الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 - باب ما جاء في الأذان فوق المنار
• عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسَحَر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تَمطَّى، ثم قال: اللَّهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن قالت: والله! ما علمته كان تركها ليلة واحدة - تعني هذه الكلمات.
حسن: رواه أبو داود (519) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بني النجار فذكرت الحديث.
رجاله ثقات غير محمد بن إسحاق فإنه مدلي وقد عنعن، ولكنه صرَّح بالتحديث في "سيرة ابن هشام"(2/ 156) فزالت بذلك تهمةُ التدليس.
وأما ما رواه أبو الشيخ عن أبي برزة الأسلمي: "من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد" فهو ضعيف ومنكر، فقد رواه البيهقي (1/ 425) عن أبي بكر بن الحارث، عنه، عن ابن أبي حاتم، ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الطرابلسي، ثنا خالد بن عمرو، ثنا سفيان، عن الجُريرِي، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي برزة الأسلمي فذكر مثله.
قال البيهقي: هذا حديث منكر لم يروه غير خالد بن عمرو، وهو ضعيف منكر الحديث. انتهى.
قلت: وهو كما قال، فإن خالد بن عمرو بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاص الأموي، أبو سعيد الكوفي رماه ابن معين بالكذب، ونسبه صالح جزرة وغيره إلى الوضع.
وأورده الزيلعي في "نصب الراية"(1/ 293) عن أبي الشيخ عن سعيد الجُريري، ولم يشر إلى أن في إسناده خالد بن عمرو ضعيف.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (1/ 224) مرسلًا عن عبد الأعلى، عن الجُريري، عن عبد الله بن شقيق من قوله. ولم يذكر أبا برزة الأسلمي.
ومن أهل العلم من أعلُّوه بالجُريري بأنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، إلا أن سماع عبد الأعلى منه كان قبل الاختلاط، والخلاصة أنه إما ضعيف منكر، أو مرسل.
5 - باب ما جاء في الترجيع في الأذان
• عن أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّمه الأذان، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على
الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
وفي بعض الروايات: علَّمه الأذان تسعة عشر كلمة فذكرها.
وفي لفظ أبي داود: "قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله (مرتين مرتين) ثم قال: ثم ارجع فمُدَّ من صوتك: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (379) كما سبق عن أبي غسان، ثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة فذكر الحديث مختصرًا.
ورواه أبو داود (502) وابن ماجه (709) كلاهما من طريق همام بن يحيى، عن عامر الأحول، أن مكحولًا حدثه، أن عبد الله بن محيريز حدَّثه أن أبا محذورة حدثه قال: علَّمني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، فذكر الأذان مفسرًا بتربيع التكبير أوله، وفيه الترجيع، والإقامة مثله، أي مثل الأذان مثي، ونقصد منه كلمتين تختصان بالترجيع.
ورجاله ثقات وقد أخرجه الترمذي والنسائي مختصرًا ولم يذكرا فيه لفظ الأذان والإقامة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: وهذا معارض لما أخرجه مسلم كما سبق فإنه لم يذكر لفظ الإقامة فالذي في بعض الروايات: والإقامة مثل ذلك، قال البيهقي (1/ 417):"ليس المراد به عدد الكلمات، وإنما المراد به جنس الكلمات، وإن تفسيرها وقع من بعض الرواة، وقد روي هشام بن أبي عبد الله الدستوائي هذا الحديث عن عامر الأحول دون ذكر الإقامة فيه. وذلك المقدار أخرجه مسلم في الصحيح كما تقدم. ولعل ترك رواية همام بن يحيى الشك في سند الإقامة المذكور فيه". انتهى.
ويرى البيهقي: أن هذا الخبر عنده غير محفوظ من وجوه منها:
أحدها: أن مسلما لم يخرجه، ولو كان محفوظًا لما تركهـ مسلم.
والثاني: أن أبا محذورة قد روى عنه خلافه.
والثالث: أن هذا الخبر لم يدم عليه أبو محذورة، ولا أولاده، ولو كان هذا حكمًا ثابتًا لما فعلوا بخلافه، ذكره الزيلعي في نصب الراية (1/ 268)، ثم نقل الزيلعي كلام صاحب الإمام وخلاصته: ما ذكره البيهقي يكون من باب الترجيح، لا من باب التضعيف؛ لأن عمدة التصحيح عدالة الراوي.
قلت: ليس عمدة التصحيح عدالة الراوي وحده، وإنما عمدة التصحيح انتفاء جميع موانع التضعيف، وهنا لم ينتف جميع موانع التضعيف. والرواية الثانية في المتن أخرجها أبو داود (503) وابن ماجه (708) كلاهما من طريق ابن جريج، قال: أخبرني ابن عبد الملك بن أبي محذورة - يعني عبد العزيز، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة.
