الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مبهمات القرآن
(1)[ما هو المبهم]
المبهم- كما فى «المعجم الوسيط» : هو ما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوسا، وعلى الفهم إن كان معقولا. والمبهم من الأشياء: الخالص الذى لا شية فيه تميزه. والمبهم من الأجسام: المصمت، ومن الكلام: الغامض لا يتحدد المقصود منه.
والمبهم من الظروف: ما ليس له حدود تحصره، مثل: فوق، وتحت، وأمام، وخلف.
(2)[المبهم فى كتاب الله]
والمبهم فى كتاب الله- تعالى-: هو ما خفى اسمه أو رسمه أو وصفه أو زمانه أو مكانه ونحو ذلك مما خفيت آثاره، أو جهلت أحواله لسبب من الأسباب الجلية أو الخفية، سواء احتاج المكلفون إلى معرفته بالبحث عن الوسائل التى تزيل خفاءه، وتدفع إشكاله، أم لم يحتاجوا إلى ذلك.
فالمبهمات فى القرآن- على الجملة- نوعان:
1 -
نوع ضرب الله عن ذكره صفحا لعدم تعلق التكليف به؛ لخلوه من الفائدة، كمعرفة بقرة بنى إسرائيل التى أمروا بذبحها، فلا ينبغى أن نسأل عن حجمها ولونها، وهل هى عاملة أم غير عاملة؛ فالبحث عن ذلك تكلف لا طائل تحته، بل هو تنطع يدل على فساد العقل والطبع، وسوء الأدب مع الله- عز وجل ومع كلامه المنزل.
وهذا ما فعله بنو إسرائيل مع نبيهم موسى- عليه السلام فقد أمرهم الله على لسان نبيه أن يذبحوا بقرة- أىّ بقرة- ليضربوا بها القتيل ليعلموا من قتله، ولو ذبحوا أى بقرة لتحقق المطلوب ولكنهم سألوه عن سنّها ولونها وعملها، فشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم؛ فكلفوا شراء بقرة بملء جلدها ذهبا كما جاء فى الأثر، فذبحوها وما كادوا يفعلون.
وسنطالع فى هذا الباب أمثلة كثيرة من الأشياء التى أبهمت فى هذا القرآن العظيم لعدم جدوى الإفصاح عنها.
2 -
ونوع أبهمه الله لأسباب كثيرة إليك أهمها:
(3)
(أ) أن يكون المبهم فى موضع استغنى ببيانه فى موضع آخر، كما فى قوله تعالى:
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ الفاتحة: (4). فإنه مبهم على الجملة، بينه الله بشيء من التفصيل فى قوله- جل وعلا- فى سورة الانفطار (17 - 19):
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19).
وقوله: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بينه الله بقوله فى سورة النساء: 69: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ.
(ب) أن يكون المبهم معينا باشتهاره عند المخاطبين بأى طريقة من طرق الاشتهار.
فقد أخفى اسم حواء فى القرآن لاشتهاره بين الناس قديما وحديثا، فوصفت بوصف يحدد صلتها بآدم- عليه السلام ومصيرها معه فقال- جل وعلا- فى سورة البقرة: 35:
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ.
(ج) قد يبهم الاسم بقصد الستر عليه؛ ليكون أبلغ فى استعطافه وإظهار منّة الله عليه، وهذا غالب ما جاء فى القرآن.
(د) وقد يكون إبهامه لهوانه على الله وعلى الناس.
(هـ) وقد يكون إبهامه لأن أمثاله فى الناس كثير، فيكون إبهامه مجرد مثل يذكر فيكشف عن طبع أو وضع معين يعرف بالقرائن الظاهرة فيحاكيه الناس فيه إن كان محمودا، ويتقونه إن كان مذموما.
وقد ضرب الزركشى فى «البرهان» أمثلة كثيرة لهذا النوع؛ معتمدا فى ذلك على أسباب النزول.
كقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ البقرة (100) قيل: هو مالك بن الصّيف.
يروى ابن هشام فى السيرة عن ابن إسحاق، والقرطبىّ فى تفسيره: أن مالك بن الصيف حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر لهم ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه قال: والله ما عهد إلينا فى محمد عهد، وما أخذ له علينا من ميثاق؛ فأنزل الله فيه:
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً.
