الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منطوق القرآن ومفهومه
المنطوق لغة: اسم مفعول من النطق، فهو كالملفوظ وزنا ومعنى، ففي «القاموس»:
النطق: التكلم بصوت مرتفع وحروف تعرف بها المعانى.
والمفهوم لغة: المعنى المستفاد من اللفظ المنطوق، فهو اسم مفعول من الفهم بمعنى العلم، فالمنطوق: اللفظ، والمفهوم: معناه.
ولأهل أصول الفقه اصطلاحان مشهوران فيهما:
أحدهما لابن الحاجب يخالف فيه الآمدى والجمهور، فيعرف المنطوق بأنه: دلالة اللفظ على معنى فى محل النطق بأن يكون ذلك المعنى حكما للمذكور. ويعرف المفهوم بأنه:
دلالته (أى اللفظ) على معنى لا محل النطق بأن يكون ذلك المعنى حكما لغير المذكور.
فالمنطوق والمفهوم عنده قسمان للدلالة اللفظية.
وثانيهما للآمدى والجمهور فيعرفون المنطوق بأنه: ما (أى معنى) دل عليه اللفظ فى محل النطق. والمفهوم بأنه: ما دل عليه اللفظ لا فى محل النطق.
وبهذا هم يجعلونهما من أقسام المدلول لا للدلالة. والفرق بين الدلالة والمدلول: أن الدلالة كون اللفظ. بحيث يفهم منه المعنى، أما المدلول فهو نفس معنى اللفظ. ولا شك أن الجمهور لا يقصر المنطوق على الحكم بل يعديه ليشمل الذوات. وكذلك يشمل عندهم:
(النص):
وهو ما لا يحتمل إلا وجها واحدا من التأويل.
و (الظاهر): ما يحتمل وجهين وأريد الراجح منهما لتبادره للفهم بنفسه.
و (المؤول): وهو ما احتمل وجهين وحمل على المرجوح منهما لدليل استوجب صرفه عن الراجح إليه. وبهذا يتضح أن المنطوق عندهم يكون حقيقة كما فى النص والظاهر يكون مجازا كما فى المؤول.
ولقد حرر هذه المسألة تحريرا بديعا العلامة الشربينى فى تقريره على «حاشية البنانى على شرح الجلال المحلى لجمع الجوامع» عند تعريف ابن السبكى للمنطوق بأنه ما دل عليه اللفظ فى محل النطق.
فقال: «اعلم أن ابن الحاجب جعل المنطوق والمفهوم أقساما للدلالة قال: المنطوق: دلالة اللفظ على معنى فى محل النطق، بأن يكون ذلك المعنى حكما للمذكور. والمفهوم: ودلالته على معنى لا فى محل النطق بأن يكون ذلك المعنى حكما لغير المذكور.
ثم قسم المنطوق- وهو تلك الدلالة- إلى صريح، وغير صريح، فالصريح: دلالة اللفظ بالمطابقة أو التضمن.
وغير الصريح دلالته على ما لم يوضع له بل يدل عليه بالالتزام وهو دلالة الاقتضاء والإيماء والإشارة. فدلالة فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ على تحريم التأفيف منطوق صريح، وعلى تحريم الضرب مفهوم ودلالة، «تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلى» . على أن أكثر الحيض وأقل الطهر خمسة عشر يوما منطوقا غير صريح، وعلى هذا فالمنطوق خاص بالحكم دون الذوات.
وقال الآمدى بعد ذكر الاقتضاء وغيره من هذه الأنواع التى جعلها ابن الحاجب أقساما لغير الصريح قبل ذكر المنطوق والمفهوم: أما المنطوق، فقد قال بعضهم: هو ما فهم من اللفظ فى محل النطق وليس بصحيح، فإن الأحكام المضمرة فى دلالة الاقتضاء- كما ذكرناه- مفهومه من اللفظ فى محل النطق، ولا يقال لشىء من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق: ما فهم من دلالة اللفظ نطقا فى محل النطق. انتهى.
