الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[17]: قال ابنُ عطية في توجيهه للقراءة برفع النون
(1)
في (بَيْنُكم)
من قوله- تعالى-: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]: "أمّا الرفع فعلى وجوه، أَوْلاها: أنه الظرف، استعمل اسماً وأسند إليه الفعل كما قد استعملوه اسما في قوله - تعالى-:{وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصّلت: 5]، وكقولهم فيما حكى سيبويه: أحمرُ بَيْنِ العينين
(2)
، ورجح هذا القول أبو علي الفارسي
(3)
.
(1)
قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي وأبو جعفر وأبو موسى الأشعري ومجاهد وقتادة والحسن البصري ويعقوب وأبو رجاء العُطارِدي: (بينَكم) بفتح النون، على أنه ظرف، والفاعل مقدر، أي تقطع الاتصال بينكم، وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر:(بينُكم) بالرفع على أنه فاعل، وقرأ عبد الله بن مسعود والأعمش شاذاً:(تقطع ما بينَكم). ينظر: تفسير الطبري (11: 549)، السبعة في القراءات، لابن مجاهد (ص: 263)، الحجة للقراء السبعة، للفارسي (3: 357)، المبسوط في القراءات العشر، لأبي بكر الأصبهاني (ص: 199)، التذكرة في القراءات الثمان، لابن غلبون (1: 329)، تفسير الثعلبي (4: 171)، التيسير، للداني (ص: 105)، تفسير البغوي (2: 145)، تفسير القرطبي (7: 43)، تفسير أبي حيان (4: 588)، النشر في القراءات العشر، لابن الجزري (2: 260)، الإتحاف، للدمياطي (ص: 269)، فتح القدير، للشوكاني (2: 160).
(2)
ينظر: الكتاب (1: 195).
(3)
ينظر: الحجة للقراء السبعة (3: 359).
والوجه الآخر: أن بعض المفسرين منهم: الزهراوي
(1)
والمهدوي
(2)
وأبو الفتح
(3)
وسواهم حكوا أنَّ (البَيْن) في اللغة يقال على الافتراق وعلى الوصل، فكأنه قال: لقد تقطع وصلكم.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا عندي اعتراض؛ لأن ذلك لم يرو مسموعًا عن العرب، وإنما انتزع من الآية، والآية محتملة، قال الخليل
(4)
في (العين): "و (البَيْن) الوصل؛ لقوله عز وجل: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) " اهـ
(5)
، فعلّل سَوْق اللفظة بالآية، والآية مُعَرَّضَة لغير ذلك.
والوجه الثالث من وجوه الرفع: أن يكون (البَيْن) على أصله في الفرقة مِن بانَ يَبِين إذا بَعُدَ، ويكون في قوله:{تَقَطَّعَ} تَجوُّزٌ على نحو ما يقال في الأمر البعيد في المسافة: تقطعت الفِجَاج بين كذا وكذا: عبارة عن بُعْدِ ذلك، ويكون المقصد: لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها، فعبر عن ذلك بالبَيْن الذي هو الفُرقَة". اهـ
(6)
(1)
عمر بن عبيد الله بن يوسف الذُّهْلِيّ القُرْطُبِيّ، أبو حفص، المعروف بالزَّهْرَاوِيّ، الإمام، الحافظ، المجوّد، محدِّثُ الأندلس مع ابن عبد البَر، عُني برواية الحديث ونقله وجمعه، توفي سنة 454 هـ. ينظر: الصلة في تاريخ أئمة الأندلس، لابن بشكوال (ص: 379)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (18: 219)، طبقات الحفاظ، للسيوطي (ص: 431).
(2)
أحمد بن عمار بن أبي العباس المَهْدَويّ، أبو العباس، الإمام، المقرئ، كان مقدماً في القراءات والعربية، ألف كتباً مفيدة، أشهرها تفسيره المسمى:(التفصيل الجامع لعلوم التنزيل)، توفي نحو 430 هـ. ينظر: الصلة في تاريخ أئمة الأندلس، لابن بشكوال (ص: 87)، غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (1: 92)، طبقات المفسرين، للسيوطي (ص: 30).
(3)
ينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (2: 190).
(4)
الخليل بن أحمد الفَرَاهِيْدِيّ الأزْديّ البصريّ، أبو عبد الرحمن، الإمام، صاحب العربية، وواضع علم العَروض، أحد الأعلام، وهو أستاذ سيبويه في النحو، ومن تلاميذ أبي عمرو بن العلاء، من أشهر مصنفاته: كتاب (العين) الذي يعد من أقدم المعاجم اللغوية، توفي سنة 170 هـ. ينظر: تاريخ العلماء النحويين، للتنوخي (ص: 123)، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، للأنباري (ص: 45)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (7: 429).
(5)
العين، مادة: بين (8: 380).
(6)
المحرر الوجيز (2: 324).
