الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن يصوم؛ لحديث جابر رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظُلِّل عليه، وفي رواية: فرأى زحاماً ورجلاً قد طُلِّل عليه، فقال:((ما هذا؟)) فقالوا: صائم، فقال:((ليس من البر الصوم في السفر)) (1)، ولفظ النسائي:((إنه ليس من البر الصوم في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخّص لكم فاقبلوها)) (2).
الحال الثالثة:
أن لا يشقّ عليه الصيام مطلقاً: لا مشقة شديدة ولا مشقة يسيره، بل والصوم سهل يسير عليه، والفطر سهل يسير عليه، وقد تساوى الأمران ولافرق بينهما، ففي هذه الحال يجوز له أن يصوم، ويجوز له أن يفطر؛ لحديث حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر، فقال له صلى الله عليه وسلم:((إن شئت فصم وإن شئت فأفطر)) وفي لفظ لمسلم: أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جُناحٌ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جُناح عليه)) (3).
ولكن اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه الحال: أيهما أفضل وأعظم للأجر: الصيام أو الفطر؟ على قولين (4) فقيل: الصيام أفضل،
(1) متفق عليه: البخاري، برقم 1946، ومسلم، برقم 1115، وتقدم تخريجه.
(2)
النسائي، برقم 2257، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، 2/ 131، وتقدم تخريجه.
(3)
متفق عليه: البخاري، برقم 1923،ورقم 1942،ومسلم، برقم 107 - (1121).
(4)
اختلف العلماء رحمهم الله في الأفضل في صيام المسافر إذا لم يشقّ عليه الصيام، على قولين:
القول الأول: مذهب الإمام أحمد وأصحابه الحنابلة: أن الفطر أفضل في السفر لمن لم يشق عليه الصيام، قال الإمام ابن قدامة في المغني، 4/ 407:((والأفضل عند إمامنا رحمه الله الفطر في السفر، وهو مذهب عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق، وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس من البر الصوم في السفر)). [البخاري، برقم 1946، ومسلم، برقم 1115]. وقوله صلى الله عليه وسلم في الذين صاموا في السفر وقد شق عليهم الصيام: ((أولئك العصاة))، [مسلم، برقم 1114]. وأصرح ما استدل به الحنابلة قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه))، [ابن حبان، برقم 354، ورقم 3568]. وفي اللفظ الآخر: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته/ ح))، [أحمد، برقم 5866، ورقم 5873]. قال شيخنا ابن باز رحمه الله: ((الأفضل للصائم الفطر في السفر مطلقاً، ومن صام فلا حرج عليه))، وقال رحمه الله: ((المسافر مُخيَّرٌ بين الصوم والفطر، وظاهر الأدلة، الشرعية أن الفطر أفضل، ولا سيما إذا شق عليه
…
))، وقال: ((
…
لكن إذا علم المسلم بأن فطره في السفر سيثقل عليه القضاء فيما بعد ويُكلِّفه في المستقبل ويخشى أن يشق عليه فصام ملاحظةً لهذا المعنى فذلك خير
…
)). [مجموع فتاوى ابن باز، 15/ 234 - 244].
وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((لقد دلت الأحاديث الكثيرة الصحيحة من أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم على أن الفطر للمسافر أفصل من الصوم، وجدت المشقة أو لم توجد، وأن الصيام في حقه جائز)). [مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، 10/ 209،200، و10/ 211].
القول الثاني: قول جمهور أهل العلم: الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، قالوا: الصوم أفضل لمن قوي عليه، ويروى ذلك عن أنس، وعثمان بن أبي العاص، واحتجوا بحديث أبي الدرداء، قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة)). [البخاري، برقم 1945، ومسلم، برقم 1122]. وغير ذلك من الأحاديث، وقالوا: ولأن من خيّر بين الصوم والفطر كان الصوم له أفضل كالتطوع، قال ابن قدامة:((ولنا ما تقدم من الأخبار؛ ولأن في الفطر خروجاً من الخلاف فكان أفضل، كالقصر، وقياسهم ينتقض بالمريض وبصوم الأيام المكروه صومها)). [المغني، 4/ 408].
وقيل: الفطر أفضل، والأقرب والله تعالى أعلم: أن الفطر أفضل؛
لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته)) (1)، وفي لفظٍ:((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) (2)، وهذا هو الأفضل؛ لهذه الأدلة؛ ولغيرها (3)، ولكن لا حرج لمن أراد الصيام إذا لم يشق عليه؛ لقول
(1) أحمد في المسند، 10/ 107، برقم 5866، و10/ 112، برقم 5873، وصححه محققو المسند، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم 564.
(2)
ابن حبان، 8/ 333، برقم 3568، وأخرجه ابن حبان أيضاً من حديث ابن عباس، 2/ 69، برقم 354، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط، وأخرجه أيضاً الطبراني في المعجم الكبير، برقم 11880، وصححه الألباني في إرواء الغليل، 3/ 11، برقم 564.
(3)
تقدم أن مذهب الحنابلة: القول بأن الفطر للمسافر هو الأفضل، وقول الجمهور الصيام هو الأفضل. وقول عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة، قالوا: أفضل الأمرين أيسرهما؛ لقول الله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة 185]. [المغني لابن قدامة، 4/ 408].
وذكر ابن الملقن رحمه الله تعالى في الأفضل للمسافر أربعة أقوال:
القول الأول: الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة، ولا ضرر.
القول الثاني: الفطر أفضل، وإليه ذهب ابن عباس وابن عمر.
القول الثالث: الصوم والفطر سواء لتعادل الأحاديث.
