الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستعارة المجرّدة
من معانى التجريد فى اللغة التعرية والتخلية، يقال جرّد فلان من ماله، أى أخذ منه، وخلت منه يده (1) والتجريد فى الاستعارة ضد الترشيح، وهو عند علماء البيان يدور معناه حول ذكر ما يلائم المشبه دون المشبه به.
فيرى الفخر الرازى أن الاستعارة تكون تجريدية إذا عقبت بصفات ملائمة للمستعار له- يعنى المشبه- أو تفريع كلام ملائم له (2).
أما بدر الدين ابن بن مالك فيقول:
«تجريد الاستعارة هو أن تقرن بما يلائم المستعار له» (3).
وكذلك قال الخطيب القزوينى (4).
أما العلوى فقد أطال فى تعريفها مع التمثيل لها فقال:
«فأما الاستعارة المجردة فإنما لقّبت بهذا اللقب لأنك إذا قلت:
رأيت أسدا يجندل الأبطال بنصله، ويشك الفرسان برمحه، فقد جردت قولك «أسدا» من لوازم الآساد وخصائها، إذ ليس من شأنها تجريد الأبطال، ولا شك الفرسان بالرماح والنصال (5) وإلى هذا ذهب السبكى (6)، والتفتازانى (7)، والزركشى (8)، والسيوطى (9).
وقد وردت الاستعارة المجردة فى كتاب الله العزيز فى عدة مواضع، منها قوله تعالى:
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (10).
استعيرت الإذاقة لشدة الإحساس بالآلام واستعير اللباس لما أحاط بهم من عقاب الله تعالى.
وقوله عز وجل:
«فأذاقها» تجريد، روعى فيه جانب المشبه، الذى هو «الإصابة» بآلام الجوع والخوف، والمشبه به فى الاستعارة الثانية (لباس) فكان يلائمه أن يقال: فألبسها ولكنه قال:
«فأذاقها» وهو لا يلائم «اللباس» وإنما يلائم «اللباس» أن يقال: فكساها الله لباس الجوع والخوف (11).
(1) اللسان، ترتيب القاموس، مادة: جرد.
(2)
نهاية الإيجاز فى دراية الإعجاز (92).
(3)
المصباح (66).
(4)
الإيضاح (5/ 141) وما بعدها.
(5)
الطراز (1/ 236).
(6)
عروس الأفراح ضمن شروح التلخيص (4/ 128).
(7)
الطول (377).
(8)
البرهان فى علوم القرآن (3/ 428).
(9)
معترك الأقران (1/ 281).
(10)
النحل (112).
(11)
حاشية الشهاب على البيضاوى (6/ 371).
وذكر ما يلائم المشبه- هنا- أبلغ من ذكر ما يلائم المشبه به؛ لأن المقام يقتضى التجريد دون الترشيح؛ لأن فى الإذاقة إشارة إلى شدة الإحساس بالألم لأنه شعور به من داخل الإنسان.
أما إحاطة اللباس فلا تعدو أن تكون مجرد إحساس من الخارج الملاصق لأجسامهم من خارجها. فالترشيح فى مقامه أبلغ من التجريد. والتجريد فى مقامه أبلغ من الترشيح فى البيان القرآنى المعجز ووجه أبلغية التجريد على الترشيح فى هذه الآية أن «لباس» أضيف إلى الْجُوعِ وَالْخَوْفِ- وهما آفتان تصيبان المبتلى بهما من الداخل.
فالإحساس بهما يشعر به المبتلى بهما من داخله لا من خارجه والإذاقة هى وسيلة القذف والازدراد إلى جوف الذائق.
فلا يفهم من قول البلاغيين «الترشيح أبلغ من التجريد» لما فيه من شدة تناسى التشبيه، أن فى القرآن تفاوتا بين أساليبه بحيث يكون بعضها أبلغ من بعض؛ لأن أساليب القرآن تأتى دائما وافية بما يقتضيه المقام فالقرآن كله على درجة واحدة من البلاغة والبيان.
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى