الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دراسة الاستدراك:
اتفق القراءُ على رفع قوله: {قِصَاصٌ} ، ولكن توجيه هذا الرفع يختلف باختلافهم في قراءة ما قبلها، وموضوع هذا الاستدراك هو توجيه قراءة نافع وحمزة وعاصم بنصب (الجروحَ) وما قبلها من المعطوفات، وإعراب {قِصَاصٌ} بناء على ذلك.
وقد قال ابن عطية بأنّ {قِصَاصٌ} في هذه القراءة خبر (أنّ)، أي أنه خبر عن جميع المنصوبات قبله
(1)
.
وممن قال بذلك أيضًا: مكّيّ بن أبي طالب في (الكشف)
(2)
، والفخر الرازي
(3)
.
قال الفخر الرازي: "وقرأ نافعٌ وعاصم وحمزة كلّها بالنصب عطفًا لبعض ذلك على بعض، وخبرُ الجميعِ: قصاص". اهـ
(4)
وقد علّق السمين على هذا القول بكلام وجيه فقال: "وهذا وإن كان يَصْدُقُ أنَّ أخْذَ النفسِ بالنفسِ والعينَ بالعينِ قصاص، إلا أنه صار هنا بقرينة المقابلة مختصًا بالجروح". اهـ
(5)
(1)
ينظر: المحرر الوجيز (2: 196).
(2)
ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها (1: 409).
(3)
مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ الحُسَيْنِ الرازيُّ القُرَشِيُّ، من ذرية أبي بكر الصديق، فخر الدين، أبو عبدالله، العلاّمة الكبير، ذو الفنون، الأصوليّ، المفسّر، الفقيه الشافعي، من تصانيفه: التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، و (المحصول) في أصول الفقه، توفي سنة 606 هـ. ينظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة (ص: 462)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (21: 500)، طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي (8: 81)، طبقات المفسرين، للسيوطي (ص: 115).
(4)
تفسير الفخر الرازي (12: 368).
(5)
الدر المصون (4: 278).
وذهب السمين الحلبي إلى أن {قِصَاصٌ} هنا خبر (الجروحَ)، أي: وأنّ الجروحَ قصاصٌ.
وممن قال بذلك: مكيّ بن أبي طالب في (المُشْكِل)
(1)
، وأبو حيان
(2)
، وغيرهما
(3)
.
قال مكي: "مَن نصب (الجُروحَ) عطفه على {النَّفْسَ}، و {قِصَاصٌ} خَبره". اهـ
(4)
وهذا التوجيه هو الأرجح، فالقول بأنّ {قِصَاصٌ} خبر عن جميع المنصوبات - وهو قول ابن عطية- يقتضي أن أخذ العين بالعين وكل ما ذُكر قصاص، وهذا وإنّ سُميَ قصاصًا فإن القصاص هنا صار بقرينة المقابلة مختصًا بالجروح، وعليه: فقوله: {قِصَاصٌ} خبر (الجُروحَ).
(5)
ويؤيد هذا التوجيه أيضاً قراءة أبيّ بن كعب: (وأنِ الجروحُ قصاصٌ)
(6)
، ويؤيده أيضًا قراءة مَن رفع (الجروح) استئنافًا ونصب ما قبل ذلك، فهم استأنفوا فقالوا:(والجروحُ قصاصٌ)؛ لأن خبر الجروح لم يشبه أخبار ما تقدمه، فعدل به إلى الاستئناف
(7)
.
(1)
ينظر: مشكل إعراب القرآن (1: 227).
(2)
ينظر: تفسير أبي حيان (4: 271).
(3)
ينظر: تفسير الثعلبي (4: 71)، البيان في إعراب غريب القرآن، للأنباري (1: 250)، التفسير المنير، للزحيلي (6: 203).
(4)
مشكل إعراب القرآن (1: 227).
(5)
ينظر: الدر المصون (4: 278).
(6)
بزيادة (أن) المخففة من الثقيلة. ينظر: تفسير أبي حيان (4: 272).
(7)
ينظر: حجة القراءات، لابن زنجلة (ص: 227)، الإتحاف، للدمياطي (ص: 253).
قال ابنُ خالويه: "ومما يدل على انقطاع ذلك من الأول أنه لم يقل فيه: والجروح بالجروح قصاص". اهـ
(1)
حتى إن بعض المفسرين والفقهاء ذكروا فائدة في قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} وهي أن ذلك يدل على القصاص فيما يمكن القصاص فيه من الجروح وتُعرف فيه المساواة، أماّ ما لا يمكن القصاص فيه فلا قصاص؛ لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته
(2)
.
وقد نصّوا أيضًا على أنّ قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} جملة مستقلة فيها تعميم بعد التخصيص
(3)
، فقوله:{قِصَاصٌ} خبر خاص بالجروح وليس خبرًا عن جميع المنصوبات قبله.
وعليه: فاستدراك السمين الحلبي وارد على ابن عطية.
* * *
(1)
الحجة في القراءات السبع (ص: 131).
(2)
ينظر: أحكام القرآن، للجصاص (4: 95)، تفسير البغوي (2: 56)، تفسير الزمخشري (1: 638).
(3)
ينظر: تفسير البغوي (2: 56)، تفسير الخازن (2: 49).