قال العلامة التفتازانى: «جعل المنطوق والمفهوم من أقسام الدلالة يحوج إلى تكلف عظيم فى تصحيح عبارات القوم، لكونها صريحة فى كونها من أقسام المدلول- كما فى كلام الآمدى- فالمصنف- رحمه الله تابع القوم فى ذلك لعدم التكلف مع قصور عبارة ابن الحاجب عن تناول مدلول نحو: زيد، مما هو ذات لا حكم مع تصريح إمام الحرمين وغيره بأن النص والظاهر من أقسام المنطوق، ولا خفاء فى أن نحو: زيد والأسد، من جملة النص والظاهر (1)، إلا أنه أبدل ما فهم من اللفظ بما يدل عليه إشارة للرد على ابن الحاجب بأن المنطوق مدلول لا دلالة، وإشارة إلى اندفاع اعتراض الآمدى، فإن ما دل عليه اللفظ فى محل النطق معناه أن الدلالة على ذلك المدلول ثابتة فى اللفظ الذى هو محل النطق أى: المنطوق به، بمعنى أنها ناشئة من وضعه لا من خارج، بخلاف دلالة الاقتضاء والإشارة فإنها ليست ناشئة من وضع اللفظ بل من توقف صحة
المنطوق على المقتضى (2)، أو لزوم المعنى للمدلول (3).
وهذا المعنى لا يفيده قولهم: ما فهم من اللفظ فى محل النطق. فإن الفهم منه قد
(1)(زيد) نص لأنه علم شخص لا يحتمل غير مسماه، و (أسد)، ظاهر لأنه يحتمل وجهين: الحيوان المفترس المعروف، والرجل الشجاع، وأول الوجهين راجح يجب الحمل عليه عند التجرد من القرينة لتبادره بنفسه- وثانيهما مرجوح لا يصح الحمل عليه إلا عند القرينة الصارفة عن الراجح إلى المرجوح وبحيث يصير فيه لفظ الأسد مؤولا.
(2)
هذه هى دلالة الاقتضاء قال الجلال المحلى فى شرحها من «جمع الجوامع» (ثم المنطوق إن توقف الصدق فيه أو الصحة له عقلا أو شرعا على إضمار أى تقدير فيما دل عليه (فدلالة اقتضاء) أى: فدلالة اللفظ الدال على المنطوق على ذلك المضمر المقصود تسمى دلالة اقتضاء. والأول كما فى مسند أخى عاصم الآتى فى مبحث المجمل «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان» أى: المؤاخذة بهما لتوقف صدقه على ذلك لوقوعهما. والثانى كما فى قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ أى: أهلها، إذ القرية وهى الأبنية المجتمعة لا يصح سؤالها عقلا، والثالث كما فى قولك لمالك عبد: أعتق عبدك عنى. ففعل فإنه يصح عنك أى ملكه لى فأعتقه عنى لتوقف صحة العتق شرعا على المالك). أهـ. وقوله كما فى مسند أخى عاصم يريد به الحافظ أبا القاسم التميمى كما فى حاشية البنانى عليه. انظر ج 1 ص 239.
(3)
وهذه هى دلالة الإشارة قال المحلى فى شرحها (وإن لم يتوقف) أى الصدق فى المنطوق ولا الصحة على إضمار (ودل) اللفظ المفيد له (على ما لم يقصد) به (فدلالة إشارة) أى فدلالة اللفظ على ذلك المعنى الذى لم يقصد به تسمى دلالة إشارة كدلالة قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ على صحة صوم من أصبح جنبا للزومه للمقصود به من جواز جماعهن فى الليل الصادق بآخر جزء منه). أ، هـ. المصدر نفسه ص 239 فما بعدها من أعلى.