وقال السمين الحلبي متحدثاً عن هذه القراءة: "وأما القراءة الثانية (بَيْنُكم) ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنه اتُّسع في هذا الظرفِ، فأُسند الفعل إليه فصار اسماً كسائر الأسماء المتصرف فيها".
(1)
وأطال السمين في حديثه عن هذا الوجه، ثم ذكر الوجه الثاني قائلاً: "الثاني: أن (بَيْن) اسمٌ غير ظرف، وإنما معناها الوصل أي: لقد تَقَطَّع وصلكم، ثم للناس بعد ذلك عبارتان تؤذن بأنَّ (بَيْن) مصدر بانَ يَبِينُ بَيْناً بمعنى بَعُد، فيكون من الأضداد أي إنه مشترك اشتراكاً لفظياً؛ يُستعمل للوصل والفراق، ويُعْزى هذا لأبي عمرو
(2)
وابن جني
(3)
والمهدوي
(4)
والزهراوي
(5)
، وقال أبو عبيد
(6)
: وكان أبو عمرو يقول: معنى تقطَّع بينكم: تقطَّع وصلكم، فصارت هنا اسماً من غير أن يكون معها (ما)
(7)
.
وقال الزجاج: "والرفع أجود، ومعناه: لقد تقطَّع وَصْلُكم" اهـ
(8)
، فقد أطلقوا هؤلاء أنَّ (بَيْن) بمعنى الوصل، والأصل في الإطلاق الحقيقة، إلا أنَّ ابن عطية طعن فيه، وزعم أنه لم يُسْمع من العرب (البَيْن) بمعنى الوصل، وإنما انتزع ذلك من هذه الآية، أو أنه
(1)
الدر المصون (5: 52).
(2)
ينظر: إعراب القرآن، للنحاس (2: 22)، معاني القراءات، للأزهري (1: 371)، إبراز المعاني من حرز الأماني، لأبي شامة (ص: 452).
(3)
ينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (2: 190).
(4)
ينظر: شرح الهداية في القراءات السبع (1: 284).
(5)
لم أجد ذلك في كتب الزهراوي المطبوعة.
(6)
القاسم بن سَلاَّم الهَرَوِيّ الأزْدِيّ الخُزاعِيّ مولاهم الخُراسانِي البغدادي، أبو عُبَيْد، الإمام، الحافظ، المجتهد، المقرئ، أخذ القراءة عرضًا وسماعًا عن علي الكسائي وشجاع بن أبي نصر وإسماعيل بن جعفر وغيرهم، وهو من كبار علماء الحديث والفقه والأدب، من مصنفاته:(فضائل القرآن) و (المقصور والممدود) و (غريب الحديث) و (الناسخ والمنسوخ)، توفي سنة 224 هـ. ينظر: تاريخ العلماء النحويين، للتنوخي (ص: 197)، تاريخ بغداد، للبغدادي (14: 392)، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، للأنباري (ص: 109)، غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (2: 18).
(7)
لم أجد ذلك في كتب أبي عبيد المطبوعة.
(8)
معاني القرآن وإعرابه (2: 273).
أُريد بالبَيْن الافتراقُ، وذلك مجازٌ عن الأمر البعيد، والمعنى: لقد تقطَّعت المسافة بينكم لطولها، فعبَّر عن ذلك بالبَيْن.
قلت: فظاهر كلام ابن عطية يؤذن بأنه فَهِمَ أنها بمعنى الوصل حقيقةً، ثم رَدَّه بكونِه لم يُسْمع من العرب، وهذا منه غير مرضٍ، لأنَّ أبا عمروٍ وأبا عبيد وابن جني والزهراوي والمهدوي والزجاج أئمة يُقبل قولُهم.
وقوله: "وإنما انتُزِع من الآية" ممنوعٌ، بل ذلك مفهوم من لغة العرب، ولو لم يكن ممن نقلها إلا أبو عمرو لكفى به.
وعبارته تؤذن بأنه مجاز، ووجه المجاز كما قاله الفارسي:"أنه لمَّا استعمل (بَيْن) مع الشيئين المتلابسين في نحو: بيني وبينك شركَةٌ، وبيني وبينك رحم وصداقة؛ صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمعنى الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، فلهذا جاء لقد تقطَّع وصلكم". اهـ
(1)
وإذا تقرَّر هذا فالقول بكونه مجازاً أولى من القول بكونه مشتركاً، لأنه متى تعارض الاشتراك والمجاز فالمجاز خير منه عند الجمهور".
ونقل السمين بعض ما قاله الفارسي في (الحجة) في توجيهه لهذا القراءة، ثم انتقل للوجه الثالث قائلاً:"الثالث: أنَّ هذا كلام محمول على معناه؛ إذ المعنى: لقد تفرق جمعكم وتشتَّت، وهذا لا يصلح أن يكون تفسير إعراب". اهـ
(2)
(1)
الحجة للقراء السبعة (3: 359).
(2)
الدر المصون (5: 55).