الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس: ثبوت دخول شهر رمضان وخروجه
يثبت دخول شهر رمضان برؤية محققة، أو بشهادة شاهدٍ واحدٍ عدلٍ فأكثر، فإن لم تكن رؤية، ولا شهادة أكمل الناس عدة شعبان ثلاثين يوماً، فعلى هذا
يثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين:
الأمر الأول: رؤية هلال رمضان ولو من واحدٍ عدل
(1).
الأمر الثاني: إتمام شهر شعبان ثلاثين يوماً
.
وكذلك يثبت خروج شهر رمضان:
إما برؤية هلال شوال ولو من اثنين عدلين، أو إكمال رمضان ثلاثين يوماً، والفرق بين ثبوت دخول رمضان وخروجه، هو أن شهادة الواحد تقبل في دخوله، ولا يُقبل في خروجه إلا بشهادة عدلين، كما دلت على ذلك الأدلة الثابتة (2) على النحو الآتي:
أولاً: وجوب صوم رمضان بالرؤية المحققة لهلاله
أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: ((الشهر تسع وعشرون ليلة] وفي طريق ((الشهر: هكذا، وهكذا، وخنس (3) الإبهام في الثالثة))،وفي رواية: ((الشهر هكذا،
(1) العدل: في اللغة: المستقيم، وهو ضد المعوج، وفي الشرع: من قام بالواجبات، ولم يفعل كبيرة، ولم يصرَّ على صغيرة. [الشرح الممتع، للعثيمين، 6/ 323].
(2)
انظر: زاد المعاد لابن القيم، 2/ 38 - 50.
(3)
وخنس الإبهام: أي قبض أصبعه الإبهام.
وهكذا، وهكذا)) يعني تسعاً وعشرين يقول: مرة ثلاثين، ومرة تسعاً وعشرين)) [فـ] لاتصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ (1) عليكم فاقدروا له)) (2) وفي رواية ((فأكملوا العدة ثلاثين)) وفي لفظ:((إنا أُمَّة أميَّة (3) لا نكتب ولانحسب، الشهر هكذا، وهكذا)) يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين)) (4)؛ وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى (5) من نسائه، [وفي رواية: حلف لا يدخل على بعض أهله شهراً، فلما مضى
(1) غُمَّ، وأُغميَ، وغُمِّيَ، يقال: غُمَّ الهلال، وأُغْمِيَ، وغُمِّيَ: إذا غطَّاه شيء من غيم أو غيره، فلم يظهر. [جامع الأصول، لابن الأثير، 6/ 267].
(2)
فاقدروا له: يقال: قدّرت الأمر أُقَدِّرُه وأقْدُرُهُ: إذا نظرت فيه ودبَّرته. والمعنى: قدِّروا عدد الشهر حتى تكمِّلوا ثلاثين يوماً، أي: قدِّروا حسابه بجعل شعبان ثلاثين يوماً، وهذا هو التفسير الصحيح الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة. [انظر: جامع الأصول لابن الأثير،6/ 267].
وقيل: قدِّروا له: أي ضيقوا له العدد، من قوله تعالى:{وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [سورة الطلاق، الآية: 7] أي ضُيِّق عليه، والمعنى على هذا التفسير: اجعلوا شعبان تسعة وعشرين يوماً، والصواب القول الأول.
(3)
أمة أمية لا نكتب ولا نحسب: الأمة: الجيل من الناس، والأمية: التي لا تكتب ولا تقرأ، وقيل: هو منسوب إلى الأم: أي: أنها على أصل ولادتها، ولم تتعلم الكتابة. [جامع الأصول، لابن الأثير، 6/ 281].
(4)
متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:((إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا))، برقم 1906، وألفاظه من الأطراف كلها، برقم 1900، 1906، 1907، 1908، 1913، 5302، ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوماً، برقم 1080.
(5)
آلى من نسائه: أي حلف لا يدخل عليهن. [النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، 1/ 62].
تسعةٌ وعشرون يوماً غدا [عليهن] أوراح، فقيل له:[يا نبي الله!] إنك حلفت أن لا تدخل [عليهن] شهراً، فقال:((إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً)) (1).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدُّهُنَّ دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: بَدَأَ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدُّهُنَّ، فقال:((إن الشهر تسع وعشرون)) (2).