(و) أن يكون المبهم سهلا فى إدراكه لا يحتاج إلى إعمال فكر وإنعام نظر، فيكون ذكره- حينئذ- عبئا على الأسلوب من جهة وعدم ثقة فى مدارك العقول من جهة أخرى.
والقرآن من شأنه أن يخاطب العقول الواعية، ويدربها على التأمل والنظر وإدراك الحقائق بالقرائن المتاحة؛ كالنظر فى القرآن
نفسه وفى السنة النبوية، وفى التاريخ القديم، وفى عادات الناس وأحوالهم. وغير ذلك مما يحمل المعانى على محمل يزيل خفاءها ويضعها فى مواضعها.
(ز) ولا يخفى أن وجود المبهم فى القرآن الكريم يدرب الذهن على كشف خفائه وإزالة إشكاله، ومعرفة أسراره القريبة والبعيدة بقدر الطاقة البشرية.
(ح) وهناك سبب وجيه لا ينبغى أن يفوتنى ذكره وهو رعاية التناسب بين ما يذكر هنا وهناك.
ومن أمثلة ذلك: ما جاء فى قصة شعيب- عليه السلام فإنه حين أخبر عن مدين ذكر أن شعيبا أخوهم فقال: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، وحين أخبر عن أصحاب الأيكة وهم أهل مدين لم يقل: أخاهم! والحكمة فيه:
أنه لما عرّفهم بالنسب، وهو أخوهم فى ذلك النسب، ذكره، ولما عرّفهم بالأيكة التى أصابهم فيها العذاب لم يقل: أخاهم؛ حيث أخرجه عنهم، (1)
(4)
وقد تتبع الإمام السيوطى هذه المبهمات فى القرآن الكريم فصنفها إلى مبهمات فى أفراد الإنسان والملائكة والجان والأقوام والقبائل والحيوان والأمكنة والأزمنة، وما إلى ذلك.
وقد رتبة على ترتيب آى القرآن فى فصل سماه «ذكر آيات المبهمات» تحت النوع السبعون من كتاب «الإتقان» .
واعتمد فيه على النقل المجرد، وفيه من الأقوال ما صح سنده وما لم يصح، والعهدة عليه فيما نقل، وسنذكر هنا شيئا من المبهمات فوق ما ذكرناه من قبل؛ تتمة للفائدة؛ اعتمادا على ما نقله المفسرون والمحدّثون وغيرهم ممن عنى بذكرها.
(5)
فى القرآن أفراد من الرجال ذكرهم الله بأوصافهم تعظيما لشأنهم وتقديرا لجهودهم وأبهم أسماءهم؛ إمّا لشهرتهم عند نزول الآية؛ وإمّا لتدريب الذهن على معرفتهم عن طريق أوصافهم لمحاكاتهم فى تحصيل تلك الأوصاف إن استطاعوا أو الاقتداء بهم بقدر طاقاتهم، وتعطير أفواههم بالثناء عليهم والدعاء لهم:
(أ) من ذلك قوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ النور: 22.
قال ابن كثير فى تفسيره نقلا عن البخارى وابن جرير: هو الصديق أبو بكر
(1) انظر البرهان فى علوم القرآن. للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى تحقيق/ محمد أبو الفضل إبراهيم ط دار الفكر ج 1 ص 156 وما بعدها.
- رضى الله عنه- حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبدا بعد ما قال فى عائشة ما قال. أه.
فلما تليت عليه هذه الآية رجع فيما عزم عليه وكفّر عن يمينه.
(ب) وفيه نزل قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا التوبة: 40
(ج) وقوله جل شأنه: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ الزمر: 33.
قال السيوطى فى «الإتقان» : والمراد به الصديق فى الكل- أى فى هذه الآيات الثلاثة، وهو مصيب فى الآيتين الأوليين، أما الثالثة فهو قول محتمل، والأصح أن الذى جاء بالصدق- كما قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد-: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال السّدى: هو جبريل- عليه السلام والذى صدق به أولا هو محمد صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وجميع المسلمين بدليل قوله فى ختام الآية:
أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. هذا ما ذكره أكثر المفسرين فى كتبهم.
(د) وممن عظم الله شأنه بالوصف أيضا صهيب بن سنان الرومى، ففيه نزل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ البقرة: 207.
وذلك أنه لما أراد الهجرة منعه المشركون أن يهاجر بماله فتركه لهم ابتغاء مرضات الله، فلما وفد إلى المدينة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:«ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى» .
