم يجمع على الإقامة مدة معينة: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح في رمضان وصام حتى إذا بلغ الكديد (1) - الماء الذي بين قُدَيدٍ وعُسفان - أفطر فلم يزل مفطراً
(1) الكَديد: عين جارية بينها وبين المدينة سبع مراحل [والمرحلة الواحدة: المسافة التي يقطعها السائرُ المسافر في نحو يوم]. المصباح المنير للفيومي، 1/ 223، والمعجم الوسيط، 1/ 335. وبينها وبين مكة قريب من مرحلتين، وهي أقرب إلى المدينة من عُسفان، قال القاضي عياض: الكديد عين جارية على اثنين واربعين ميلاً من مكة، قال: وعسفان قرية جامعة بها منبر على ستة وثلاثين ميلاً من مكة، قال: والكديد ماء بينها وبين قُديد، وفي الحديث الآخر: فصام حتى بلغ كُراع الغَميم، وهو بفتح العين المعجمة، وهو وادٍ أمام عسفان بثمانية آميال، يضاف إليه هذا الكراع، وهو جبل أسود متصل به، والكراع كل أنف سال من جبل أو حرة، قال: وهذا كله في سفر واحد في غزاة الفتح، قال: وسميت هذه المواضع في هذه الأحاديث لتقاربها وإن كانت عسفان متباعدة شيئاً عن هذه المواضع؛ ولكنها كلها مضافة إليها، ومن عملها، فاشتمل اسم عسفان عليها، قال: وقد يكون علم حال الناس ومشقتهم في بعضها فأفطر وأمرهم بالفطر، في بعضها، قال النووي: هذا كلام القاضي وهو كما قال إلا في مسافة عسفان، فإن المشهور أنها على أربعة برد من مكة، وكل بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، فالجملة ثمانية وأربعون ميلاً، هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الجمهور. [شرح النووي على مسلم، 7/ 239 - 240]. وانظر: هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر، ص156، 170، 178. قال الحموي في معجم البلدان، 4/ 442: ((قال ابن إسحاق: سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة في رمضان، فصام وصام أصحابه حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمَج أفطر))، قال: ((وقُدَيْدٌ: اسم موضوع قرب مكة)). 4/ 313، ونقل الحموي أيضاً:((أن عسفان بين مكة والجحفة، وهي من مكة على مرحلتين)) 4/ 122، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، 4/ 181.
حتى انسلخ الشهر)) (1). قال أبو البركات المجد ابن تيمية رحمه الله: ((ووجه الحجة منه أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان، هكذا جاء في حديث متفق عليه)) (2).
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: ((والحديث يدل على أن المسافر إذا أقام ببلد متردِّداً جاز له أن يفطر مدة تلك الإقامة كما يجوز له أن يقصر
…
وقد دل الدليل على أن من كان مقيماً ببلد وفي عزمه السفر يفطر مثل المدة التي أفطرها صلى الله عليه وسلم بمكة، وهي عشرة أيام، أو أحد عشر يوماً، على اختلافٍ في الروايات
…
)) (3).
وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((وقد أقام صلى الله عليه وسلم في مصالح الإسلام والمسلمين، وهذه الإقامة لم يكن مجمعاً عليها،
…
فلما حصل المقصود ارتحل إلى المدينة، .... وإقامته صلى الله عليه وسلم عشرون يوماً في تبوك ينتظر فيما يتعلق بحرب الروم هل يتقدم أو يرجع، ثم أذن الله له أن يرجع، واحتج بهذه القصة وقصة الفتح على أنه لا بأس بالقصر مدة الإقامة العارضة ولو طالت، حتى قال أهل العلم: لو مكث سنين مادام لم يجمع
(1) متفق عليه: البخاري، برقم 1944، ورقم 2953، ومسلم، برقم 88 - (1113)، ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
(2)
منتقى الأخبار المطبوع مع نيل الأوطار، 3/ 169.
(3)
نيل الأوطار للشوكاني.