أما حديث أبي بكرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان، وذو الحجة)) (3) قال الإمام البخاري رحمه الله: ((قال إسحاق: وإن كان ناقصاً فهو تام، وقال محمد: لا يجتمعان كلاهما ناقص)) (4)، وقال الإمام الترمذي رحمه الله: ((قال أحمد: معنى هذا الحديث: لا ينقصان معاً في سنة واحدة؛ شهر رمضان وذو الحجة، إن
(1) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه))، برقم 1910، وطرفه الآخر برقم 5202، وأخرجه مسلم، في كتاب الصيام، باب الشهر يكون تسعاً وعشرين، برقم 1085.
(2)
مسلم، كتاب الصيام، باب الشهر يكون تسعاً وعشرين، برقم 1083، وكذلك أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، في الباب السابق نفسه.
(3)
متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب شهرا عيد لا ينقصان، برقم 1912، ومسلم، كتاب الصيام، باب معنى قوله صلى الله عليه وسلم:((شهرا عيد لا ينقصان))،برقم 1089.
(4)
صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب شهرا عيد لا ينقصان، قبل الحديث رقم 1912.
…
نقص أحدهما تم الآخر، وقال: إسحاق: معناه لا ينقصان، يقول: وإن كانا تسعاً وعشرين فهو تمام غير نقصان. وعلى مذهب إسحاق يكون ينقص الشهران معاً في سنة واحدة)) (1).
والله تعالى أعلم (2) بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم (3).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))، ولفظ مسلم:((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً))، وفي رواية لمسلم: ((صوموا
(1) سنن الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في: شهرا عيد لا ينقصان بعد الحديث رقم 692.
(2)
وقال ابن الأثير: ((شهرا عيد لا ينقصان. قال الخطابي: ((اختلف الناس في معنى قوله: شهرا عيد لا ينقصان، فقال بعضهم: معناه: أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم، وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب، وقال بعضهم: معناه: أنهما لايكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعين في النقصان، إن كان أحدهما تسعة وعشرين كان الآخر ثلاثين، قال الخطابي: قلت: وهذا القول لايعتمد عليه؛ لأن الواقع يخالفه، إلا أن يحمل الأمر على الغالب والأكثر. وقال بعضهم: إنما أراد بهذا تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة؛ فإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان)). [جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، 6/ 283]. [وانظر: فتح الباري لابن حجر،
4/ 125]، و [المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم للقرطبي، 3/ 146].
(3)
وسمعت سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله يذكر هذه الأقوال، أثناء تقريره على صحيح البخاري الحديث رقم 1912، ثم قال:((وقيل: لا ينقصان مطلقاً عدداً، ولكن قد شاهد الناس أن النقص في العدد يحصل، والخلاصة: الله أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد حصل النقص في العدد، وأما لو صام الناس تسعاً وعشرين فالأجر كامل، وقول إسحاق: إنه لا ينقص في الأجر وإن نقصا عدداً قول قوي، وأحسن ما يقال: الله أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم)).
لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدُّو ثلاثين)) (1)،وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لاتقدَّموا الشهر حتى تروا الهلال قبله، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله)) (2).
وعن ربعي بن حراش مرسلاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأتمُّوا شعبان ثلاثين، إلا أن تروُا الهلال قبل ذلك، ثم صوموا رمضان ثلاثين إلا أن تروُا الهلال قبل ذلك)) (3).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقدَّموا الشهر بصوم يومٍ ولا يومين، إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة (4) فأتمُّوا العدة ثلاثين، ثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون))، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ
(1) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:((إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا))، برقم 1909، ومسلم، كتاب الصوم، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، وأنه إذا غُمَّ في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوماً، برقم 1081.
(2)
النسائي بلفظه، في كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على منصور في حديث ربعي فيه، برقم 2125، وأبوداود، كتاب الصوم، باب إذا أغمي الشهر، برقم 2326، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 2/ 50، وفي صحيح النسائي، 2/ 98.
(3)
النسائي، كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على منصور في حديث ربعي فيه، برقم 2127، وصححه الألباني بما قبله، في صحيح النسائي، 2/ 99.
(4)
غمامة: أي غطاه شيء من سحاب أو غيم أو غير ذلك. [جامع الأصول،6/ 267].