وهذه الآية تتناول بعمومها كل من كان قد اشترى دينه بدنياه، وباع نفسه لله.
(هـ) وفى زيد بن حارثة نزل قوله- عز وجل: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ الأحزاب: 37.
فقد أبهم اسمه فى أول الآية؛ تعظيما له؛ وتقديرا لشأنه؛ وتذكيرا له بالإنعام عليه، ثم صرح باسمه مبالغة فى تكريمه، وهو الصحابى الوحيد الذى ذكر اسمه صراحة فى القرآن الكريم.
وقد نزلت هذه الآية فى قصة زواجه من زينب بنت جحش- رضى الله عنها-.
(و) وممن عظّم الله شأنه بالوصف وأبهم اسمه للأسباب التى ذكرناها، العبد الصالح الذى أشار إليه- رب العزة- فى قصة موسى معه بقوله: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا الكهف 65. وأرانا الحق- جل شأنه- من آياته التى أجراها على يديه عجبا.
قال جمهور المفسرين والمحدّثين: إنه الخضر يروون ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لقبه الذى اشتهر به واسمه بليا بن ملكان، قاله غير واحد من المفسرين.
وقد أبهم الله اسمه ولقبه لاشتهار قصته عند أهل الكتاب وغيرهم ممن قرأ كتبهم.
ووصفه يغنى عن اسمه ولقبه، فهو من الذين خصّهم الله بالكرامات، ووصفه بالعبودية الخالصة، وعمّه برحمة واسعة وعلم لدنّى تلقاه منه- جل شأنه- ببصيرته.
(ز) وممن أبهم الله اسمه واكتفى بما ساقه فى شأنه مع قومه حبيب النّجار كما جاء فى كتب التفسير.
وفيه نزل قوله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى إلى قوله- جل شأنه:
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ يس: 20 - 27.
ومثله مؤمن آل فرعون، فقد قص الله علينا من أمره فى سورة غافر ما فيه عظة وعبرة لكل مؤمن يتصدى للدعوة، وينصر الحق بما أوتى من علم وحكمة.
وقصته تبدأ من قوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وتنتهى بقوله- جل شأنه:
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا غافر: 28 - 45.
ومع هذا لم يذكر اسمه، فالأسماء مجرد أعلام على أصحابها لا تدل على شىء وراء ذلك- فى الغالب، وذكر الاسم مع الأوصاف العظيمة لا يلتفت إليه العقلاء، وإن غاب عنهم لا يسألون عنه إلا أن المفسرين أولعوا بالبحث عنها من باب الترف العلمى، وهو أمر لا يحمد ولا يذم.
قال السيوطى فى «الإتقان» : هو شمعان، وقيل شمعون، وقيل جبر، وقيل حبيب، وقيل:
حزقيل. وزعم أنه هو الذى جاء من أقصى المدينة يسعى.
وكثرة الأسماء التى ذكرها تدل على غموض اسمه على المؤرخين، وما كان ضرهم لو تركوا ما لم يحيطوا بعلمه، وما لا يترتب على ذكره فائدة؛ ترفعا عن التهافت والاشتغال بما لا يضيف إلى المعانى القرآنية شيئا ذا بال.
فماذا يفيد ذكر اسم هذا الرجل مع هذه الأوصاف التى أثنى الله عليه بها، وهذا الجهد الذى بذله فى دعوة آل فرعون إلى اتباع موسى- عليه السلام.
(6)
وممن عظّم الله شأنهن من النساء:
(أ) حواء، فقد أبهم الله اسمها لاشتهارها فى الخليقة- كما أشرنا من قبل عند ذكر أسباب الإبهام، واكتفى- جل شأنه- بوصفها فى سياق الحديث عن آدم- عليه السلام.
قال تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ البقرة: 35 وقال جل شأنه يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ الأعراف: 19. وقال- عز شأنه: فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى طه: 117.
(ب) بلقيس، أبهم الله اسمها لعدم جدواه فى تعظيم شأنها بالأوصاف التى ذكرها.
فقد قال- رب العزة- فى شأنها ما قال فى سورة النمل من قوله: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إلى قوله: قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 22 - 44
(ج) وقد ذكر الله مريم باسمها فى سورة التحريم: 12 فقال: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ
بينما ذكرها فى سورة الأنبياء بالوصف فقال- جل شأنه: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ آية: 91 حملا على ما جاء فى سورة التحريم، ولاشتهارها بما وصفت به من كونها هى وابنها آية للعالمين.
