الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
8 - باب التيمُّن في الطُّهور وغيره
• عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجّله وطهوره، وفي شأنه كله.
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (168) ومسلم في الطهارة (268) كلاهما من طريق شعبة، عن أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة، فذكر الحديث، ورواه مسلم من طريق أبي الأحوص، عن أشعث به، وفيه:"إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحبّ التيمنَ في طهوره إذا تطهَّر، وفي ترجّله إذا ترجَّل، وفي انتعاله إذا انتعل" انتهى. قال شعبة: ثم سمعت الأشعث بواسط يقول: يحب التيامن في شأنه كله. قال: ثم سمعته بالكوفة يقول: يحب التيامن ما استطاع.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا لبستم، وإذا توضأتم فابدأوا بأيامنكم".
صحيح: رواه أبو داود (4141) وابن ماجه (402) من طريق أبي جعفر النُّفَيْلي، ثنا زهير بن معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه الترمذي (1766) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا شعبة، عن الأعمش به، إلَّا أنه اقتصر على "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس قميصا بدأ بميامنه". وقال: روي غير واحد هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد عن أبي هريرة موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة. انتهى.
قلت: رجال أبي داود وابن ماجه ثقات وإسناده صحيح، وأبو جعفر النُّفَيْلي هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نُفيل الحراني، ثقة حافظ من رجال البخاري. وأما قول الترمذي إن غير عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة لم يرفعه، فلا يقدح في صحته، فلعل شعبة كان يروي على وجهين، لشك طرأ عليه، ولم يتردد الأعمش في رفعه، واليقين لا يزول بالشك، وقد خرّجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه (1/ 91 رقم 178)، وابن حبان - "الموارد"(1452)، وصحّحه أيضًا ابن القطان.
9 - باب ما جاء في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم
-
• عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جَدّ عمرو بن يحيى المازني، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -: هل تستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضَّأ؟ فقال عبد الله بن زيد بن عاصم: نعم، فدعا بوَضُوء، فأفرغ على يده، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه؛ فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمُقدَّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم
ردّهما حتَّى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (1) وعنه البخاري في الوضوء (185) ومسلم في الطهارة (235).
ورواه مسلم أيضًا من طريق غير مالك. وفيه: "ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح رأسه" أي: بماء جديد لا ببقية ماء يديه، رواه عن طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، إلَّا أن البخاري لم يذكر هذه الزيادة في روايته عن خالد بن عبد الله، وذكرها في روايته عن وُهَيْب، عن عمرو بن يحيى، وفي روايته عن سليمان بن بلال، عن عمرو.
قال النووي رحمه الله في شرحه لمسلم (3/ 125): "ولا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به؛ لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه".
وفي رواية: "فغسل يديه ثلاثًا". وفي رواية بزيادة: "استنشق" بين "مضمض" و "استنثر". وفي رواية: "ثم غسل رجليه إلى الكعبين". وفي رواية قال: "هكذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وأما مسح الرأس ففي أكثر الروايات لم يُذكر العددُ، إلَّا في رواية وُهَيْب بن خالد الباهلي مولاهم، فإنه صرَّح بأنه مسح مرة.
ووقع في رواية للنسائي (99) بإسناد جيّد أنه "مسح برأسه مرّتين" فالظّاهر أنه تفسير لقوله: "فأقبل بهما وأدبر".
وقال مسلم: حدثني إسحاق بن موسى، ثنا معن، ثنا مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى بهذا الإسناد وقال: مضمض واستنثر ثلاثًا، ولم يقل "من كف واحدة".
وكأنه يشير إلى حديث خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق من كفٍّ واحد، فعل ذلك ثلاثًا"، رواه الترمذي (28) وقال: حسن غريب.
وحديث خالد بن عبد الله رواه كل من البخاري ومسلم وقالا: "من كَفٍّ واحدة" بالتأنيث، وهي زيادة صحيحة، والغرابة لا تنافي الصحة؛ فإنَّ خالد بن عبد الله ثقة.
• عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، وأخذ غَرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غَرفة من ماء فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأُخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غَرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غَرفة من ماء فغسل بها يده اليُسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غَرفة من ماء، فرشّ على رِجله اليُمنى حتَّى غسلها، ثم أخذ غَرفة أُخرى فغسل بها رجله، يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ.
صحيح: رواه البخاري في الوضوء (140) من حديث ابن بلال - يعني سليمان - عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس فذكر الحديث. وأجمله أُخرى فقال: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة. رواه أيضًا البخاري (157) من حديث سفيان، عن زيد بن أسلم به.
ويبدو أن ابن عباس مرة كان يروي هكذا كما رواه البخاري، وأخرى رواه فجعل يصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا:"توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرف غرفة، فمضمض واستنشق، ثم غَرف غَرفةً فغسل وجهه، ثم غَرَف غَرفةً فغسل يده اليمنى، ثم غَرَف غَرفةً فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذنيه؛ باطنهما بالسبّابتين وظاهرهما بإبهاميه، ثم غَرَف غَرفةً فغسل رجله اليمنى، ثم غَرَف غَرفةً فغسل رجله اليسرى".
رواه النسائي (102) واللفظ له، والترمذي (36) وابن ماجه (439) كلهم من حديث عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. ولفظ الترمذي:"مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما". ولفظ ابن ماجه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح أذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما".
قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: رجاله ثقات غير محمد بن عجلان، فهو صدوق.
ورواه أبو داود (1387) من طريق سفيان، عن زيد بن أسلم به، وفيه: قال ابن عباس: "ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوضأ مرة مرة" فظن بعض الناس أنه حديثان، والصواب أنه حديث واحد، رواه مرة مجملا وأخرى مُفصَّلًا.
وأما ما رواه أبو عبيد في "الطهور"(83) في قصة مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة وقال فيه: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل إلى قربة على شجب فيها ماء، فقلت: وما الشجبُ؟ - قال الشيباني: فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهَه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه مرة، ثم غسل قدميه. قال يزيد: حسبته قال: ثلاثًا.
رواه عن يزيد بن هارون، عن عباد بن منصور، عن عكرمة بن خالد المخزومي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
ورواه أبو داود (133) عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون به مُختصرًا. فإسناده ضعيف فإنَّ عباد بن منصور ضعيف جدًّا، كما هو مخالف لما رواه ابن عباس من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مرة بالتفصيل، وأخرى بالإجمال بأنه توضأ مرة مرة، ورواه البخاري في كتاب اللباس (5919) من غير طريق عباد بن منصور، عن سعيد بن جبير بدون التفصيل الذي ذكره أبو عبيد.
ورواه الدارمي (715) عن قبيصة، أنبأ سفيان به وزاد:"ونضح فرْجَه" وأخرجه البيهقي (1/ 162) من طريق العباس الدوري، ثنا قبيصة به وقال: "قوله: (ونضح) تفرد به قبيصة عن سفيان،
ورواه جماعة عن سفيان دون هذه الزيادة" والنضح: هو رشّ الماء على الفرج بعد الوضوء ليرفع بذلك وسوسة الشيطان.
والأحاديث الواردة في النضح، ليس منها شيء على شرطي، ولذا أعرضتُ عنها وإن كان بعض أهل العلم ذهبوا إلى استحبابه لكثرة شواهده منها: حديث سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، رواه أبو داود (166) وفيه اضطراب شديد، ومنها: حديث زيد بن حارثة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام أتاه في أول ما أوحي إليه، فعلّمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفةً من ماء، فنضح بها فرجه، رواه ابن ماجه (462) وأحمد (17480)، واللفظ له، وفي إسناده ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال:"هذا حديث كذب باطل" العلل (104)، ومنها: حديث أبي هريرة مرفوعا: إذا توضأتَ فانتضحْ، رواه ابن ماجه (463)، واللفظ له، والترمذي (50)، وفيه الحسن بن علي الهاشمي ضعيف جدًّا، ومنها: حديث جابر قال: توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فنضح فرْجَه. رواه ابن ماجه (464) من طريق قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. قال البوصيري: ضعيف لضعف قيس وشيخه، والخلاصة فيه: أنه لا يصح شيء في هذا الباب، وإنما الصحيح أن النضح لمن يخرج له المذي بعد الوضوء كما سيأتي في باب الوضوء من المذي، والنضح بعده.
• عن حُمْران مولي عثمان أنه أخبر أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مِرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مِرار إلى الكعبين. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضّأ نحو وُضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يحدّثُ فيهما نفسَه، غُفِر له ما تقدم من ذنبه".
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (159) واللفظ له، ومسلم في الطهارة (226) كلاهما من طريق الزهري، عن عطاء بن يزيد، أخبره أن حُمران مولى عثمان أخبره.
وفي مسلم، والبخاري أيضًا (164): "ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال
…
"، قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحدٌ للصلاة. وفي رواية عند مسلم قال: "ألا أُريكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وعنده رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم".
قال أبو داود: "أحاديث عثمان رضي الله عنه الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة؛ فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا وقالوا فيها: ومسح رأسه. ولم يذكروا في غيره".
قلت: ولكن ذكر يحيى بن آدم قال: حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن حمزة، عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. قال أبو داود: رواه وكيع، عن إسرائيل قال: توضأ ثلاثًا فقط. أي: لم يذكر المسح ثلاثًا.
• عن عبد خير قال: أتانا علي رضي الله عنه وقد صلَّى، فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلَّى؟ ما يريد إلَّا ليعلمنا، فأُتي بإناءٍ فيه ماءٌ وطستٍ، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده الشمال ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله الشمال ثلاثًا. ثم قال: من سرّه أن يعلم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو هذا.
حسن: رواه أبو داود (111) واللفظ له، والنسائي (92) كلاهما من حديث خالد بن علقمة، عن عبد خير.
ورواه الترمذي (49) من حديث أبي إسحاق، عن عبد خير، قال: مثل حديث أبي حية، إلَّا أن عبد خير قال: كان إذا فرغ من طهوره أخذ من فضل طهوره بكفه فشربه".
وقال: وقد رواه زائدة بن قدامة وغير واحد، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن عليٍّ، حديثَ الوضوء بطوله.
وقال: حسن صحيح. وروى شعبة هذا الحديث عن خالد بن علقمة فأخطأ في اسمه واسم أبيه فقال: (مالك بن عُرْفُطة)، عن عبد خير، عن علي. قال: وروي عن أبي عوانة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي. وروى عنه عن مالك بن عُرْفُطة مثل رواية شعبة، والصحيح: خالد بن علقمة. انتهى.