الترمذي: ((لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية (1) فأكملوا ثلاثين يوماً))،وفي رواية للنسائي: قال ابن عباس: عجبت ممن يتقدم الشهر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة
ثلاثين)) (2).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفَّظ (3) من شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثين يوماً ثم صام)) (4).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحصوا هلال شعبان لرمضان)) (5).
ولا يُتقدم بالصيام قبل رمضان بيوم أو يومين؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه،عن
(1) غياية: بياءين: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه، مثل السحابة، والغبرة: الظلمة. [جامع الأصول، لابن الأثير، 6/ 270].
(2)
أخرجه: أبوداود، كتاب الصوم، باب من قال: فإن غُم عليكم فصوموا ثلاثين، برقم 2327، والترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال والإفطار له، برقم 688، وصححه الألباني، في صحيح سنن أبي داود، 2/ 51، وفي صحيح سنن الترمذي، 1/ 372، وفي صحيح سنن النسائي، 2/ 98.
(3)
يتحفظ: أي يحرص ويتكلف في عَدِّ أيام شعبان للمحافظة على صوم رمضان.
(4)
أبو داود، كتاب الصوم، باب إذا أُغمي الشهر، برقم 2325، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 2/ 50.
(5)
الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في إحصاء شعبان لرمضان، برقم 687، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، 1/ 372، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 565.
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يومٍ أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم))،ولفظ مسلم:((لا تقدَّموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين إلا رجلٌ كان يصوم صوماً فليصمه)) (1).
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشَّكِّ، فعن صِلةَ بنِ زُفَرَ قال: كنَّا عند عمار بن ياسر فأُتي بشاة مصليّة فقال: كلوا، فتنحَّى بعض القوم فقال: إنِّي صائمٌ، فقال عمار:((من صام اليوم الذي يَشُكُّ فيه الناس فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)) (2)، وحتى ولو كانت ليلة الثلاثين من شعبان فيها غمامٌ أو قتر فلا يصام يوم الشك؛ لهذا الحديث وغيره من الأحاديث السابقة آنفاً (3).
(1) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، بابٌ: لا يتقدَّمُ رمضانَ بصوم يوم ولا يومين، برقم 1914، ومسلم، كتاب الصيام، بابٌ: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، برقم 1082.
(2)
أبوداود، كتاب الصوم، باب كراهية صوم يوم الشك، برقم 2334، والنسائي، كتاب الصيام، باب صيام يوم الشك، برقم 2188، والترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، برقم 686، وابن ماجه، كتاب الصيام، باب ماجاء في صيام يوم الشك، برقم 1645، وأخرجه البخاري في الصحيح معلقاً مجزوماً به، في كتاب الصوم، بابُ قول النبي صلى الله عليه وسلم:((إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه)) بلفظ: وقال صلةُ عن عمار: ((من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم))، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود، 2/ 52، وفي غيره.
(3)
وقيل يجب صوم يوم الثلاثين إذا حال دون الرؤية غيم أوقتر، فيجب وجوباً ظنياً، وقيل: يحرم صومه للأدلة الكثيرة المذكورة آنفاً، وقيل: صومه مستحب وليس بواجب، وقيل: صومه مكروه وليس بحرام، وقيل: صومه مباح وليس بواجب، ولامكروه ولا مستحب، وقيل: العمل بعادةٍ غالبةٍ فإذا مضى شهران كاملان فالثالث ناقص وإذا مضى شهران ناقصان فالثالث كامل. وقيل: الناس تبع للإمام، فإن صام صاموا وإن أفطر أفطروا. وأصح هذه الأقوال التحريم، ولكن إذا ثبت عند الإمام وجوب الصوم وأمر الناس بصومه؛ فإنه لاينابذ. [انظر: زاد المعاد لابن القيم،
2/ 38 - 49، وكتاب الصيام من شرح عمدة الأحكام لشيخ الإسلام ابن تيمية، 1/ 88 - 130، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، 7/ 326 - 329، والمغني لابن قدامة، 4/ 330 - 333، والاختيارات لابن تيمية، ص58، والفتاوى له، 25/ 98 - 103، و25/ 122 - 125. وانظر: رسالة قيمة في الهلال، في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 25/ 126 - 202. والشرح الممتع لابن عثيمين، 6/ 314 - 318].