ونص على اسمها فى سورة التحريم واسم أبيها لأنها سيقت مساق العظة والعبرة لأمهات المؤمنين، فقد ذكر الله من أوصافها ما يحملهن على التحلى بها، وهن كذلك إلّا أن الله جعلها لهن مثلا للمرأة التى فاقت كثيرا من الرجال فى الطاعة والانقياد، ولم تكن زوجا لأحد، فكيف بهن وهن أزواج خير خلق الله، وخاتم رسله.
(د) وقد أبهم الله ذكر اسم أم موسى واكتفى بالحديث عنها وعن وليدها لعدم الحاجة إلى معرفة اسمها.
قال تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ القصص: 7
وقال- جل شأنه: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ القصص: 10.
قال السيوطى فى «الإتقان» : اسمها يحانذ بنت يصهر بن لاوى، وقيل: ياء وخا، وقيل: أباذخت (2).
وقيل: اسمها لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب، وقيل: يوكابد، وهو الاسم المشهور فى كتب التاريخ والسير.
(2) الإتقان فى علوم القرآن. للحافظ جلال الدين السيوطى تحقيق/ محمد أبو الفضل إبراهيم ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ج 4 ص 104.
(هـ) وأبهم أيضا أخت موسى فى قوله سبحانه: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ القصص: 11
واسمها- كما قال السيوطى فى «الإتقان» :
مريم وقيل: كلثوم.
والأصح: أن اسمها مريم لقول الله- تعالى- حكاية عن مريم ابنت عمران، إذ عيّرها قومها بقولهم كما حكى الله عنهم: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا مريم: 28 يعنون أنها أخته فى الفضل والصلاح تعريضا بها، وأخته أيضا من حيث إن له أختا بهذا الاسم، وقيل: إنها كانت من نسله، والله أعلم.
وقد أبهم الله اسمها كما أبهم اسم أمها اكتفاء بنسبتها إلى أخيها موسى- عليه السلام واكتفاء بذكر ما قامت به من عمل جليل تذكر به فى القرآن على مر الزمان.
وقد وصفها الله بالحكمة وبعد النظر، وحسن الحيلة فى جلب أخيها من قصر فرعون إلى بيتها ليعيش فى سرور وحبور بعيدا عن الطاغية، ونكاية فيه.
(و) وأبهم الحق- جل شأنه- اسم امرأة فرعون واكتفى بذكر دعائها تعظيما لشأنها معه؛ فهذا الدعاء يدل دلالة قاطعة على أنها أخلصت له دينها واختارت جواره، واستغاثت به من شر كل كفار أثيم، وظالم لنفسه وللمؤمنين.
قال جل شأنه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ التحريم: 11.
واسمها آسية بنت مزاحم كما جاء فى كتب التفسير.
وعدم ذكر اسمها فى القرآن لا يضيرها، ولا يضير من جهله، فالوصف أقوى بكثير من ذكر الاسم فى كثير من المواطن، كما هو معروف عند أهل اللغة بوجه عام، وعند المتخصصين فى دراسة لغة القرآن بوجه خاص.
ونسبها إلى فرعون للدلالة على أنها آثرت ربها الذى خلقها على هذا الفرعون الذى أغدق عليها من نعم الدنيا ما لم تجده امرأة سواها؛ لتكون عبرة لغيرها وقدوة لأمثالها.
(ز) وممن أبهم الله ذكرهن تعظيما لهن وسترا عليهن، التى جادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى زوجها، ورفعت شكواها إلى الله- عز وجل وهى خولة بنت ثعلبة.
قال الله عز وجل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ المجادلة: 1
فقد أنصفها ربها، وعذر زوجها، وأنزل أحكاما تتعلق بالظهار حلا للإشكال الذى وقع فيه زوجها، ولكل من يظاهر امرأته مع تحريم الظهار والتغليظ فى وصفه، فكان هذا التشريع من بركاتها.
وقد أبهم ذكر زوجها سترا عليه، وهو أوس ابن الصامت.
(ح) وممن أبهم الله اسمها زينب بنت جحش، سترا عليها وفى الستر تعظيم لشأنها.