قلت: رواية شعبة هذه رواها النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن مالك بن عُرْفُطة. ومن حديث يزيد بن زريع، عن شعبة، عن مالك بن عُرْفُطَة. قال النسائي: هذا خطأ، والصواب: خالد بن علقمة ليس مالك بن عُرفُطة. انتهى
وكذلك رواه أيضًا أبو داود من حديث محمد بن جعفر، عن شعبة، قال: سمعت مالك بن عُرْفُطَة. فذكر الحديث.
والصواب أنه خالد بن علقمة، كما رواه أبو عوانة وزائدة كلاهما عن خالد بن علقمة عند أبي داود والنسائي.
وأما حديث أبي حية فرواه عنه أبو إسحاق، وعنه رواه أبو الأحوص، رواه أبو داود (116) من ثلاث طرق، والترمذي (48) من طريقين، والنسائي (96) وابن ماجه (456) من طريق واحدٍ كلهم عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق لفظ الترمذي والنسائي أشمل وفيه: توضأ فغسل كفيه حتَّى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح
برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طَهوره، فشرب وهو قائم، ثم قال: أحببتُ أن أريكم كيف طُهور النبي صلى الله عليه وسلم ثم رواه النسائي (136) من وجه آخر عن شعبة، عن أبي إسحاق به مُختصرًا، وأبو إسحاق مُدلِّس، ولكن شعبة كفانا تدليسه.
وأبو حية بن قيس قال فيه الذهبي في "الميزان": لا يعرف. وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول"، وهو كما قال فإنه قد توبع.
ولحديث عليّ طرقٌ أُخرى غير طريق عبد خيرٍ:
منها: زِرِّ بن حُبَيش أنه سمع عليًّا وسئل عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث.
ومنها: عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: رأيت عليًّا رضي الله عنه توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواهما أبو داود.
ومنها: الحسين بن علي قال: دعاني أبي عليٌّ بوضوء، فقربته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يُدخلهما في وضوئه، ثم مضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليُسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائمًا فقال: ناولني، فناولته الإناء الذي فيه فضلُ وَضوئه، فشرب من فضل وَضوئه قائمًا، فعجبتُ، فلما رآني قال: لا تعجب؛ فإني رأيت أباك النبي صلى الله عليه وسلم يصنع مثل ما رأيتَني صنعتُ؛ يقول لوُضوئه هذا: وشرب فضلَ وَضوئه قائمًا. رواه النسائي.
ومنها: عبد الله بن عباس قال: دخل عليَّ عليٌّ - يعني ابن أبي طالب - وقد أهراق الماء، فدعا بوَضوء، فأتيناه بِتَوْرٍ فيه ماء حتَّى وضعناه بين يديه فقال: يا ابن عباسٍ! ألا أُريك كيف كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، قال: فأصغى الإناء على يديه فغسلهما، ثم أدخل يديه اليمنى فأفرغ بها على الأُخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما حَفْنةً من ماء فضرب بها على وجهه، ثم ألْقَم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبَّها على ناصيته، فتركها تستنُّ على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا فأخذ حفْنة من ماء، فضرب بها على رجله، وفيها النعلُ ففتلَها بها، ثم الأُخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين. رواه أبو داود (117) من حديث محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن عبيد الله الخولاني، عن ابن عباس.
قال الحافظ: رواه أبو داود مُطوَّلًا، والبزار وقال: لا نعلم أحدًا روي هذا هكذا إلَّا من حديث عبيد الله الخولاني، ولا نعلم أحدًا روى عنه إلَّا محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، وقد صرّح ابن
إسحاق بالسماع فيه، وأخرجه ابن حبان من طريقه مُختصرًا، وضعَّفه البخاري فيما حكاه الترمذي. "التلخيص"(1/ 80).
وعبيد الله الخولاني هو: عبيد الله بن الأسود، ويقال ابن أسد الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ثقة.
والبخاري رحمه الله تعالى اطلع على عِلَّة خفيَّةٍ فضعّف هذا الحديث مع أن رجاله ثقات، فلعله لمخالفته للروايات الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، مثل روايات حُمْران بن أبان عن عثمان وغيرها.
قوله: "فأخذ بهما حَفْنةً من ماء فضرب على وجهه": هو صكّ الوجه بالماء للمتوضئ عند إرادته غسل وجهه.
وقوله: "ثم ألقم إبهاميه" أي: جعل الإبهامين في الأذنين كاللقمة.
وقوله: "فصبَّها على ناصيته" أي: أسال الماء على جبهته بعد غسل الوجه للتحقق من كمال غسل الوجه.
وقوله: "تستن" أي: تسيل وتنصب، يقال: سننت الماء إذا جعلته صبًّا سهلًا.
وقوله: "ففتلها به" - وفي رواية: "فغسلها بها" وهي تفسر معنى "فتلها" - أي: صَبَّها.
وقوله: "وفي النعلين" أي: أدخل الماء في النعلين ليغسلهما، وفيه رد على من قال بجواز المسح على الرجلين.
وقوله في أول الحديث: ثم جعل يده في الإناء فمسح رأسه" قال أبو عبيد: في "الطُّهور"
(ص 362): قد بيَّن في هذه الأحاديث أن الواجب في مسح الرأس تجديد الماء. وهذا الأمر الذي عليه الناس من أهل الحجاز والعراق، ومن يقول بالأثر وأصحاب الرأي كلهم به، لا يجزئ في المسح إلَّا ماءً جديدًا، ولا يكون ببلل اليد في الابتداء أبدًا".
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف الطُّهور؟ فدعا بماءٍ في إناءٍ، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه؛ فأدخل إصبَعَيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال:"هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم"، أو "ظلم وأساء".
حسن: رواه أبو داود (135) واللفظ له، والنسائي (140) وابن ماجه (422) كلاهما مُختصرًا بلفظ: فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال:"هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم".
كلهم من طريق موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب به.
وإسناده حسن؛ لأجل عمرو؛ فإنه صدوق.
قوله: "فمن زاد على هذا
…
" أي: العدد، كذا بوّب ابن خزيمة (174) قائلًا: باب التغليظ في غسل أعضاء الوضوء أكثر من ثلاث، والدليل على أن فاعله مسيء ظالم، أو متعدٍ ظالم. ثم ذكر الحديث.
وإلَّا فقد ثبت من حديث أبي هريرة الغسل إلى المنكبين والساقين في حديث الغر المحجلين.
وأما ما ورد في رواية أبي داود: (أو نقص) - وقد تفرد بهذه الزيادة - فهو منكر؛ لجواز الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين.
• عن الرُّبَيِّع بنت معوّذ بن عفراء قالت: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضّأ قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل وما أدبر، وصُدغيه، وأذنيه مرّة واحدة.
حسن: رواه أبو داود (129)، والترمذي (34) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا بكر - يعني ابن مضر -، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنّ ربيع بنت معوذ بن عفراء، أخبرته، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل ابن عجلان وشيخه فهما مختلف فيهما غير أنهما حسنا الحديث.
ورواه بشر بن المفضّل، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذِ بن عفراء، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا، فحدثتنا أنه قال:"اسكُبي لي وَضوءًا". فذكرتْ وُضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فيه: فغسل كفيه ثلاثًا، ووضّأ وجهه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة، ووضّأ يديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه مرتين؛ يبدأ بمُؤخَّر رأسه ثم بمُقدَّمه، وبأذنيه كلتيهما؛ ظهورهما وبطونهما، ووضّأ رجليه ثلاثًا ثلاثًا.
رواه أبو داود (126) واللفظ له، والترمذي (33) واختصره، مقتصرًا على ذكر المسح بالرأس مرتين: بدأ بمُؤخَّر رأسه، ثم بمُقدَّمه - ثم ذكر مثله.
وقال الترمذي: "حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادًا".
قلت: يقصد به حديث مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر. بدأ بمُقدَّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتَّى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
رواه في سننه (32) عن إسحاق بن موسى الأنصاري، حدَّثنا معن بن عيسى القزَّار، حدَّثنا مالك بن أنس فذكره. والحديث في الموطأ من رواية يحيى، سبق تخريجه في أول هذا الباب وفي هذا الحديث الإقبال ثم الإدبار مرة واحدة.
قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد (1/ 193): "وكان يمسح رأسه كلّه، وتارة يقبل بيديه ويدبر"، وعليه يحمل حديث من قال:"مسح برأسه مرتين" والصّحيح أنه لم يكرّر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء، أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحًا، ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم خلافه
البتة، بل ما عدا هذا إما صحيح غير صريح، كقول الصحابي:"توضأ ثلاثًا ثلاثًا"، وكقوله:"مسح برأسه مرتين، وإما صريح غير صحيح، كحديث ابن البيلماني عن أبيه عن عمر، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "من توضّأ فغسل كفيه ثلاثًا" ثم قال: "ومسح برأسه ثلاثًا" وهذا لا يحتجّ به، وابن البيلماني وأبوه مضعّفان، وإن كان الأب أحسن حالًا، وكحديث عثمان الذي رواه أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم: "مسح رأسه ثلاثًا" وقال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلّها تدل على أنّ مسح الرّأس مرّة".
قلت: وحديث أبي داود الذي أشار إليه ابن القيم هو ما رواه في سننه (110) عن هارون بن عبد الله، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن جمرة، عن شقيق بن سلمة، قال:"رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا".
قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: "توضأ ثلاثًا فقط".
فالظّاهر من قوله أنّ المسح لا يدخل في قوله: "ثلاثًا".
قال ابن عبد الهادي في "التنقيح"(1/ 201): "قلت: وقد رواه ابن مهدي، وعبد الرزاق، وأبو أحمد الزبيري وغيرهم عن إسرائيل، ولم يذكروا التّكرار في مسح الرّأس وهو الصّواب".
• عن عائشة، قالت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندها فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية المنصب الشَّعر، لا يحرك الشَّعر عن هيئته.
حسن: رواه أبو داود (128) عن قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الهمداني، قالا: حدَّثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عنها.
وإسناده حسن؛ فإنَّ محمد بن عجلان حسن الحديث، وكذا عبد الله بن محمد بن عقيل، والليث هو ابن سعد المصري.
وقولها: "فمسح الرّأس كلَّه" فيه دليل على تعميم مسح الرأس كلّه.
قال أبو عبيد في "الطهور"(ص 357)"وهو قول أهل الأثر والاتباع".
