الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفى وجود المتشابه- كذلك- نوع ابتلاء من الله تعالى؛ ليعلم العبد من نفسه هل هو مؤمن بما أخبره الشارع به من الأمور الغيبية التى لا مجال للعقل فيها، أم هو لا يزال فى الطريق إلى هذا الإيمان السامى الذى جعله الله أول أوصاف المتقين فى سورة البقرة حيث قال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
وهذه الحكمة ظاهرة فى المتشابه الذى استأثر الله بعلمه وما ليس للعباد فيه علم كاف بوقته وقدره ونوعه وحقيقته (4).
(7)[المتشابه الذى استأثر الله بعلمه]
والمتشابه الذى استأثر الله بعلمه، كالحروف المقطعة فى فواتح بعض السور، وكآيات الصفات التى لا ينبغى حملها على ظواهرها- اختلف العلماء فى تأويلها على ثلاثة مذاهب.
الأول: مذهب السلف- رضوان الله عليهم- وهو أقومها طريقة، وأهداها سبيلا؛ فقد قرروا أن الإيمان بالمتشابهات، وتفويض أمر العلم بها إلى الله- تعالى- ورسوله واجب، مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد؛ لقيام الأدلة القطعية على خلافه.
فما دلت عليه النصوص الشرعية الصريحة عملوا به، وما تشابه عليهم وفهم المراد منه- وكان متعلقا بالعقيدة- آمنوا به وأجروه على ظاهره وفوّضوا علم كمّه وكيفه وحقيقته إلى الله- تعالى- وأثبتوا له- جل شأنه- ما أثبته لنفسه من غير خوض فى تفصيله؛ تأدبا مع خالقهم- جل وعلا- ووقاية لأنفسهم من وعيد من أفتى بغير علم، وتقوّل على الله ما لم يقله.
فالمتشابهات بوجه عام لا يتعين المراد منها على التحقيق إلا بنص صحيح من الشرع، وحيث لا يكون هناك نص صحيح صريح بقى المتشابه على حاله، فتكون دلالته على المراد ظنيّة، والأمور الاعتقادية لا يكفى فيها الظن، بل لا بد فيها من اليقين، ولا سبيل إلى معرفة اليقين فى معرفة المتشابه من الصفات، وهى من الأمور العقدية، فوجب التوقف فيها وعدم الخوض فى تأويلها وردها فى جملتها إلى المحكم الذى لا يحتمل إلا وجها واحدا.
وعماد المحكم فى باب الصفات قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
هذا هو خلاصة مذهب السلف الصالح من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان.
وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بنصوص من الكتاب والسنة وأقوال علمائهم الأعلام، ووجدوا فيها السلامة لدينهم والنجاة من عذاب ربهم.
(4) انظر دراسات فى علوم القرآن للدكتور/ محمد بكر إسماعيل ط دار المنار الطبعة الثانية 1419 هـ- 1999 م ص 190 وما بعدها.
أما الكتاب فقوله تعالى من سورة (آل عمران: 7) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. فقد أخبر الله- عز وجل أنه لا يتبع المتشابه، ولا يعمد إلى تأويله ابتغاء الفتنة إلا الذين فى قلوبهم زيغ، وأما الراسخون فى العلم فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا، ولا يخوضون فى تأويل ما لا علم لهم به على التعيين. ويقفون فى قراءة الآية على لفظ الجلالة، ويبتدئون بقوله:
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا.
وقد جاءت فى أفضلية الوقف على لفظ الجلالة فى الآية روايات عن القراء من الصحابة، ذكرها ابن جرير وابن كثير فى تفسيريهما.
وجوز بعض العلماء الوقف على وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بناء على أنهم يعلمون المتشابه.
ولكن هذا فيما لم يستأثر الله بعلمه، أما ما استأثر الله بعلمه فلا يعلمه أحد سواه.
الثانى: مذهب الخلف، ويسمى مذهب المؤوّلة- بتشديد الواو وكسرها- وهم فريقان:
فريق يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين، ثابتة له- تعالى- زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين.
وفريق يؤولها بمعان نعلمها على التعيين، وذلك بأن يحمل اللفظ الذى استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنى يسوغ لغة، ويليق بالله عقلا وشرعا.
فقد قالوا فى تأييد مذهبهم هذا: إن المطلوب شرعا هو صرف اللفظ عن مقام الإهمال؛ إذ لم يخاطب الله المكلفين بشيء لا يفهمون معناه، ولا يعقلون المراد منه على الجملة. وما دام فى الإمكان حمل كلام الشارع على معنى سليم؛ فالنظر قاض بوجوبه؛ انتفاعا بما ورد عن الحكيم العليم.
الثالث: مذهب المتوسطين بين السلف والخلف.
وهؤلاء يقولون: إن التأويل نوعان: تأويل قريب، وتأويل بعيد. فالقريب نقول به، والبعيد نتوقف عنه.
وقد نسب السيوطى فى «الإتقان» (5) هذا المذهب إلى ابن دقيق العيد، ونقل عنه قوله:
إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم
(5) الإتقان فى علوم القرآن، للحافظ جلال الدين السيوطى تحقيق/ محمد أبو الفضل إبراهيم ط الهيئة المصرية العامة للكتاب. (1395 هـ/ 1975 م) ج 3 ص 16.