قال- جل شأنه: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها الأحزاب: 37
وصرح باسم زوجها تعظيما له، ومبالغة فى التنصيص على حرمة التبنى وإباحة زوج المتبنّى بعد أن كانت محرمة فى الجاهلية وفى صدر الإسلام.
(ط) وقد أبهم الله اسم التى أسر إليها النبى حديثا فنبأت به، ولم يذكر اسم التى تلقت هذا السر منها؛ وذلك سترا عليهما وحفظا لمكانتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال- عز شأنه: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ التحريم: 3، 4.
ولا يخفى ما فى هذا الإبهام من أدب التعبير؛ فإن ذكر المرأة هنا باسمها لا يتعلق به فائدة، فضلا عن كونه إفشاء لسر يحرص العاقل الراشد على طيه، ونحن نعلم من أحوال بعض العرب ستر أسماء النساء بالألقاب والكنايات؛ تنزيها لهن وسموا بمكانتهن، وفى نثرهم وشعرهم من ذلك الكثير.
ثم إنه كيف يليق أن يصرح- سبحانه- باسم المرأة هنا، وهو يلومها على التصريح بالحديث الذى أمرها الرسول صلى الله عليه وسلم بكتمانه- أليس فى التصريح باسمها إفشاء للسر؟
وقد درج القرآن الكريم فى الحديث عن النساء على طى أسمائهن والتعبير عنهن بالوصف غالبا. (3)
(7)
وممن عظّم الله شأنهما من الرجال:
(أ) رجلان أنعم الله عليهما بالإيمان وحسن التوكل ذكرهما- جل شأنه- مبهمين
(3) انظر مقاصد التشريع الحكيم فى سورتى الطلاق والتحريم للدكتور/ محمد بكر إسماعيل.
فى قوله تعالى قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ المائدة: 23.
قال ابن كثير فى «تفسيره» (4): هما يوشع ابن نون، وكالب بن يوفنا، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدى والربيع بن أنس، وغير واحد من السلف والخلف.
(ب) ومن الذين عظم الله أحدهما وحقّر شأن الآخر ما جاء فى قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ المائدة: 27.
قال كثير من المفسرين: هما قابيل وهابيل، والمعظم منهما هابيل فهو التقى الذى تقبل الله قربانه.
(ج) وفى قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ فى سورة الكهف (32)، يقول السيوطى فى «الإتقان» - والعهدة عليه- هما تمليخا- وهو الخيّر، وفطروس.
(د) وفى قوله تعالى: وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ (82) من سورة الكهف، يقول السيوطى هما أصرم وصريم
(هـ) وفى قوله- جل شأنه- فى سورة يس: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ يس: 14.
يقول السيوطى: هما شمعون ويوحنا، والثالث بولس، وقيل: هم صادق وصدوق وشلوم (5).
(8)
وممن عظم الله شأنهما من النساء:
(أ) ما جاء فى قوله تعالى من سورة القصص (23): وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
يقول السيوطى: هما هماليّا وصفوريا وهى التى نكحها موسى.
(9)
وممن أبهم الله أسماءهم من الجموع تعظيما لشأنهم:
(أ) الأسباط، وقد ورد ذكرهم فى خمسة مواضع من القرآن، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر: يوسف، وروبيل، وشمعون، ولاوى، ودان، ويهوذا، ونفتالى، وجاد، وأشير، ويشجر وريالون، وبنيامين.
هذا ما قاله السيوطى فى «الإتقان» وهو غير مسلّم، فهؤلاء أولاد يعقوب مباشرة، والأسباط أحفادهم.
قال ابن كثير فى «تفسيره» : قال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط بنو يعقوب
(4) انظر تفسير القرآن العظيم للحافظ عماد الدين، أبى الفداء إسماعيل بن كثير، مطبعة الاستقامة ج 2 ص 38.
(5)
انظر الإتقان للسيوطى ج 4 ص 106.
اثنا عشر رجلا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط، وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط فى بنى إسرائيل، كالقبائل فى بنى إسماعيل (6).
(ب) النقباء الاثنا عشر، عظم الله شأنهم وأبهم أسماءهم فى قوله- جل شأنه- من سورة المائدة: 12 وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ.
(ج) أبناء إبراهيم- عليه السلام المذكورون فى قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ البقرة: 132.
