الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طريق معرفة سبب النزول
معرفة سبب النزول من الأمور التى لا تقبل اجتهادا بحال من الأحوال، لأن ما ترتبط به هذه الأسباب من ملابسات ليس افتراضا عقليا يقوم على ضرب الأمثال، بل هى أحداث ووقائع حدثت بالفعل فى أوقات محدودة وفى ظروف معينة وملابسات معروفة، وفى مثل هذه الأحوال لا مجال للوقوف على معرفتها إلا بنقل واضح عمن عاصر هذه الأحداث، وشاهد تلك الملابسات.
ومن ثم فإن العلماء قد قرروا أن المرجع فى معرفة أسباب النزول يتحتم أن يكون عن طريق النقل الصحيح عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين عاصروا الوحى، وعايشوا التنزيل، ووقفوا على الأحداث والوقائع التى أحاطت بما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب، كما أنهم سمعوا من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه غيرهم.
من أجل ذلك تعين أن ينفرد هؤلاء بكونهم المرجع فى معرفة أسباب النزول، وعليه فإنه لا مجال لعمل العقل فى هذا الأمر، اللهم إلا أن يكون فى إطار ما ورد من أسباب النزول، ونقل عن الصحابة وتعدد فى الحادثة الواحدة، فإن عمل العقل عندئذ يتمثل فى محاولة الترجيح بين الروايات، أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها.
ولأن معرفة أسباب النزول يترتب عليها فى مجال التشريع أمور هامة تعميما، أو تخصيصا، أو إثباتا، أو نفيا، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد احتاطوا لهذا الأمر أشد الحيطة، فلم يقولوا فى شىء مما قالوه برأى أو اجتهاد، ولكنهم قرروا أسباب النزول وأخبروا بها، مستندين إلى قرائن تحتف بقضايا هذه الأسباب وأحداثها. ومع هذا فإنهم ضاعفوا هذه الحيطة عند ما حددوا الألفاظ التى عبروا بها عما أخبروا من أسباب النزول تحديدا واضحا، فإذا كان الصحابى لا يقطع- بناء على ملابسات وقرائن تعيّن ما يخبر به- بأن سبب آية ما هو هذا الحدث بعينه، فإن تعبيره عن سبب النزول يتضح فيه ذلك، فنراه لا يجزم بما قال، بل يقول: أحسب أن هذه الآية نزلت فى كذا، ونحو ذلك.
مثال ذلك: ما أورده العلماء فى سبب النزول
قول الله تبارك وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً النساء/ 65.
فقد ورد فى الحديث عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، أنه خاصم رجلا من الأنصار فى شراج الحرة (8) كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصارى: سرّح الماء يمر عليه، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (9):«اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» . فغضب الأنصارى وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك! فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» . فاستوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأى فيه سعة له وللأنصارى، فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصارىّ استوفى للزبير حقه فى صريح الحكم، قال الزبير: لا أحسب هذه الآية إلا أنزلت فى ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (10).
ولقد توارثت أجيال العلماء هذا الاهتمام بأسباب النزول، فإذا كان الصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- قد احتاطوا للإخبار به هذه الحيطة، فإن العلماء قد احتاطوا أيضا فى التنبيه على أن النقل الصحيح عن هؤلاء الصحابة الأبرار هو المرجع الوحيد فى معرفة أسباب النزول، وحذروا من سلوك غير هذا السبيل فى طلبها.
قال الواحدى رحمه الله تعالى: «ولا يحل القول فى أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدّوا فى الطّلاب- أى الطلب» ثم روى عن سعيد بن جبير رحمه الله عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الحديث إلا ما علمتم، فإن من كذب
علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار» (11) ثم قال:«والسلف الماضون كانوا من أبعد الغاية احترازا عن القول فى نزول الآية .. وذكر عن محمد بن سيرين قوله: «سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال: اتق الله وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن، وأما اليوم فكل أحد يخترع شيئا، ويخلق إفكا وكذبا، ملقيا زمامه إلى الجهالة، غير مفكر فى الوعيد للجاهل بسبب الآية» (12).
قال الشيخ مناع القطان رحمه الله تعالى بعد أن نقل قول الواحدى السابق معقبا:
«وإذا كان هذا قول ابن سيرين وهو من أعلام
(8) / 238) واللفظ هنا للنسائى.
(9)
أى: عند ما اختلف الزبير مع الأنصارى لهذا السبب، وذهبا إلى النبى صلى الله عليه وسلم يختصمان كما صرحت بعض الروايات فعند الترمذى: (فأبى عليه، فاختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للزبير: اسق يا زبير
…
).
(10)
الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: التفسير، ب: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ حديث/ 4585، ومسلم فى صحيحه: ك: الفضائل، ب: وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم حديث/ 2357 والترمذى فى سننه: ك الأحكام، ب: ما جاء فى الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر فى الماء، حديث/ 1363 والنسائى فى سننه: ك: آداب القضاة، ب: الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان:
(11)
هذا الحديث أخرجه الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ:(اتقوا الحديث عنى إلا ما علمتم، فمن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) سنن الترمذى: ك: تفسير القرآن، ب: ما جاء فى الذى يفسر القرآن برأيه، حديث/ 2951.
(12)
أسباب النزول: لأبى الحسن على بن أحمد الواحدى، طبع عالم الكتب بيروت: ص 3، 4.
علماء التابعين تحريا للرواية، ودقة فى الفصل، فإنه يدل على وجوب الوقوف عند أسباب النزول الصحيحة، ولهذا فإن المعتمد من ذلك فيما روى من أقوال الصحابة ما كانت صيغته جارية مجرى المسند، بحيث تكون هذه الصيغة جازمة بأنها سبب النزول» (13).
أما قول التابعى فإنه إذا كان صريحا فى سبب النزول، فقد قرر السيوطى رحمه الله تعالى أنه إذا صح سنده يقبل ويكون من قبيل المرفوع أيضا مثل قول الصحابى، لكنه مرسل، خاصة إذا كان القائل من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: كمجاهد بن جبر المفسر رحمه الله تعالى (ت 104 هـ)، وأبى عبد الله عكرمة المدنى مولى ابن عباس رضى الله عنهما وأحد أوعية العلم رحمه الله تعالى (ت 105 هـ)، وأبو عبد الله سعيد بن هشام الأسدي رحمه الله تعالى (ت 95 هـ)، أو اعتضد بمرسل آخر (14) إن لم يكن من هؤلاء الأئمة الأعلام.
(13) مباحث فى علوم القرآن: للشيخ مناع القطان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة 1396 هـ، ص: 76، 77.
(14)
راجع: الإتقان فى علوم القرآن: (1/ 101).