يكون بواسطة اللزوم العقلى أو الشرعى، ثم إن هذا المنطوق بالمعنى الذى أراده المصنف لا يكون إلا صريحا، وأما المدلول اقتضاء أو إشارة فليس من المنطوق عند أحد، أما ابن الحاجب فإن المنطوق عنده: الدلالة لا المدلول. وأما المصنف والقوم فليس من المنطوق عندهم. لأن الدلالة عليه ليست فى محل النطق، وإنما هو عند المصنف من توابع المنطوق، فالمدلولات عنده ثلاثة: منطوق، وتوابعه، ومفهوم. وقد صرح بتثليث الأقسام الآمدى وبعض شروح المنهاج، فإن قلت: ما الفرق بين المفهوم وتوابع المنطوق؟ قلت:
المفهوم يقصد التنبيه بالمنطوق عليه إما تنبيها بالأعلى على الأدنى وبالعكس، أو التنبيه بالشىء على ما يساويه، وكل ذلك للمناسبة بينهما، بخلاف توابع المنطوق كما يعرفه الذكى المحقق، ثم إن المصنف ترك من توابع المنطوق دلالة الإيماء، وسيأتى بيان وجهه إن شاء الله تعالى إلى المقصود منه» (4). أه.
ثم وفى هذا العلامة- رحمه الله بما وعد به من حديث دلالة الإيماء فقال: «واعلم أن المصنف- رحمه الله ترك دلالة الإيماء وهى: أن يقترن المنطوق بحكم أى وصف لو لم يكن ذلك الوصف لتعليل ذلك المنطوق لكان اقترانه به بعيدا؛ فيفهم منه التعليل ويدل عليه، وإن لم يصرح به، ويسمى تنبيها وإيماء مثل اقتران الأمر بالإعتاق وبالوقاع الذى لو لم يكن هو علة لوجوب الإعتاق لكان بعيدا.
لأن هذا إنما يفهم من سياق الكلام لا من اللفظ. وأيضا سيأتى مفصلا فى باب القياس (5)». أه.
ومن يطالع النص السابق وما قبله يظهر له أن المنطوق قد يكون فى المفردات كما فى النص والظاهر والمؤول أيضا، وكذلك يكون فى المركبات إذا كان المدلول حكما؛ لأن الحكم لا يتصور إلا فى المركبات.
وهناك تقسيم آخر ذكر للمنطوق وهو: أن اللفظ إما أن يدل على تمام المعنى الذى وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة مطابقة، وإما أن يدل على جزء معناه الذى وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة تضمن، وإما يدل على لازم معناه الذى وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة التزام.
أما المفهوم- كما سبق- له اصطلاحان:
فهو عند ابن الحاجب من قبيل الدلالة، وعند الجمهور من قبيل المدلول، ولكن هناك أمور مهمة ننبه عليها:
أولا: المفهوم يطلق على الحكم تارة، وعلى محل الحكم أخرى، وعلى الحكم ومحله معا ثالثة، مثل (تحريم الضرب)، فالتحريم الحكم، والضرب محله، والمفهوم جمع بينهما
(4) المصدر نفسه ص 237 بالهامش.
(5)
المصدر نفسه (ص 240).
فصار (تحريم الضرب)، ولكن المنطوق يطلق على الحكم أو محله فقط.
ثانيا: المفهوم ينقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. فالأول: ما وافق حكمه حكم المنطوق، والثانى: ما خالف حكمه حكم المنطوق. والحكم فى الموافقة قد يكون أولى من حكم المنطوق وهذا يسمى فحوى الخطاب؛ لأنه كالريح تجده بمجرد سماع الخطاب، وقد يكون مساويا لحكم المنطوق ويسمى لحن الخطاب، فتحريم ضرب الوالدين أولى من تحريم التأفيف لما يشتمل عليه من شدة الإيذاء، وحرق مال اليتيم مساو لأكل ماله؛ لأنهما يتساويان فى إضاعة ماله وإتلافه. وهناك من قسم المفهوم إلى ثلاثة أقسام: الموافقة وقصرها على الأولى، والمساوى، والمخالفة. ولكننا نرد هذا التقسيم لأمرين:
(أ) أنه سلب اسم الموافقة: عن المساوى، وهذا لا يصح؛ لأن المساوى موافق.
