الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تحليل الاستدراك ودراسته:
ضعّفَ ابنُ عطية القراءة بتشديد الياء في (يطَّيَّقونه) من الناحية اللغوية.
وذكر السمين الإشكال الذي جعل ابنَ عطية وغيره يضعفون هذه القراءة ويردونها، فقال بأنهم استشكلوا مجيء الياء في هذه اللفظة، لأنها عندهم من ذوات الواو وهو الطوق
(1)
.
وهذا السبب صرّح به أبو بكر الأنباري
(2)
حيث قال: "لأن الفعل من الواو مأخوذ من الطوق، فلا معنى لقلب الواو ياء بغير علة ولا أصل". اهـ
(3)
وصرّح به أيضاً أبو جعفر النحّاس
(4)
حيث قال عن تشديد الياء في هذه القراءة: "لا يجوز لأن الواو لا تقلب ياء إلا لعلّة". اهـ
(5)
(1)
ينظر: المصدر السابق، الموضع نفسه.
(2)
محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباريّ، أبو بكر، الإِمَامُ، الحَافِظُ، المقرئ النحويّ، من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظاً للشعر والأخبار، قيل: كان يحفظ ثلثمائة ألف شاهد في القرآن، من مصنفاته:(الرد على مَن خَالف مُصْحَفَ عثمان)، (إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، توفي سنة 328 هـ. ينظر: تاريخ العلماء النحويين، للتنوخي (1: 178)، تاريخ بغداد، للبغدادي (4: 299)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (15: 274).
(3)
ذكره مكي بن أبي طالب في كتابه: الهداية إلى بلوغ النهاية (1: 596)، ولم أجده في كتب ابن الأنباري المطبوعة.
(4)
أحمد بن محمد بن إسماعيل النحّاس المصريّ، أبو جعفر، النحويّ، العَلاَّمَةُ، إِمَامُ العَرَبِيَّة، وله علم بالقرآن والفقه، من مصنفاته:(معاني القرآن) و (إعراب القرآن)، توفي سنة 338 هـ. ينظر: تاريخ بغداد (21: 48)، إنباه الرواة على أنباه النحاة، للقفطي (1: 136)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (15: 401)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، للفيروزأبادي (ص: 81).
(5)
إعراب القرآن (1: 95).
وقال السمين مبيناً سلامة القراءة لغوياً: "وهذه القراءةُ ليست باطلةً ولا ضعيفةً، ولها تخريجٌ حسنٌ: وهو أنَّ هذه القراءةَ ليست مِنْ تَفَعَّل حتى يلزمَ ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من تَفَيْعَل، والأصلُ: تَطَيْوَق من الطَّوْقِ، كتَدَيَّر وتَحَيَّر من الدَّوَران، والحَوْر، والأصلُ: تَدَيْوَر وتَحَيْوَرَ، فاجتمعت الياءُ والواوُ، وسبقت إحداهما بالسكونِ فقُلِبَت الواوُ ياءً، وأُدْغِمَت الياءُ في الياءِ، فكان الأصلُ: يَتَطَيْوَقُونه، ثم أُدْغِمَ بعد القلب"
(1)
.
ثم قال: "وتحتمل قراءةُ التشديد في الواوِ أو الياءِ أن تكونَ للتكلفِ، أي: يتكلَّفون إطاقَتَه، وذلك مجازٌ من الطَّوْقِ الذي هو القلادة، كأنه بمنزلةِ القلادةِ في أعناقهم". اهـ
(2)
ووافق السمين في هذا التوجيه عدد من العلماء، منهم: ابنُ جنِّيّ
(3)
(4)
، وابن سِيْدَه
(5)
(6)
، والزمخشريّ
(7)
، وأبو البقاء
(8)
، وأبو حيان
(9)
، والفيروزأبادي
(10)
(11)
.
(1)
الدر المصون (2: 273).
(2)
المصدر السابق، الموضع نفسه.
(3)
عثمان بن جِنِّي المَوْصِلِيّ، أَبُو الفتح، إمام العربية، النحوي اللغوي، من تصانيفه:"الخصائص"، "سر صناعة الإعراب" و "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات"، قيل عن ابن جني: هو أحسن من صنف في التصريف، توفي سنة 392 هـ. ينظر: تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (11: 310)، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، للأنباري (ص: 244)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (17: 17).
(4)
ينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (1: 118).
(5)
علي بن إسماعيل المُرسِيّ، أبو الحسن، المعروف بابن سِيْدَه، إمامُ اللُّغَةِ، صَاحِبُ كِتَابِ (المُحْكَم)، قال عنه الذهبي: أحد مَنْ يُضْرَبُ بذكائِه المَثَل" ا. هـ، كان ضريرًا، توفي سنة 458 هـ. ينظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة، للقفطي (2: 225)، وفيات الأعيان، لابن خلكان (3: 330)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (18: 144).
(6)
ينظر: المحكم والمحيط الأعظم (6: 533).
(7)
ينظر: الكشاف (1: 226).
(8)
ينظر: إعراب القراءات الشواذ (1: 232).
(9)
ينظر: تفسير أبي حيان (2: 188).
(10)
محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروزأبادي، أبو طاهر، مجد الدين، الشافعيّ، من أئمة اللغة والأدب، كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير، من أبرز كتبه:(القاموس المحيط) و (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز)، توفي سنة 817 هـ. ينظر: الضوء اللامع، للسخاوي (10: 79)، الأعلام، للزركلي (7: 146).
(11)
ينظر: القاموس المحيط، مادة: طوق (1: 906).
قال الزمخشري: "ويَطَّيَّقونه ويُطَّيَّقونه بمعنى يتطوَّقونه، وأصلهما: يطَّيْوَقونه ويتَطَيْوَقونه، على أنهما من فَيْعَل وتَفَيْعَل من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم: تَدَيَّر المكان وما بها ديار، وفيه وجهان: أحدهما نحو معنى يطيقونه. والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر، وهم الشيوخ والعجائز".
(1)
اهـ
فما قاله السمين هو الراجح في توجيه القراءة، وسبب ضعفها لغوياً قد زال بزوال الإشكال.
وهذه من طرق السمين في الدفاع عن القراءات الشاذة؛ حيث يثبت صحة القراءة لغوياً بإزالة الإشكال الذي ظهر لمن ضعّف القراءة أو ردها، ثم يخرّج القراءة تخريجاً لغوياً أو نحوياً صحيحاً.
* * *
(1)
الكشاف (1: 226).