الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بتمام التوبة، وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد، وهو معذور فى كراهة الموت، ولا يدخل هذا تحت قوله صلى الله عليه وسلم:«من كره لقاء الله كره الله لقاءه» (24). فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله، وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره، وهو كالذى يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يعد كارها للقائه، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له، لا شغل له سواه وإلا التحق بالمنهمك فى الدنيا.
وأما العارف: فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد لقائه لحبيبه، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب، وهذا فى غالب الأمر يستبطئ مجىء الموت، ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين.
كما روى عن حذيفة: أنه لما حضرته الوفاة قال: حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم؛ اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلىّ من الغنى والسقم أحب إلىّ من الصحة، والموت أحب إلىّ من العيش فسهل علىّ الموت حتى ألقاك.
فإذن: التائب معذور فى كراهة الموت.
وهذا معذور فى حب الموت وتمنيه.
وأعلى منهما رتبة: من فوّض أمره إلى الله تعالى فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة، بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه، فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى مقام التسليم والرضا وهو الغاية والمنتهى (25).
*
حقيقة النهاية:
وقد ظن الملاحدة: أن الموت انتهاء مسار رحلة الإنسان، والخاتمة الأبدية له، حيث لا رحلة بعده، ولا حياة ولا بعثا ولا نشورا وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (الأنعام: 29).
وأما الحقيقة التى غابت عنهم وغابوا عنها، والتى عرفها المسلمون من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم لهذه النهاية:
أنها انتقال من عالم من عوالم الله- سبحانه وتعالى إلى عالم آخر من عوالمه- عز وجل.
انتقال من دار الدنيا إلى دار البرزخ، تمهيدا للوصول إلى الدار الآخرة.
انتقال من دار الزرع إلى دار الحصاد، من دار الفناء إلى دار البقاء.
انتقال من دار التكليف والعمل الدنيوى، إلى دار الثواب والعقاب الأخروى (26).
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة: 7، 8).
(24) أخرجه البخارى: كتاب الرقاق باب 41، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، والترمذى: كتاب الزهد باب 40 وابن ماجة: كتاب الزهد، باب ذكر الموت.
(25)
الإمام الغزالى: الموت وأحوال القيامة ص 22، 23 (تحقيق د. عبد الحى الفرماوى نشر: دار الاعتصام- القاهرة).
(26)
د. عبد الحى الفرماوى: زاد الدعاة 2/ 285.
يقول ابن القيم: جعل الله الدور ثلاثا: دار الدنيا، دار البرزخ، دار القرار. وجعل لكلّ أحكاما تختص بها (27).
ومن هنا: فنهاية الإنسان الحقيقية ليست العدم المحض، بل انتقال من دار الدنيا إلى دار البرزخ، كما أخبر الحق، فى قوله تعالى:
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (المؤمنون: 99 - 100).
يقول ابن جرير الطبرى: أى مهلة يمكثون بها، حتى ينتقلون إلى الدار الآخرة (28).
وهذه المهلة التى يمكث بها الإنسان- بعد نهاية رحلته فى الحياة الدنيا، حتى يوم البعث- هى الحياة البرزخية.
ومن بعدها: يكون البعث والانتقال إلى الحياة الأبدية.
والناس فيها: إما شقى، أو سعيد فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (هود 107، 108).
أ. د. عبد الحى الفرماوى
(27) ابن القيم: الروح ص 88.
(28)
محمد بن جرير الطبرى: جامع البيان عن تأويل آى القرآن (سورة المؤمنون، تفسير الآية 100).