(ب) أن من أخرج المساوى من الموافقة احتج كما يحتج بالموافقة فلا معنى لإخراجه- ومن ثم فمفهوم الموافقة يشتمل على الأولى والمساوى- وليس فى هذا المفهوم الأدون.
والحكم الثابت بالمفهوم كالثابت بالمنطوق، فإذا كان حكم المنطوق قطعيا لاستناده لنظم اللغة فكذلك المفهوم، فالحكم الثابت بالمفهوم فوق الثابت بالقياس؛ لأن الثابت بالقياس يدرك بالرأى والاجتهاد، والمفهوم يدرك باللغة الموضوعة لإفادة المعنى. كذا فى «التوضيح والتلويح» . ومن ذهب إلى أن دلالة المنطوق قد تكون قطعية ودلالة المفهوم ظنية إنما أخطئوا فى ضرب الأمثلة؛ لأنها أمثلة كلها لأحكام تدرك بالقياس.
ثالثا: اتفق الكل على حجية مفهوم الموافقة، ولكنهم اختلفوا بعد ذلك فى مواطن منها: طريق الدلالة هل القياس الجلى أم الدلالة اللفظية؟، وإذا كانت الدلالة اللفظية فهل بالمنطوق والمفهوم فى الحقيقة أم بالمفهوم؟ وفى «تحرير الجلال المحلى» لتلك المواطن ينقل عن الشافعى وإمام الحرمين والرازى. إن دلالة الموافقة قياسية سواء كان الأولى أو المساوى الجلى، وتكون العلة فى تحريم الضرب الإيذاء، وفى حرق مال اليتيم الإتلاف، وإن كان الشافعى وإمام الحرمين لم يجعلا المساوى من الموافقة، والرازى لم يصرح، ويرى الغزالى والآمدى أنها دلالة لفظية تفهم بالسياق والقرائن لا مجرد اللفظ، ففي تحريم الضرب فهم تعظيمها واحترامها فحرم الضرب والتأفيف، وكذلك حرق مال اليتيم فالمراد حفظه؛ ولذا منع الحرق والأكل، وعليه تكون دلالة مجازية
لإطلاق الأخص على الأعم، كإطلاق منع التأفيف على منع الإيذاء، وقيل: بل نقل اللفظ لهما عرفا فصار حرق مال اليتيم عرفا يطلق على إضاعته، وعلى القولين هما من المنطوق. وكثير من العلماء- منهم الحنفية- على أن الموافقة مفهوم لا منطوق ولا قياسي، ومنهم من تردد فيجعله تارة مفهوما وأخرى قياسيا كالبيضاوى، ورأى الصفى الهندى عدم التناقض فكلاهما مسكوت عنه. ورأى ابن السبكى أنهما مختلفان فالمفهوم مدلول اللفظ، والمقيس غير مدلول له.
وبعد نقل تحرير الجلال المحلى أرى أن الصواب: أنها دلالة لفظية بطريق المفهوم؛ لأن من يقول: إنها دلالة قياسية يجعل هناك مفهوما أدون، وسبق ذكر منع ذلك، وكذلك لو كانت دلالة قياسية لمنعها من يمنع الاحتجاج بالقياس، ولكنهم احتجوا بها؛ ولأن من قال بأنها دلالة لفظية بطريق المنطوق فإن هذا يحوجه إلى ارتكاب المجاز أو النقل، والأصل عدمهما إلا بموجب ولا موجب لهما.
رابعا: شرط مفهوم المخالفة: شرط العمل بمفهوم المخالفة أن يكون القيد فى اللفظ متعينا للاحتراز عما يناقضه، أى: جاء لإخراج ما عداه، ولا تكون فائدة غير هذا، فلو كانت له فائدة غيره قدمناها؛ لأن هذه الفائدة ستكون ظاهرة ومفهوم المخالفة خفية.