واختلف أهل الرأي فقال بعضُهم: يجزئه أن يمسح الربع منه فصاعدًا، وبعضهم يستحسن النصف. قال: إن الذي عندنا في ذلك الأخذ بالآثار التي روينا في صدر هذا الكتاب من مسح الرأس كله. يتوخى الرجل أن لا يبقى منه شيء كما يفعله في مسح الوجه للتيمم، لأنهما في التنزيل بلفظ واحد، ثم فسَّرته السنة بالأخبار التي ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأما توقيت النصف والربع فإنه لا يجوز لأحدٍ إلَّا أن يوجد علمه في كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ". انتهى.
• عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه من فضل ماء كان في يده.
حسن: رواه أبو داود (130) عن مسدد، ثنا عبد الله بن داود، عن سفيان بن سعيد، عن ابن عقيل، عنها. وإسناده حسن أيضًا.
ثم رواه أبو داود أيضًا (131) هو وابن ماجه (441) كلاهما عن وكيع، ثنا الحسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأدخل إصبَعَيه في حُجري أذنيه. وهو حسن أيضًا.
وأما ما رواه ابن ماجه (458) من طريق رَوح بن القاسم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عنها قالت: أتاني ابن عباس فسألني عن هذا الحديث - تعني حديثها الذي ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وغسل رجليه. فقال ابن عباس: إن الناس أبوا إلَّا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلَّا المسح.
قال البيهقي في "السنن"(1/ 72): فهذا إن صح، فيحتمل أن ابن عباس كان يرى القراءة بالخفض، وأنها تقتضي المسح، ثم لما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد على ترك غسلهما، أو ترك شيء منهما ذهب إلى وجوب غسلهما، وقرأها نصبًا. وقد روينا عنه أنه قرأها نصبًا. انتهى.
• عن المقدام بن مَعْد يكربَ الكِندي قال: أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوَضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثًا، وغسل وجهَه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما.
حسن: رواه أبو داود (121) عن الإمام أحمد بن حنبل، وهو في "المسند" (17188) قال: حدَّثنا أبو المغيرة، قال: حدَّثنا حَرِيز، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، قال: سمعتُ المقدام بن معديكرب فذكر الحديث. وزاد الإمام في "المسند""وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا"
قلت: رجاله ثقات غير عبد الرحمن بن ميسرة، فجعله الحافظ في التقريب "مقبولًا"، والحق أنه حسن الحديث، فقد نقل في تهذيبه عن أبي داود أنه قال: شيوخ حريز كلهم ثقات، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، انتهي.
وقال الذهبي في الكاشف: ثقة.
قلت: وذكره ابن حبان أيضًا في الثقات وحسَّنَ إسنادَه النووي في "المجموع"(1/ 411).
إلَّا أن النكارة في هذا الحديث أن المضمضة وقعت بعد غسل الذراعين، والمعروف في الأحاديث الصحيحة أنها بعد غسل الكفين.
وفي رواية: قال أبو داود (122): حدَّثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي - لفظه - قالا: حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن المقدام بن معديكرب قال:"رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما بلغ مسْحَ رأسه وضع كفيه على مُقدَّم رأسه، فأمرَّهما حتَّى بلغ القفا، ثم ردَّهما إلى المكان الذي منه بدأ".
والوليد بن مسلم مُدلِّس ولكنه صرَّح بالتحديث كما ذكره أبو داود قائلًا: قال محمود (قال: ): أخبرني حريز، أي قال الوليد بن مسلم: أخبرني حريز.
ثم قال أبو داود (123): حدَّثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد، المعنى، قالا: حدَّثنا الوليد بهذا الإسناد، قال: ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، زاد هشام: وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه. انتهى.
وتابعهما هشام بن عمار، قال: حدَّثنا الوليد، قال: حدَّثنا حريز بن عثمان عنه ولفظه: "توضأ فمسح برأسه وأذنيه، ظاهرهما وباطنهما".
رواه ابن ماجه (442) عن عشام بن عمار به.
وأخرجه الطحاوي (1/ 19) عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا حريز بن عثمان به، وقيد المسح بقوله: مرة واحدة. ورجال الإسناد كلهم بين ثقة وصدوق.
• عن أبي الأزهر المغيرة بن فروة ويزيد بن أبي مالك: أن معاوية توضأ للناس كما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، فلما بلغ رأسه غرَف غَرفةً من ماء فتلقاها بشماله حتَّى وضعها على وسط رأسه، حتَّى قطر الماءُ، أو كان يقطر، ثم مسح من مُقدَّمه إلى مُؤخَّره، ومن مُؤخَّره إلى مُقدَّمه.
حسن: رواه أبو داود (124) عن مُؤَمَّل بن الفضل الحرَّاني، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الله بن العلاء، ثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة ويزيد بن أبي مالك فذكره.
وإسناده حسن فإنَّ مؤمَّل بن الفضل الجزري أبو سعيد صدوق. والوليد بن مسلم وإن كان مُدلِّسًا، إلَّا أنه صرَّح بالتحديث، كما صرَّح شيخه بالتحديث عن شيخه فزالت تهمة التدليس. وأما أبو الأزهر المغيرة بن فروة الثقفي فهو مقبول، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان إلَّا أنه توبع كما ترى من يزيد بن أبي مالك وهو: يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك - نسب إلى جده - قال الدارقطني: من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات.