قال السيوطى: هم إسماعيل، وإسحاق ومدين، وزمران، وسرح، ونفش، ونفشان، وأميم، وكيسان، وسورح، ولوطان، ونافش.
(د) أصحاب الكهف، أبهم الله أسماءهم وعظّم شأنهم، وجعل قصتهم عبرة لمن اعتبر.
قال السيوطى: هم تمليخا، وتكسلمينا، ومرطوش، وبراشق، وأيونس، وأريسطانس، وتسلططيوس.
(هـ) أولو العزم من الرسل، فى قوله جل وعلا: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الأحقاف: 35.
قال السيوطى: أصح الأقوال أنهم نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم.
وقد نص الله عليهم فى آيتين، فقال- عز وجل فى الأحزاب: 7: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
وقال تعالى فى سورة الشورى: 13:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
وقيل: المراد جميع الرسل، وهو الراجح عندى، وعلى ذلك تكون (من) فى قوله:«من الرسل» لبيان الجنس، والله أعلم.
(و) أهل البيت، عظم الله شأنهم وأبهم أسماءهم إما للعلم بهم، أو لأن كلمة أهل فى اللغة تعنى عندهم طائفة مخصوصة من ذوى القربى، لا يدخل فيهم من ليس منهم، والقرآن نزل بلغتهم، فأبهم أفراد الأهل اعتمادا على أفهامهم.
قال- جل شأنه- فى سورة الأحزاب 33:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
قال السيوطى: (7) هم: على، وفاطمة، والحسن، والحسين، وهو أصح الأقوال.
(6) راجع ابن كثير ج 1 ص 187.
(7)
الإتقان للسيوطى ج 4 ص 105.
ومنهم من أدخل نساء النبى فى أهله مراعيا فى ذلك أسباب النزول.
فقد قال الله- عز وجل فى حق نسائه صلى الله عليه وسلم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ يعنى بوجه عام، بل منهم من خص الآية بنساء النبى لأنها نزلت فيهن.
قال ابن كثير: (8) فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر.
(10)
وممن حقّر الله شأنهم من الرجال:
(أ) من قال الله فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ البقرة: 204
قال السيوطى فى «الإتقان» : هو الأخنس ابن شريق، وهو قول السدى، وقيل: هو عام فى المنافقين، قال ابن كثير: وهو الصحيح.
أقول: ربما كان الأخنس هذا أعذبهم لسانا فى الباطل، وأشدهم نفاقا فخص بالذكر من دونهم فى كتب التفسير والسير.
(ب) من ورد ذكره مبهما فى قوله تعالى:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ البقرة: 258.
قال أكثر المفسرين: هو نمروذ بن كنعان، وكان ملك بابل كما يذكر ابن كثير فى تفسيره.
(ج) ومن قال الله فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي التوبة: 49.
قال السيوطى: هو الجد بن قيس.
وبذلك قال كثير من المفسرين نقلا عن ابن إسحاق وغيره.
والآية تشمل بعمومها كل من كان على شاكلته.
(د) ومن جاء فى قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ التوبة: 58.
قال السيوطى: هو ذو الخويصرة، واسمه حرقوص- كما قال ابن كثير- لما اعترض على النبى صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم حنين فقال له: اعدل فإنك لم تعدل.
(هـ) ومن جاء فى قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ التوبة: 75.
قيل: هو ثعلبة بن حاطب الأنصارى، وقصته مشهورة عند المفسرين والمحدثين.
(و) ومنهم أبو عامر الراهب الخزرجى الذى تنصر فى الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وبارز النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين بالعداوة
(8) انظر ابن كثير ج 3 ص 483.
وخرج فارّا إلى كفار قريش يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المشار إليه فى قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ التوبة: 107.
والذين بنوا مسجد الضرار اثنا عشر رجلا ذكر ابن كثير أسماءهم وأنسابهم عند تفسير هذه الآية.
(ز) من أشير إليه فى قوله تعالى:
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً مريم: 77
نزل فى العاص بن وائل كما قال أكثر المفسرين نقلا عن المحدثين.
(11)
وممن أبهم الله أسماءهن تحقيرا لشأنهن:
(أ) امرأة أبى لهب: أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبى سفيان.
(ب) امرأة نوح وامرأة لوط.
ضربهما الله مثلا للذين كفروا فى سورة التحريم، وقد ذكر السيوطى أن اسم الأولى والعة، واسم الثانية والهة، وقيل: واعلة.