فمن ذلك لو كان القيد لبيان الغالب كما فى قوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فقوله تعالى: فِي حُجُورِكُمْ لا يعنى أن الربيبة التى ليست فى الحجر جائز نكاحها، الغالب أن الربيبة تكون فى الحجر. وكذلك قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً فالبغاء حرام سواء مع الإكراه أو مع عدمه، وسواء مع إرادتهن أو مع عدمها، فإنما جاء قيد الإكراه ليصف الواقع الذى كانوا عليه فحسب، وهذا يعنى أن البغاء مع عدم الإكراه أيضا حرام؛ لأن القيد ليس للإخراج. وكذلك قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فقوله تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ليس معناه أن موالاة الكافرين مع المؤمنين جائزة، بل موالاة الكافرين على كل حال حرام.
فكل هذه القيود قصد بها فوائد أخرى غير إخراج ما سوى المنطوق؛ ولذا فهى لا مفهوم لها أى: ليست لها مفهوم مخالفة، لفقد شرط الاحتجاج به وهو تعين القيد فى إخراج سوى المنطوق، ومن ثم فالاسم المجرد من القيد والمسمى (اللقب) لا مفهوم له؛ لأنه لا قيد له، وهذا هو الصحيح عند العلماء.
خامسا: الصحيح أن طريق الدلالة فى
مفاهيم المخالفة هى اللغة، قال المحلى: (يقول كثير من أئمة اللغة بها منهم أبو عبيدة وعبيد تلميذه قالا فى حديث «الصحيحين» مثلا:
«مطل الغنى ظلم» أنه يدل على أن مطل غير الغنى ليس بظلم، وهم إنما يقولون فى مثل ذلك ما يعرفونه من لسان العرب) أهـ. وأنه لذلك حجة لدى الجمهور، وخالف فى ذلك الحنفية وهم محجوجون بما سبق من حتمية أن تكون للقيد فائدة.
وبعد- فقبل أن ننفض أيدينا من هذا البحث، نرى أن نطلع القارئ الكريم على ما كتبه فيه أهل علوم القرآن، مجتزئين فى ذلك بقول السيوطى، ففيه- فوق التلخيص لمعظم ما سبق مما نقلناه من كلام أهل الأصول- فوائد أخرى تضاف إليه، قال رحمه الله:
المنطوق: ما دل عليه اللفظ فى محل النطق، فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص، نحو:
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (6)، وقد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جدا فى الكتاب والسنة. وقد بالغ إمام الحرمين (7) وغيره فى الرد عليهم، قال: لأن الغرض من النص الاستقلال بإفادة المعنى على قطع، مع انحسام جهات التأويل والاحتمال؛ وهذا وإن عز حصوله بوضع الصيغ رد إلى اللغة، فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية؛ انتهى. أو مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا، فالظاهر نحو: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ (8)، فإن الباغى يطلق على الجاهل وعلى الظالم، وهو فيه أظهر وأغلب، ونحو: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (9)، فإنه يقال للانقطاع: طهر، وللوضوء والغسل، وهو فى الثانى أظهر، فإن حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولا، كقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ (10)؛ فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه عن ذلك وحمله على القدرة والعلم، أو على الحفظ والرعاية، وكقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (11) فإنه يستحيل حمله على الظاهر، لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة، فيحمل على الخضوع وحسن الخلق. وقد يكون مشتركا بين حقيقتين، أو حقيقة ومجاز، ويصلح حمله عليهما جميعا، سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ فى معنييه أو لا. ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين: مرة أريد هذا، ومرة أريد هذا. ومن أمثلته: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ (12)؛ فإنه يحتمل: لا يضار الكاتب والشهيد صاحب الحق بجور فى الكتابة والشهادة «ولا يضارّ» بالفتح، أى: لا يضرهما صاحب الحق بإلزامهما ما لا يلزمهما، وإجبارهما على الكتابة والشهادة.
(6) البقرة: 196.
(7)
هو أبو المعالى عبد الله بن أبى عبد الله بن يوسف الجوينى، شيخ الغزالى، وأعلم المتأخرين من أصحاب الشافعى. توفى سنة 478 هـ. ابن خلكان 1/ 287.