• عن أبي هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين.
حسن: رواه أبو داود (136) والترمذي (43)، كلاهما من حديث زيد بن حُباب، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال: حدثني عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز وهو الأعرج، عن أبي هريرة.
رجاله ثقات غير عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان؛ فقد ضعّفه النسائي. ووثقه أبو حاتم. وقال ابن معين: ليّن.
ولذا حكم عليه الترمذي بحكمين فقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسنادٌ حسن صحيح".
قلت: فحَكَم أوَّلًا بغرابة الإسناد؛ لتفرد ابن ثوبان، ثم حكم بصحته بأنه لو انفرد فهو صحيح الإسناد. والصواب: أنه حسن الإسناد؛ لأجل ابن ثوبان.
• عن البراء بن عازب، أنه قال لِبَنيه: اجتمعوا فَلِأُريكم كيف كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ وكيف كان يُصلّي؟ فاني لا أدري ما قَدْرُ صُحبتي إياكم. قال: فجمع بَنيه وأهلَه ودعا بوِضوءٍ فمضمض واستنثر، وغسل وجْهَه ثلاثًا، وغسل اليدَ اليُمنى ثلاثًا، وغسل يده هذه ثلاثًا - يعني اليسرى، ثم مسح رأسه وأُذنيه ظاهِرَهما وباطنَهما، وغسل هذه الرجلَ - يعني اليمني - ثلاثًا، وغسل هذه الرجلَ ثلاثًا - يعني اليسرى، قال: هكذا ما ألوتُ أن أريكم كيف كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، ثم دخل بيته، فصلى صلاةً لا ندري ما هي، ثم خرج، فأمر بالصلاة. فأقيمت، فصلَّي بنا الظهر، فأحسبُ أنِّي سمعتُ منه آيات من {يس} ثم صلَّى العصر، ثم صلَّى بنا المغرب، ثم صلَّى بنا العِشاءَ، وقال: ما ألوتُ أن أريكم كيف كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، وكيف كان يُصَلِّي.
حسن: أخرجه الإمام أحمد (18537) قال: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا سعيد الجُرَيري، عن أبي عائذ سيفٍ السعدي - وأثنى عليه خيرًا - عن يزيد بن البراء بن عازب - وكان أميرًا بعُمان، وكان كخير الأُمراء -، قال: قال أبي: فذكر الحديث.
رجاله ثقات غير سيف أبي عائذ السعدي - قال البخاري: سماه ابن علية بعوانة، مشهور بكنيته، روى عن يزيد بن البراء بن عازب، عن أبيه في الوضوء، وعنه سعيد الجُريري، وأثنى عليه خيرًا. وذكره ابن حبان في الثقات. كذا في "التعجيل"(244).
ويزيد بن البراء بن عازب وثَّقه العجلي، وأثنى عليه أبو عائذ قائلًا:"وكان كخير الأُمراء" وذكره ابن حبان في الثقات. وجعله الحافظ في درجة "صدوق، وهو من رجال أبي داود والنسائي.
وقال الهيثمي في المجمع (2684): "رواه أحمد، ورجاله ثقات".
• عن المغيرة بن شعبة أنه سُئِل: هل أَمَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أحدٌ من هذه الأمة غيرُ أبي بكر رضي الله عنه؟ فقال: نعم كنَّا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سَفَر، فلما كان من السَّحَر، ضَرَبَ عُنقَ راحلتي، فظننتُ أن له حاجة، فعَدَلتُ معه، فانطلقنا حتَّى بَرَزْنا عن الناس، فنزل عن راحلته، ثم انطَلقَ فتغيَّب عني حتَّى ما أراه، فمكثَ طويلًا، ثم جاء فقال:"حاجَتَكَ يا مُغِيرَة؟ " قلت: ما لي حاجة. فقال: "هَلْ مَعكَ ماءٌ" فقلت: نعم، فقمتُ إلى قِرْبَةٍ أو إلى سَطِيحَةٍ معلّقةٍ في آخِرَةِ الرَّحْل، فأتيتُه بماء، فصببتُ عليه، فغسلَ يَدَيْه، فأحسن غَسْلَهما - قال: وأشكُّ أقالَ: دَلكهما بتراب أم لا - ثم غسل وجهه، ثم ذهب يحْسُرُ عن يديه وعليه جُبّةٌ شاميّة ضيقةُ الكُمَّين، فضاقت، فأخرج يَدَيْه من تحتها إخراجًا، فغسل وجهه ويديه - قال فيجيء في الحديث غسل
الوجه مرتين؟ قال: لا أدري أهكذا كان أم لا - ثم مسحَ بناصيته، ومسح على العِمامة، ومسح على الخفين، وركبنا فأدركنا الناسَ وقد أُقيمتِ الصلاةُ، فتقدَّمهم عبد الرحمن بن عوف، وقد صلَّى بهم ركعةً، وهمَّ في الثانية، فذهبتُ أُوذِنُه، فنهاني، فصلَّينا الركعة التي أدركْنا، وقضينا الركعة التي سُبِقْنا.
صحيح: رواه الإمام أحمد (18134) قال: حدَّثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن محمد، عن عمرو بن وهب الثقفي قال: كنَّا مع المغيرة بن شعبة فسئل فذكر الحديث.
