الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القرآن والسنة، تبين من ذلك كله أن القيام بهذه الأبحاث من أهم فروض الكفايات، خاصة أن أهل عصرنا ممن يريدون الحق من سائر الأجناس لا يذعنون بشيء مثل إذعانهم للعلم ومنهجه وبيناته ودلائله.
*
من أوجه الإعجاز العلمى للقرآن الكريم:
1 - فى آيات السماء:
يقول الله تعالى فى كتابه الكريم: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (17).
تشير هذه الآية القرآنية الكريمة إلى بعض الظواهر الكونية التى أخبر بها الله- سبحانه وتعالى لتدل على كمال قدرته وبالغ حكمته، ومنها أنه خلق السموات مرتفعات بغير عمد، أى دعائم، يمكن رؤيتها بالبصر، وقد جاء فى تفسير ذلك عن ابن عباس ومجاهد والحسن أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا ترى. ولو قيل (بغير عمد) فحسب لكان ذلك نفيا مطلقا للعمد، مرئية وغير مرئية. والنفى المطلق يخالف الواقع الذى أودع الله تعالى فيه سننه ونواميسه وآياته التى وعد- سبحانه- بإظهارها مستقبلا على أيدى من يشاء من عباده، وبهذا يكون المعنى العام أن الله- سبحانه وتعالى خلق السموات ورفعها وربط بين أجزائها وحفظ اتزانها فى مواقعها التى قدّرها لها من غير دعائم مرئية، لأن هذه الدعائم من شأنها وطبيعتها التى أوجدها الله عليها أنها لا ترى أصلا.
ويمكن تصور هذه الدعائم غير المرئية- من منظور العلم الحديث- بأنها من نوع القوى المجالية التى تعمل وفق قانون محدد من أجل حفظ الاتزان الكونى والإمساك بالأجرام السماوية فى أفلاكها ومنعها من الانفراط فى الفضاء أو الوقوع على بعضها البعض. ذلك أن الأجرام السماوية تتحرك تحت تأثير قوى جاذبة للربط بينها، وقوى رافعة لحفظها من السقوط.
وحيث إن قوى التجاذب الرابطة من شأنها أن تقرب وتجمع بين الأجرام، فى حين تعمل طاقة حركتها (المكتسبة من القوى الرافعة) على انطلاقها بعيدا عن أعماق الفضاء طبقا لخصائص تأثير القوى فى الأجسام، فإن تقرير حفظ هذه الأجرام من السقوط على بعضها البعض واستمرار دورانها فى أفلاك ثابتة يستلزم بالضرورة العقلية أن يكون تأثير قوى التجاذب مساويا ومضادا (أى معادلا) لتأثير طاقة الحركة، وتصير الأجرام بذلك
(17) سورة الرعد: 2.
على أبعاد ثابتة فى مجموعاتها التى تنتمى إليها، أى أن الله- سبحانه وتعالى قد عادل وساوى بين تأثير قوى التجاذب الرابطة للأجرام السماوية وتأثير حركاتها المكتسبة من قوى الخلق والرفع، فحفظها ذلك من السقوط بتأثير القوى الرافعة، كما حفظها من التفرق بتأثير القوى الرابطة، وهكذا انتظمت مكونات الكون الهائل فى نظام بديع يحكم حركتها، ويمنع تصادمها رغم كثرتها، ويحفظ اتزانها واستقرارها فى أفلاكها إلى ما شاء الله. قال تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (18).
ويؤكد القرآن الكريم فى آيات أخرى هذه الحقيقة الكونية وارتباط الاتزان الكونى بإرادته ومشيئته المطلقة، فيقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (19) ويقول جل وعلا:
وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (20).
ولم يتوصل العلم إلى إظهار هذه الحقيقة الكونية عن اتزان الأجرام السماوية إلا بعد نزول القرآن الكريم بأكثر من ألف عام، وذلك عند ما اكتشف العالم الإنجليزى «إسحاق نيوتن» فى عام 1667 م قانون الجذب الكونى بين جميع الكتل المادية لتفسير حركة الكواكب حول الشمس، وحركة الأقمار حول الكواكب، ثم أثبتت التجارب العملية صحة هذا القانون فى عالم القياسات العادية. وقام على أساسه الكثير من الكشوف والاختراعات التى أفادت منها البشرية فى مختلف المجالات، وخاصة فى مجال تطوير أبحاث الفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية التى تدور حول الأرض فى مدارات مختلفة بحسب الأغراض التى صنعت من أجلها.
ويخبرنا الحق- عز وجل بأن نهاية العالم عند ما تحين الساعة ستكون بإيقاف هذه السنن والنواميس والقوانين التى اهتدى الإنسان إلى معرفة بعضها. من ذلك مثلا: أن تعطيل قوانين الحركة والجاذبية بأمر من الله من شأنه أن يحدث انشقاقا واختلالا فى توازن النظام الكونى يتبعه اضطراب فى حركة الأجرام السماوية بعد انقطاع خيط الجاذبية الكونية الذى كان يربط بينها.
ولا يمكن للعلم البشرى أن يحيط بحقائق هذا اليوم العصيب، ولا يملك أن يزيد شيئا إلا من خلال ما توحى به النصوص القرآنية فى ضوء ما يتوصل إليه العلماء من حقائق.
علمية، فمن المقبول عقلا أن يؤدى انفراط عقد الأجرام السماوية إلى تناثرها وتصادمها
(18) سورة يس: 40.
(19)
سورة فاطر: 41.
(20)
سورة الحج: 65.