ورواه الترمذي (191) والنسائي (639) كلاهما عن بشر بن معاذ قال: حدثني إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: أخبرني أبي وجدي جميعًا عن أبي محذورة، إلا أن الترمذي لم يسق لفظ الأذان، وإنما قال: قال بشر بن معاذ البصري: فقلت له: (أي لإبراهيم)"أعد عَلَيَّ" فوصف الأذان بالترجيع، وقال: هو حديث صحيح، وعليه العمل بمكة وهو قول الشافعي.
قلت: روى الشافعي قصة أذان أبي محذورة مفصلة في الأم (1/ 84 ، 85).
كما رواه أيضًا ابن ماجه، كلاهما من طريق ابن جريج قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورةَ، عن عبد الله بن محيريز، وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة بن معير، حين جَهزه إلى الشام، فقلت لأبي محذورة: أي عم! إني خارج إلى الشام، وإني أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال: خرجت في نفر، فكنَّا بعض الطريق، فأذن مؤذن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكِّبون، فصرخنا نحكيه، نهزأ به، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلينا قومًا فأقعدونا بين يديه، فقال:"أيُّكُم الذي سمعتُ صوته قد ارتفع؟ " فأشار إليَّ القومُ كلهم، وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال لي:"قم فأذنَّ"، فقمت، ولا شيء أكرهُ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقي عليَّ رسول الله التأذين هو بنفسه، فقال:"قُل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله"، ثم قال لي "ارفع من صوتك: أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضَّة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمَرَّها على وجهه، ثم على ثديَيه، ثم على كبده، ثم بلغتْ يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُرّة أبي محذورة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بارك الله لك وبارك عليك" فقلت: يا رسول الله! أمرتني بالتأذين بمكة؟ قال: "نعم أمرتُك" فذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كلُّه محبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدمت على عتَّاب بن أسيد عامل رسول الله بمكة، فأذَّنتُ معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وأخبرني ذلك من أدرك أبا محذورة، على ما أخبرني عبد الله بن محيريز.
قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد رجاله ثقات".
قلت: ليس كما قال، بل فيه عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجُمحي لم يوثقة إلا ابن حبان؛ ولذا جعله الحافظ في درجة "مقبول" قلت: وهو كذلك، لأنه رواه ابن خزيمة في صحيحه (378)، والنسائي (629) كلاهما من طريق إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، عن أبيه، وعن جده عبد الملك جميعًا عن أبي محذورة فذكر الحديث مختصرًا كما سبق، ثم قال ابن خزيمة: عبد العزيز بن عبد الملك لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، وإنما رواه عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة فذكر الحديث مختصرًا.
قلت: فيه متابعة له من أبيه، ولا يمنع أن يكون أبوه وهو عبد الملك سمعه من أبيه وهو أبو محذورة، وهي متابعة تقوي عبد العزيز، ولذا قال ابن خزيمة: خبر ابن أبي محذورة ثابت صحيح من جهة النقل. انتهى.
ثم قال الشافعي رحمه الله تعالى في الأم: "الأذان والإقامة كما حكيت عن آل أبي محذورة فمن نقص منها شيئًا أو قدم مؤخرًا أعاد حتى يأتي بما نقص وكل شيء منه في موضعه، والمؤذن الأول والآخر سواء في الأذان، ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها، لأن أبا محذورة لم يحك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالتثويب، فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده".
هكذا يقول الشافعي عن الثويب، وهو قول المؤذِّن في صلاة الصبح:"الصلاة خير من النوم" مرتين وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة كما سيأتي في الباب الذي يليه.
وقال البيهقي في سننه (1/ 419): "وفي رواية الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، عن الشافعي في مسألة كيفية الأذان والإقامة قال الشافعي: الرواية فيه تكلف، الأذان خمس مرات في اليوم والليلة في المسجدين على رؤوس الأنصار والمهاجرين، ومؤذنو مكة آل أبي محذورة، وقد أذَّن أبو محذورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلّمه الأذان، ثم ولا بمكة، وأذَّن آل سعد القرظ منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وزمن أبي بكر كلهم يحكون الأذان والإقامة والتثويب وقت الفجر كما قلنا: فإن جاز أن يكون هذا غلطًا من جماعتهم، والناس بحضرتهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا جاز له أن يسأله عن عرفة وعن مني ثم يخالفنا، ولو خالفنا في المواقيت كان أجوز له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به" انتهى.
فأثبت التويب، ويظهر من كلام المزني من مختصره بأن هذا الذي كان في القديم.
قال السراج البلقيني: "وهذا الذي حكاه المزني عن القديم هو المعتمد في العمل والفتوى" كذا في حاشية الأم.
وأما ما جاء في الترجيع فقال الشيخ محمد أنور الكشميري الحنفي في "فيض الباري"(1/ 158) "ولا شك أن الأذان بمكة كان بالترجيع حتى تسلسل إلى زمان الشافعي رحمه الله تعالى، فاختاره لهذا، فلا يمكن إنكاره، ولا يستحسن تأويله، كيف وقد كان ينادي به على رؤوس المنائر