وإسناده صحيح. إسماعيل هو: ابن علية. وأيوب هو: السختياني (أيوب بن أبي تميمة). ومحمد هو: ابن سيرين.
ورواه الطبراني في الكبير (20 / برقم 1039) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن رجل يكنى أبا عبد الله، عن عمرو بن وهب الثقفي فذكر الحديث. فجعل بين محمد بن سيرين وبين عمرو بن وهب رجلًا. وقد أكَّد ذلك أيضًا ابن معين كما ذكره الحافظ في "التهذيب" في ترجمة ابن سيرين.
ولكن أثبت البخاري في "التاريخ الكبير"(6/ 377) سماعه منه.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (18164) من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين قال: دخلتُ مسجد الجامع، فإذا عمرو بن وهب الثقفي قد دخل من الناحية الأُخرى، فالتقينا قريبًا من وسط المسجد، فابتدأني بالحديث، وكان يُحبُّ ما ساق إليَّ من خير فذكر الحديث.
وأكَّد الدارقطني في علله (7/ 109) أن القول هو قول من لم يذكر الرجلَ المبهم كأيوب وقتادة ومن تابعهما.
فلعلّ محمد بن سيرين سمع من وجهين، سمع أوَّلًا من رجل، عن عمرو بن وهب، ثم لقيه وسمع منه، فصحَّ الحديث من وجهين. انظر باقي الحديث في المسح على الخفين.
وفي الحديث جواز المسح على العمامة. انظر التفصيل في باب ما جاء في المسح على الخفين والعمامة والناصية.
• عن أبي مالك الأشعري أنه جمع أصحابه فقال: هَلُمَّ أصَلِّي صلاة نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم - قال: وكان رجلًا من الأشعريين - قال: فدعا بجفْنةٍ من ماء، فغسل يديه ثلاثًا، ومضمضَ واستنشق، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسَل قدميه. قال: فصلَّى الظهر فقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وكبَّر ثنتين وعشرينِ تكبيرةً.
حسن: رواه الإمام أحمد (22893) والطبراني (3412، 3414) كلاهما من طريق قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك الأشعري فذكر الحديث.
وإسناده حسن للكلام في شهر بن حوشب إلَّا أنه حسن الحديث ما لم يخالف، وقتادة مُدلِّس وقد عنعن، ولكن رواه ابن ماجه (417) من طريق ليث بن أبي سُليم، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثلاثًا، ثلاثًا.
وليث بن أبي سُليم تكلم فيه مِن قِبَل حِفظه، لأنه اختلط أخيرًا وكان عابدًا صالحًا، وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق" وهذا الحديث مما لم يختلط فيه لمتابعة قتادة له، كما أن لحديثه شواهد من الصحابة الآخرين.
• عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح برأسه، ووضَّأَ قدَميه.
حسن: رواه الإمام أحمد (8577) والطبراني في الأوسط - "مجمع البحرين" كلاهما عن همام، عن عامر - يعني الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (1/ 230): رواه الطبراني في الأوسط بإسناد، رجاله رجال الصحيح.
قلت: وهو كما قال غير عامر وهو: ابن عبد الواحد الأحول البصري وهو وإن كان من رجال مسلم إلَّا أنه اختلف فيه فقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، وقال ابن عدي: لا أرى برواياته بأسًا، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الإمام أحمد: ليس حديثه بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوى. والخلاصة فيه كما قال الحافظ: "صدوق يخطئ".
فالظاهر فيه أنه لم يخطئ في رواية هذا الحديث لموافقة الثقات له ولتواتر الرواية بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا كما مضى، ورواه ابن ماجه (415) مجملًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا. رواه عن أبي كُريب، قال: حدَّثنا خالد بن حيَّان، عن سالم أبي المهاجر، عن ميمون بن مهران، عن عائشة وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا. ومن هذا الطريق رواه أيضًا أبو يعلى في مسنده (4676 تحقيق الأثرى).
ورجاله ثقات غير خالد بن حيَّان وهو: الرقي فوثَّقه ابن معين. وقال أحمد: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا. فهو لا ينزل عن مرتبة "صدوق" ولكن جعله الحافظ في مرتبة "صدوق يخطئ".
• عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا.
حسن: رواه ابن ماجه (415) مقرونًا بأبي هريرة كما سبق عن أبي كريب، قال: حدَّثنا خالد بن حيَّان، عن سالم أبي المهاجر، عن ميمون بن مهران، عن عائشة وأبي هريرة فذكر الحديث.
وسبق بيانه بأن رجاله ثقات غير خالد بن حيَّان وهو "صدوق" أيضًا. هكذا رواه ميمون بن مهران عن عائشة مجملًا. ورواه أبو عبد الله سالم سَبَلان مُفصَّلًا. رواه النسائي (100) عن الحسين بن حُرَيْث، قال: حدَّثنا الفضل بن موسى، عن جعيد بن عبد الرحمن، قال: أخبرني عبد الملك بن
مروان بن الحارث بن أبي ذُباب قال: أخبرني أبو عبد الله سالم سَبَلان قال: وكانت عائشة تستعجبُ بأمانته وتستأجره، فأرتني كيف كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، فمضمضتْ واستنثرتْ ثلاثًا، وغسلتْ وجْهَها ثلاثًا، ثم غسلَتْ يدها اليمنى ثلاثًا، واليُسرى ثلاثًا، ووضعتْ يدها في مقَّدمة رأسها ثم مسحتْ رأسها مسحةٌ واحدةٌ إلى مؤخره، ثم أمرّتْ يديها بأذُيَها ثم أمرَّت على الخدين.
قال سالم: كنت آتيها مكاتبًا ما تختفي منِّي، فتجلسُ بين يديَّ وتتحدثُ معي، حتَّى جئتُها ذات يوم فقلت: ادعي لي بالبركة يا أم المؤمنين. قالت: وما ذاك؟ قلت: أعتقني اللهُ. قالت: بارك الله لك، وأرختِ الحجابَ دوني فلم أرها بعد ذلك اليوم.
ورجاله ثقات غير عبد الملك بن مروان بن الحارث فهو "مقبول" لأنه لم يوثقه غير ابن حبان. فهذا التفصيل لعله يعود إلى الإجمال الذي ذكره ميمون بن مهران عن عائشة.
وقوله: "مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخّره" هذه لفظة مجملة تطلق على من مسح من المقدّم إلى المؤخّر، ومن المؤخّر إلى المقدّم، ويطلق عليها أيضًا مرة واحدة - كما في الأحاديث السابقة -.
وقوله: "كنتُ آتيها مكاتبًا" هذا مبني على أن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم، ولعل ذلك من مذهبها. والله أعلم.
• عن أبي جبير الكندي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَوضُوءٍ وقال: "توضأ يا أبا جبير! " فبدأ بفيه، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"لا تبدأ بفيك، فإنَّ الكافر يبدأ بفيه" ثم دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَوضوءٍ، فغسل يَديه حتَّى أنقاهُما، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجْهَه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم غسل يده اليُسرى إلى المرفق ثلاثًا، ثم مسح برأسه وغسل رجليه.
حسن: رواه ابن حبان (1089) قال: أخبرنا ابن قتيبة، قال: حدَّثنا حرملة بن يحيى، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن أبا جبير فذكر الحديث.
ورواه البيهقي (1/ 46) من طريق الليث بن سعد، عن معاوية به صالح به مثله.
وإسناده حسن لأجل معاوية بن صالح وهو: ابن حُدير - بالمهلمة، مصغرًا - الحضرمي من رجال مسلم. إلّا أنه تُكلِّم فيه من ناحية حفظه غير أنه حسن الحديث.
وأما مسح الرقبة والعنق فلم يثبت فيه شيء، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عنقه في الوضوء، بل ولا روي عنه ذلك في حديث صحيح، بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحب ذلك جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم، ومن استحبه فاعتمد
فيه على أثر يُروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أو حديث يضعف نقله: أنه مسح رأسه حتى بلغ القذال، ومثل ذلك لا يصلح عمدة، ولا يعارض ما دلت عليه الأحاديث، ومن ترك مسح العنق فوضوؤه صحيح باتفاق العلماء، والله أعلم" مجموع الفتاوى (21/ 127 - 128).
وحديث القذال هو ما رواه الإمام أحمد (15951) وأبو داود (132) والبيهقي (1/ 60) كلهم عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه مرة واحدة، حتى بلغ القذال، وهو أول القفا.
قال أبو داود: قال مسدد: مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره، حتى أخرج يديه من تحت أذنيه، هذا لفظ أبي داود.
ولفظ أحمد: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القذال، وما يليه من مقدم العنق يمرة، قال: القذال: السالفة العنق.
قال أبو داود: قال مسدد: فحدثت به يحيى فأنكره.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره، ويقول: إيش هذا؟ يعني: طلحة عن أبيه عن جده. انتهى.
وفيه ليث وهو ابن أبي سليم سيء الحفظ؛ لأنه اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه، فترك، ولذا ضعفه جمهور أهل العلم، فقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: لين الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث. وفيه مصرف أبو طلحة اليامي، لم يرو عنه إلا ابنه، ولم يوثقه أحد فهو "مجهول". وأما جد طلحة فاختلف في صحبته.
قال علي بن عبد الله المديني: قلت لسفيان: إن ليثًا روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه، عن جده، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ؛ فأنكر ذلك سفيان يعني ابن عيينة، وعجب أن يكون جد طلحة لقي النبي صلى الله عليه وسلم، قال علي: وسألت عبد الرحمن يعني ابن مهدي عن نسب جد طلحة فقال: عمرو بن كعب أو كعب بن عمرو وكانت له صحبة، وقال غيره: عمرو بن كعب لم يشك فيه.
عن عباس بن محمد الدوري قال: قلت ليحيى بن معين: طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، رأي جده النبي صلى الله عليه وسلم فقال يحيى: المحدثون يقولون: قد رآه وأهل بيت طلحة يقولون: ليست له صحبة.
ذكر هذا كله البيهقي في سننه (1/ 50) وذهب غيرهم إلى أن عمرو بن كعب أو كعب بن عمرو كانت له صحبة.
وبهذا يعرف أن هذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه النووي في المجموع (1/ 360) وكذلك الحافظ ابن حجر في التلخيص (1/ 433) وغيرهم.
وقال النووي أيضا: (1/ 464 - 465): "وأما الحديث المروي عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده،
…
فهو ضعيف بالاتفاق".