(8)
البقرة: 173.
(9)
البقرة: 222.
(10)
الحديد: 4.
(11)
الإسراء: 24.
(12)
البقرة: 282.
ثم إن توقفت صحة دلالة اللفظ على إضمار سميت دلالة اقتضاء، نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (13)، أى: أهلها، وإن لم تتوقف ودل اللفظ على ما لم يقصد به سميت دلالة إشارة كدلالة قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (14) على صحة صوم من أصبح جنبا، إذ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر تستلزم كونه جنبا فى جزء من النهار. وقد حكى هذا الاستنباط عن محمد ابن كعب القرظى.
والمفهوم: ما دل عليه اللفظ، لا فى محل النطق وهو قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة:
فالأول: ما يوافق حكمه المنطوق؛ فإن كان أولى سمى فحوى الخطاب كدلالة: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (15) على تحريم الضرب؛ لأنه أشد وإن كان مساويا سمى لحن الخطاب، أى معناه، كدلالة: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً (16) على تحريم الإحراق؛ لأنه مساو للأكل فى الإتلاف. واختلف: هل دلالة ذلك قياسية أو لفظية مجازية أو حقيقية؟
على أقوال بيناها فى كتبنا الأصولية.
والثانى: ما يخالف حكمه المنطوق، وهو أنواع: مفهوم صفة، نعتا كان أو حالا أو ظرفا أو عددا، نحو: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (17)، مفهومه أن غير الفاسق لا يجب التبين فى خبره؛ فيجب قبول خبر الواحد العدل. وحال نحو: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ (18)، الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (19) أى فلا يصح الإحرام به فى غيرها: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ (20) أى فالذكر عند غيره ليس محصلا للمطلوب، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (21) أى: لا أقل ولا أكثر. وشرط نحو:
وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ (22) أى فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن. وغاية نحو: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (23) أى: فإذا نكحته تحل للأول بشرطه. وحصر نحو: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ (24). إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ (25)؛ أى: فغيره ليس بإله، فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (26)، أى: فغيره ليس بولى، لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (27)، أى: لا إلى غيره، إِيَّاكَ نَعْبُدُ (28) أى: لا غيرك.
واختلف فى الاحتجاج بهذه المفاهيم على أقوال كثيرة، والأصح فى الجملة أنها كلها حجة بشروط:
منها: ألا يكون المذكور (خرج للغالب) ومن ثم لم يعتبر الأكثرون مفهوم قوله: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ (29)؛ فإن الغالب كون
(13) يوسف: 82.
(14)
البقرة: 187.
(15)
الإسراء: 23.
(16)
النساء: 10.
(17)
الحجرات: 6.
(18)
البقرة: 187.
(19)
البقرة: 198.
(20)
البقرة: 197.
(21)
النور: 4.
(22)
الطلاق: 6.
(23)
البقرة: 230.
(24)
الصافات: 35.
(25)
طه: 98.
(26)
الشورى: 9.
(27)
آل عمران: 158.
(28)
الفاتحة: 5.
(29)
النساء: 23.
الربائب فى حجور الأزواج فلا مفهوم له؛ لأنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره فى الذهن.
وألا يكون موافقا للواقع، ومن ثم لا مفهوم لقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ (30) وقوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (31) وقوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (32).
والاطلاع على ذلك من فوائد معرفة أسباب النزول.
(فائدة). قال بعضهم: الألفاظ إما أن تدل بمنطوقها أو بفحواها ومفهومها أو باقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها المستنبط منها. حكاه ابن الحصار، وقال: هذا الكلام حسن. قلت:
فالأول دلالة المنطوق، والثانى دلالة المفهوم، والثالث دلالة الاقتضاء، والرابع دلالة الإشارة. (33) أ. هـ. والله أعلم.
أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
(30) المؤمنون: 117.
(31)
آل عمران: 28.
(32)
النور: 23.
(33)
ج 3 من ص 104 إلى ص 108.