الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طبيعته ووظيفته، وللنهار طبيعته ووظيفته، وقد بينا ذلك تفصيلا فى تفسير آية تسخير الشمس والقمر، والله سبحانه هو الذى سخرهما لصالح الحياة على الأرض، فالشمس لها مدار لا تتجاوزه، والقمر له مدار ومنازل لا يحيد عنها ولا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يكون الجمع بينهما إلا يوم القيامة تبعا لقوله- عز وجل فى سورة القيامة:
فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لا وَزَرَ (11) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)(الآيات: 7 - 12).
اتساع الكون وزيادته بغير حدود
.
قبل أن ننهى الحديث عن الكون والسماوات وسنن الله فيهن، ننبه إلى ما يقوله علماء الفلك والباحثون فى شئون الكون المعاصرين وأحاديثهم عن المجرات التى لا يعرفون مداها، وأن كل مجرة من هذه المجرات الملايين لا يستطاع تحديد سعتها، حتى إنهم قالوا: إن المجرة التى توجد فيها شمسنا وما يسير فى مدارها من كواكب تضم ملايين الشموس التى تعد شمسنا وما يتبعها من كواكب هى أصغر الشموس حجما ومن أقلها شأنا، وأن هذا الكون الذى يضم ملايين المجرات دائم الاتساع بغير حدود، والجدير بالذكر أن هؤلاء العلماء ليسوا من المسلمين بل إن أكثرهم من الماديين، وما عرفوا أن القرآن الكريم قد سجل الله فيه ما توصلوا إليه بعد طول البحث
والتفانى فى بذل الجهد لمعرفة شىء يعلل ما قد توصلوا إليه من أن الكون يزيد اتساعا.
يقول الله- جل وعز- فى سورة الذاريات: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ وموضع الدهشة يكمن فى الآية الأولى، فقد فهمها المفسرون القدامى على النحو الذى توصل إليه دارسو الكون من العلماء المعاصرين، ولو أنهم أو بعضهم قرأ القرآن لسارع إلى الإيمان واعتناقه، مثلما فعل عدد غير قليل من غير المسلمين الذين قرءوا القرآن ووقعت أعينهم على الكثير من السنن الإلهية التى يحفل بها الكتاب العزيز، وقد عرفنا كثيرا من هؤلاء العلماء والمستنيرين الذين أسلموا طوعا واقتناعا بعد قراءتهم القرآن الكريم مترجما إلى لغاتهم.
يقول المفسرون فى قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ أى شيدنا السماء وأحكمنا خلقها بقوة وقدرة. وقال ابن عباس: بأيد:
يعنى بقوة. ويقولون فى وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أى لموسعون فى خلق الملائكة (18) وتلك
(18)،
تفسيرات غريبة «أغرب منها ما قاله قتادة من زيادة الخلق الملاحة فى العينين والحسن فى الأنف والحلاوة فى الفم (19).
ومن المحدثين من المفسرين تنبه الشهيد الأستاذ سيد قطب إلى أن الأيدى هى القوة، والقوة أوضح ما ينبئ عنها بناء السماء الهائل التناسق بأى مدلول من مدلولات كلمة السماء سواء أكانت تعنى مدارات النجوم والكواكب أم تعنى مجموعة من المجموعات النجمية التى يطلق عليها اسم المجرة، وتحوى مئات الملايين من النجوم (20).
ولو أن المرحوم سيد قطب نسئ له فى أجله الذى مضى على انقضائه نحو سبع وثلاثين سنة، واطلع على الاكتشافات العلمية الحديثة لأكمل الصورة كاملة لمداومة اتساع الكون بحول من الله خالقه سبحانه وتعالى.
وفى حقيقة اتساع الخلق والزيادة فيه، يستفتح المولى- سبحانه وتعالى سورة فاطر بقوله عز وجل: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
إن دليل الحسم على ما تعبر عنه الآية هنا هو ذلك الشطر من الآية بقوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ومعنى الخلق هنا هو عملية الخلق.
والأمر العجيب: إن عددا من المفسرين لم يوفق إلى مدلول الآية ومن ثم كان الخطأ الذى وقعوا فيه، فابن الجوزى على سبيل المثال يرى أن زيادة الخلق مقصود به الملائكة، والفهم نفسه يقول به القرطبى الذى يفسر يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ أى: يزيد فى خلق الملائكة كيف يشاء. وغير ذلك كثير من سوء الفهم الذى أدى إلى خطأ التفسير، وإن الذى يقرأ الآية بعمق وإمعان حتى من المحدثين- وإن كان بعض مشهورى المفسرين المحدثين وقعوا فى الخطأ نفسه- ينتهى إلى الفهم الذى هو أقرب إلى الصواب، ومرة أخرى نعرض لنص الآية وهى قوله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ فقصر المفسرون الزيادة فى الخلق على الملائكة دون السموات والأرض اللذين تتلاءم زيادة الخلق فيهما أكثر من ملاءمتها لزيادة الملائكة.
ومن ثم تكون جملة يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ الأقرب إلى الصواب الذى يعنى اتساع الكون منه إلى قصر زيادة الخلق على الملائكة، والسموات بالذات هى ما نراه أرجح قصدا لانسجامها مع بنية الآية، ولقول الله عز وجل فى سورة النازعات: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ
(19) آراء بعض المفسرين التى أوردها صاحب صفوة التفاسير المجلد الثانى صفحة 564، 566.
(20)
فى ظلال القرآن المجلد السادس صفحة 3385.
خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (27) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (30) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (21).
والحق أن الحديث عن السنن الإلهية فى خلق السموات حديث طويل يحوى من نعم الله- سبحانه- ما لا يتسع له المقام فى هذا البحث، الذى روعى فيه الإيجاز، لأسباب اقتضتها طبيعة الموضوع الكبير الذى يشكل بحثنا هذا جزءا منه.
أ. د. مصطفى الشكعة
(21) سورة النازعات الآيات 27 - 31.