(12)
ومن المجموع التى أبهم الله أسماءهم احتقارا لشأنهم.
(أ) ما جاء فى قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ التوبة: 12 وهم كثير، ذكر السيوطى منهم: أبا سفيان، وأبا جهل، وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو، وعتبة ابن ربيعة.
قال ابن كثير فى «تفسيره» : والصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركى قريش فهى لهم ولغيرهم.
(ب) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الحجر: 95
قال سعيد بن جبير- كما ذكر السيوطى:
هم خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو زمعة، والحارث بن قيس، والأسود ابن عبد يغوث.
(ج) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ النساء: 44.
قال السيوطى- نقلا عن عكرمة: نزلت فى: رفاعة بن زيد بن التابوت، وكردم بن زين، وأسامة بن حبيب، ورافع بن أبى رافع، وبحرى بن عمرو، وحيىّ بن أخطب.
والأفضل بقاء العموم على عمومه ليدخل فيهم من هو على شاكلتهم، لكن المفسرين أولعوا بذكر أشهر الأفراد من الذين نزلت فيهم الآية، فيقصرونها عليهم، وأحيانا يبقونها على عمومها، ويذكرون من العموم
ما وسعهم أن يذكروه نقلا عن المحدثين وأصحاب السير.
(13)
ومما أبهم الله ذكره من الأماكن:
(أ) ما جاء فى قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها البقرة: 259.
قال ابن كثير فى «تفسيره» : هى بيت المقدس. أه.
أما الذى مر عليها فقد اختلفوا فيه، وأشهر الأقوال أنه العزير.
(ب) وهى بيت المقدس أيضا فى قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً البقرة: 58.
(ج) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ الأعراف: 163.
هى أيلة على شاطئ بحر القلزم كما نقل ابن كثير عند تفسيرها.
(د) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يوسف: 82.
قال القرطبى عند تفسيرها: «يريدون بالقرية مصر، وقيل: قرية من قراها نزلوا بها، وامتاروا منها- أى أخذوا الميرة وهى الطعام. وقيل المعنى: «واسأل القرية» وإن كانت جمادا؛ فأنت نبى الله وهو ينطق الجماد لك، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار». أه.
(هـ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً النحل: 112.
قال ابن كثير فى «تفسيره» : (هذا مثل أريد به أهل مكة؛ فإنها كانت آمنة مستقرة ..
فكفرت بأنعم الله .. وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم .. فاستعصوا عليه وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم .. فأصابتهم سنة أذهبت كل شىء لهم). أه.
وبهذا قال كثير من المفسرين. والقرية نكرة، والنكرة تعم، فالأولى فى نظرى أن تظل على عمومها مثلا لكل قرية كفرت بأنعم الله.
(و) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ يس: 13.
قال أكثر المفسرين: هى «أنطاكية» .
(ز) حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما الكهف: 77.
قيل: «هى أبلّة، وقيل أنطاكية، وقيل غير ذلك. والأصح أنها أنطاكية- كما ذكر كثير من المفسرين.
وقد سماها الله مدينة فى سورتى: يس والكهف، لذكر الرجلين الصالحين فيهما.
فالأول: هو حبيب النجار، الذى قال الله فيه وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.
والثانى: هو أبو الغلامين اليتيمين؛ فقد وصفه الله بالصلاح فقال: وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً.
فالقرية تطلق أحيانا على المدينة، والمدينة تطلق أحيانا على القرية بهذا الاعتبار، وهو أسلوب قرآنى تميز به القرآن عن كلام الناس.
(ح) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ الزخرف: 31.
هما مكة والطائف كما قال أكثر المفسرين، ويعنون بالرجلين: الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود من الطائف.
أو هما عتبة بن ربيعة من مكة، وعمير بن عمرو بن مسعود من الطائف، أو غيرهم ممن يعظمونهم فى أنفسهم.
(ط) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى النجم: 53.
يعنى: مدائن قوم لوط، وهى التى أشار الله إليها بقوله فى سورة الحاقة وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ آية:9.
قال قتادة: (إنما سمّيت قرى قوم لوط «مؤتفكات» لأنها ائتفكت بهم، أى انقلبت).
وذكر الطبرى عن محمد بن كعب القرظى قال: (خمس قريات صعبة، وصعرة، وعمرة، ودوما، وسدوم، وهى القرية العظمى). (9)
(ك) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ النمل: 18.
