الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجاز العقلى
المجاز فى اللغة مأخوذ من جاز المكان يجوزه، إذا انتقل من مكان إلى مكان، ويقال جاز الطريق يعنى سار فيه (1). وتعريفه فى اصطلاح البلاغيين امتداد لمعناه اللغوى إلا إنه أخص، لأن المعنى اللغوى يشمل كل انتقال، على أن الأصل فى اللغة يدور حول انتقال الأجسام، أما فى البلاغة فهو مقصور على نقل الألفاظ من معنى إلى معنى آخر.
وفى هذا المعنى يقول الإمام عبد القاهر الجرجانى «المجاز مفعل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وضعا على أنه مجاز، على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلى أو جاز هو مكانه الذى وضع فيه أولا» (2).
وقد تطور هذا التعريف بعد الإمام عبد القاهر فى مباحث الحقيقة والمجاز فى البحث البلاغى، وقد قسموا المجاز قسمين:
* المجاز اللغوى وعرفوه بأنه: استعمال اللفظ فى غير ما وضع له لعلاقة بين المعنى الوضعى للفظ، والمعنى المجازى.
* المجاز العقلى، وفرقوا بين المجاز اللغوى والمجاز العقلى بأنه فى المجاز اللغوى يتم التصرف فى معانى اللغة كما فى مبحث الاستعارة فاستعارة كلمة أسد للرجل المقدام تم التصرف بإحلال معنى الأسد بالرجل الشجاع، أما المجاز العقلى فتكون معانى الألفاظ فيه مرادا منها المعانى الوضعية دون إدخال أى تغيير عليها، أما تسميته مجازا فله اعتبار آخر، هذا الاعتبار يظهر من تعريف المجاز العقلى كما ذكره الخطيب وتابعه عليه جمهور البلاغيين، وهو:«إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول» (3) ويسمى المجاز الحكمى أو المجاز الإسنادى، لأنه مجاز مركب لا يقع إلا فى الجمل.
يعنى أن المجاز العقلى يكون بإسناد الفعل، أو ما فيه معنى الفعل كاسمى الفاعل والمفعول إلى غير فاعله فى حكم العقل والواقع.
والفاعل المجازى في المجاز العقلى يشترط فى صحة إسناد الفعل أو ما فى معنى الفعل، إليه أن تكون له صلة بالفعل، فإن لم تكن له بالفعل صلة فلا يجوز إسناد الفعل إليه، ولا إسناد ما فيه معنى الفعل. وهذه الصلة هى التى أشار إليها الإمام الزمخشرى بالملابسة وأخذها عنه الخطيب، وجميع البلاغيين من بعده (4) والذى يلابس الفاعل ويكون له بالفعل علاقة هو الآتى، مع التمثيل له من القرآن الكريم.
(1) اللسان والمعاجم اللغوية، مادة: جوز.
(2)
أسرار البلاغة (342) دار المعرفة- بيروت- لبنان 1398 هو 1978 م/ ت: محمد رشيد رضا.
(3)
الإيضاح. ضمن شروح التلخيص (1/ 223).
(4)
شروح التلخيص (1/ 225) وما بعدها.
* المكانية من صور المجاز العقلى إسناد الفعل أو ما فى معناه إلى المكان الذى حدث فيه الفعل، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها
…
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (5)
هذان مجازان عقليان أحدهما فى إسناد الإخراج إلى الأرض، والفاعل الحقيقى هو الله. أما الأرض فهى مكان الفعل وليست فاعله، والذى سوّغ أن تكون الأرض فاعلا للإخراج أنها مكان الفعل. فالملابسة والعلاقة هى المكانية.
وكذلك إسناد التحديث إلى ضمير الأرض، مجاز عقلى علاقته المكانية، أما الفاعل الحقيقى فهو الله عز وجل ومثلهما قوله تعالى:
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً
…
(6) فقد أوقع اسم الفاعل آمِناً وهو في قوة معنى الفعل، على ضمير بَلَداً على سبيل المجاز العقلى والبلد مكان.
فالملابسة أو العلاقة فيه هى المكانية وفاعل الأمن الحقيقى هم أهل البلد «مكة» لا البلد.
* الزمانية: لكل فعل زمان يقع فيه، لذلك صح أن يسند الفعل إلى زمانه على سبيل المجاز العقلى، ومن أمثلته فى القرآن الكريم:
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (7) فقد أسند فيه الفعل يَجْعَلُ لضمير يَوْماً على أنه فاعل الشيب فى الْوِلْدانَ أى الأطفال صغار السن، واليوم هو زمان التشييب لا فاعله، لأن الفاعل الحقيقى هو الله عز وجل، واليوم ظرف للتشييب.
* السببية، وقد يكون المجاز العقلى حاصلا بإسناد الفعل إلى سببه، وهو كثير فى القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى فى شأن آدم وحواء فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ (8) فقد أسند الإخراج إلى ضمير الشَّيْطانُ وهو سبب الإخراج وليس فاعله. والعلاقة فيه هى السببية، والتقدير؛ فأخرجهما الله بسبب وسوسة الشيطان لهما، وإغرائه إياهما على الأكل من الشجرة المحرمة عليهما.
ومثله قوله تعالى:
…
وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً .. (9) والمجاز العقلى- عموما- يفيد المبالغة فى تصوير أثر الفاعل المجازى الذي أسند إليه الفعل في صدور الأثر المراد، بتحويله من كونه مكانا للفعل أو زمانا أو سببا إلى كونه فاعلا للفعل.
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
(5) الزلزلة (402).
(6)
البقرة (126).
(7)
المزمل (17).
(8)
البقرة (236).
(9)
الأنفال (2).