الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(2) مفهوم السنن الإلهية لغة ومصطلحا
إن مادة «سنن» وردت فى القواميس والمعاجم متعددة المعانى وافرة المدلولات، متقاربة حينا ومتباعدة أحيانا أخرى كثيرة، وإن استعراضها على النحو المفصل الذى ورد فى المعاجم ليس من الفائدة فى شىء فى هذا المقام، أو بالأحرى فى هذه الدراسة التى ينحصر البحث فيها فى السنن الإلهية.
يقول الفيروزآبادى: السنة- بضم السين- السيرة والطبيعة، ومن الله حكمه وأمره ونهيه، ويجيء صاحب المعجم بشاهد من الآية 55 من سورة الكهف فى قوله تعالى:
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ الكهف: 55 أى معاينة العذاب. وسنن الطريق- مثلثة وبضمتين- نهجه ووجهته (1).
ويقول الراغب الأصفهانى: السنن جمع سنة، وسنة الوجه طريقته، وسنة الله تعالى قد تقال لطريق حكمته نحو: اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (الآية 43 من سورة فاطر) وهو تنبيه أن فروع الشرائع وإن اختلفت صورها، فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل- وهو تطهير النفس وترشيحها للوصول إلى ثواب الله تعالى وجواره. (2)
ويعرض معجم ألفاظ القرآن الكريم المادة على النحو الآتى:
سنة الأولين: طريقهم وسيرتهم ويردف قوله بالشاهد من القرآن الكريم فى قوله تعالى فى الآية 38 من سورة الأنفال: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ.
وسنة الله نظامه يجريه فى خلقه كما يريد:
ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (3)(الأحزاب: 38).
وسنة من قد أرسلنا: طريق الله فيمن أرسلهم سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا. (4)
(1) القاموس المحيط مادة سنن الجزء الثالث طبعة مصطفى البابى الحلبى.
(2)
المفردات فى غريب القرآن من مادة السين مع النون طبعة الأنجلو المصرية.
(3)
سورة الأحزاب الآية 38.
(4)
سورة الإسراء الآية 77.
سنن: جمع سنة: سير وطرق: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (آل عمران:
137) (5)(6)
هذا عرض موجز لمعنى السنن الإلهية طبقا لما أوردته أهم المعاجم التى عنيت بالمصطلحات القرآنية ومن بينها بطبيعة الحال السنن الإلهية.
وبرغم وصفنا لما عرضناه- مستمدا من المعاجم بإيجاز- فإن ما أوردته المعاجم نفسها فى هذه القضية كان بدوره شديد الإيجاز، وقد كان من المأمول أن يكون تناول المعاجم لمثل هذه المصطلحات القرآنية الهامة أكثر تفصيلا وأوفر تمثيلا، ذلك أن بعض المعاجم بل أكثرها كان يكتفى بذكر جزء مقتطع من الآية القرآنية الخاص بالمصطلح.
من ذلك على سبيل المثال: ما أورده معجم ألفاظ القرآن حين تمثل بالآية رقم 137 من سورة آل عمران، ظنا من مؤلفيه أن مجرد ذكر الآية كافيا للوفاء ببيان المصطلح، مع أن التناول الذى يفى بالغرض هو التمثيل بالآية وما تلاها من آيات أخر، وذلك فى قول الله جل ثناؤه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ثم يكمل: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. (7)
إن الآيات الأربع تشمل عدة سنن إلهية وليس سنة واحدة، ومثلما أن الآيات اللاحقة تحقق استكمالا لنوعية السنن الإلهية وأغراضها فكذلك الحال- لمن يريد استيفاء هدفه فى هذا الشأن- أن يهتم بالآيات السابقة على آية «السنة» فى مثل قوله تعالى:
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) فالآية مسبوقة بآيات ثلاث طوال فى النكاح ومواطن تحريمه وهى الآيات رقم 23 - 25 وفيها يقول المولى سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ
(5) سورة آل عمران آية 137.
(6)
معجم ألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية ط، مادة س ن ن صفحة 601.
(7)
آل عمران الآيات 37 - 40.
(8)
النساء الآية 26.
النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
بهذا المنهج يتحقق بيان السنة أو السنن التى ذكرت فى الآية 26 السالف ذكرها.
وفى مجال دراسة لبعض السنن وإيضاح بعض ما يثار حولها من حوار أو نقاش (9) فقد حسمها المرحوم سيد قطب بقوله: «قد تأخذنا فى بعض الأحيان مظاهر خادعة لافتراق السنن الإلهية حتى نرى أن اتّباع القوانين الطبيعية يؤدى إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية، هذا الافتراق قد لا تظهر نتائجه فى أول الطريق، ولكنها تظهر حتما فى نهايته؛ وهذا ما وقع للمجتمع الإسلامى نفسه، لقد بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية فى حياته مع القيم الإيمانية، وبدأ خط هبوطه من نقطة افتراقها، وظل يهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق حتى وصل إلى الحضيض عند ما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعا» . (10) ويضيف المصنف قائلا: «إن الوجود ليس موجودا لقوانين إلهية صماء عمياء فهناك دائما- وراء السنن- الإرادة المدبرة والمشيئة المطلقة» .
ومجمل القول عندنا: أن السنن الإلهية إجبارية تجرى على المخلوقات جميعا من أفراد وكائنات، وأن منهجنا فى هذا البحث محدد بمفهوم «السنن الإلهية» طبقا لتعريفها الذى أوردناه فيما سلف من سطور.
أ. د/ مصطفى الشكعة
(9) يراجع فصل هل للتاريخ البشرى سنن فى مفهوم القرآن فى كتاب «المدرسة القرآنية» للسيد محمد باقر الصدر صفحة 43 وما بعدها طبعة بيروت سنة 1400 هـ.
(10)
فى ظلال القرآن الكريم 1/ 17.