القول الرابع: من لا يتضرر بالصوم في الحال ولكن يخاف الضعف لو صام وكان سفر حج أو غزو فالفطر أولى [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، 5/ 261 - 268، وقسم العلامة ابن عثيمين الصيام في السفر إلى ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة غير محتملة فيحرم الصوم ويجب الإفطار.
الحال الثاني: أن يشق عليه الصوم مشقة محتملة أي مشقة يسيره، فيكره الصوم ويستحب الإفطار، وهو أفضل.
الحال الثالث: أن لا يكون لصومه مزية على فطره ولا لفطره مزية على صومه، بل يستوى الأمران، فيكون الصوم أفضل؛ لما يأتي:
أولاً: أن هذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لحديث: ((
…
وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة)). وتقدم تخريجه.
ثانياً: أنه أسرع في إبراء الذمة.
ثالثاً: أنه أسهل على المكلف؛ لأن الصوم والفطر مع الناس أسهل.
رابعاً: أنه يدرك الزمن الفاضل وهو رمضان. [قلت: ولكن يَرِدُ على هذا أن المسافر يكتب له ما كان يعمل في إقامته].انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين،19/ 134 - 140، والشرح الممتع له،
6/ 354 - 357،و6/ 338 - 340،ومجالس شهر رمضان، ص82.
النبي صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عمرو الأسلمي: ((هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)) (1)، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ((لا تَعِبْ على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأفطر)) (2)،وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري:((وكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر))،وتقدم قول أنس رضي الله عنه:((كُنَّا نسافر مع رسول صلى الله عليه وسلم))،وفي لفظٍ:((في رمضان)) ((فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم)) (3)،وبالله تعالى التوفيق (4). والله
(1) مسلم، برقم 107 - (1121)، وتقدم تخريجه.
(2)
متفق عليه: البخاري برقم 944، 948، ومسلم، برقم 1113، وتقدم تخريجه.
(3)
متفق عليه: البخاري، برقم 1947، ومسلم، برقم 1118.
(4)
انظر: المغني لابن قدامة، 4/ 406 - 408،والشرح الكبير والمقنع والإنصاف، 7/ 371 - 375، والفروع لابن مفلح، 4/ 440 - 442، والكافي لابن قدامة، 2/ 224، وشرح العمدة لابن تيمية، 1/ 207 - 244، والروض المربع المحقق، 4/ 289، والشرح الممتع لابن عثيمين،
6/ 338 - 340، 354 - 357، وفتاوى ابن عثيمين، 19/ 134 - 140، وفتاوى ابن باز،
15/ 234 - 244، وفتاوى اللجنة الدائمة، 10/ 200 - 211.
وعند ابن حزم: لا يصح صوم المسافر حال السفر، [المحلى، 6/ 247] وفيه نظر.
تعالى أعلم (1). وسمعت شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله
(1) وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلاماً نفيساً في كتابه شرح العمدة، 1/ 207، فذكر الأحاديث الثابتة في صيام المسافر، ثم ذكر أيهما أفضل للمسافر: الصوم أو الفطر؟ فقال عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس من البر الصوم في السفر))، [البخاري، برقم 1946، ومسلم، برقم 1115]. قال: والبر هو العمل الصالح، فقد بين صلى الله عليه وسلم أن الصوم في السفر ليس بعمل صالح، بل هو من المباح، فلا حاجة للإنسان أن يجهد نفسه به، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:((إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)). [البخاري، برقم 2996]، فإذا سافر في رمضان وأفطر كتب له صوم رمضان، ثم إذا قضاه كتب له صوم القضاء، فلا يكون في الصوم زيادة فضل. وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث:((عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها))، [النسائي، برقم 2257، وصححه الألباني وتقدم]. والرخصة عامة لجميع الناس. وقال في حديث ابن عمر: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته))، [أحمد، برقم 5866]، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه))، [البخاري، برقم 2560، ومسلم، برقم 2327]. وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ وأبي موسى: ((يسّرا ولا تعسّرا))، [البخاري، برقم 4342، ومسلم، برقم 1733]، وقال:((إن الله تعالى وضع عن المسافر الصيام ونصف الصلاة))، [النسائي، برقم 2266 - 2273، والترمذي، برقم 1715، وابن ماجه، برقم 1667، وأبو داود، برقم 2408]. وقال في قصر الصلاة: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته))، [مسلم، برقم 686]، وعامة الصحابة على ذلك
…
ثم ذكر آثاراً عن ابن عباس، وابن عمر، وعمر، وذكر ابن عباس: أن الصوم لا يجزئه، وعن عثمان بن أبي العاص وأنس أن الصوم أفضل؛ ولأن الفطر جائز بغير خلاف من غير كراهة، والصوم قد كرهه جماعة من الصحابة، وأمروا بالقضاء. [منهم أبو هريرة، وعمر [شرح العمدة، 1/ 211]، وابن عباس [شرح العمدة، 1/ 274]؛ ولأن الفطر أيسر وأخف والله يريد اليسر، ولا يريد بنا العسر، ويحب أن يؤتى ما أرخصه، والمفطر يجمع له أجر الصائم وأجر القضاء، وبهذا يتبين أن الفطر أرفع له بكل حال؛ ولأن في الفطر قبولاً للرخصة، وبراءة من التعمق والغلو في الدين، وشكر الله على ما أنعم به من الرخصة، والصحيح أنه إن شق عليه الصوم كره، ومن صام بدون مشقة فلا بأس بصومه. [شرح العمدة لابن تيمية، 1/ 207 - 244].