زعم بعض القصاصين أن هذا الوادى بأرض الشام، بل زعموا أن اسم النملة حرس، ووصفوها بأوصاف خيالية، وما كان أغناهم عن ذلك لو نزهوا كتاب الله عن ذكر ما طواه الله عنا.
قال ابن كثير فى «تفسيره» عند هذه الآية:
ومن قال من المفسرين إن هذا الوادى كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب أو غير ذلك من الأقاويل فلا حاصل لها.
(ل) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي الأعراف: 143.
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ الأعراف: 171.
(9) انظر الجامع لأحكام القرآن، لأبى عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى ط دار الكاتب العربى سنة 1387 هـ 1967 م. ج 18 ص 262. وراجع تاريخ الطبرى ص 343 من القسم الأول ط أوروبا.
الجبل فى الموضعين هو الطور، يدل على ذلك قوله تعالى فى سورة البقرة 63: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
(14)
ومما أبهمه الله فى كتابه من الأزمنة:
(أ)(الحين) فى قوله تعالى فى سورة إبراهيم: 25 تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.
وفى قوله- جل شأنه- فى سورة الروم:
17.
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ.
وقوله فى سورة ص 3: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ.
وقوله فى سورة الإنسان: 1 هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً.
قال الراغب فى «مفرداته» (10): (الحين:
وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو مبهم المعنى، ويتخصّص بالمضاف إليه، نحو قوله تعالى:
وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، ومن قال: حين (يعنى بغير إضافة)؛ فيأتى على أوجه:
للأجل، نحو: وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ، وللسّنة نحو قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها، وللساعة نحو: حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وللزمان المطلق، نحو: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ- وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ.
وإنما فسر ذلك بحسب ما وجد ....
ويقال: عاملته محاينة حينا وحينا، وأحينت بالمكان أقمت به حينا، وحان حين كذا أى قرب أوانه، وحيّنت الشيء جعلت له حينا، والحين عبّر به عن حين الموت). أهـ.
(ب) أخبر الله- عز وجل فى آيات كثيرة أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما فى ستة أيام، ولا ندرى هل هذه الأيام الستة كأيامنا هذه أم هى أيام أطول من ذلك بكثير، فهذا الإبهام يفسره- جل وعلا- بقوله:
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ الحج: 47.
وهذا التشبيه فى الآية- أيضا- فيه إبهام لأنه أمر تقديرى تقريبى يرضى فضولنا إلى حد ما.
وهذا الإبهام يدعونا إلى التفويض فى مثل هذه الأمور؛ لأنها لا تخضع لعقولنا، ولكنها مع ذلك تفتح لنا أبوابا واسعة للتأمل والنظر فى هذا الكون الفسيح؛ لنعرف الأطوار التى مر بها، والأحوال التى لابسته منذ بدأ.
والله- عز وجل يقول: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ العنكبوت: 20
(10) انظر ص 138 ط مصطفى البابى الحلبى 1381 هـ- 1961 م.
(ج) وقد أبهم الله الليلة التى أنزل فيها القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة فى السماء الدنيا جملة واحدة.
فقال- جل وعلا- فى سورة الدخان 3:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
ثم زادها إيضاحا فقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إلى آخر السورة.
ثم أخبرنا أنها فى شهر رمضان بقوله فى سورة البقرة 185: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.
ومع ذلك ظلت الليلة مبهمة، هل هى فى أوائل شهر رمضان أم فى وسطه، أم فى أواخره، وأى ليلة هى على وجه التحديد. وقد وردت أحاديث تفيد أنها فى الوتر من العشر الأواخر من رمضان.
وهذا الإبهام يحملنا على تحريها فى العشر الأواخر كلها، بل يحملنا على الاجتهاد فى العبادة من أول الشهر إلى آخره، فكان هذا الإبهام خيرا لنا فى دنيانا وآخرتنا.
(15)
وقد أبهم الله ما ورد فى كتابه من الدواب لأنه لا يتعلق بوصفها فائدة.
والبحث عن أوصافها وأنواعها، وغير ذلك مما يتعلق بها لا طائل تحته، وذلك مثل ناقة صالح وهدهد سليمان، والنملة التى قالت:
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ وحمار عزير أو غيره، وكلب أصحاب الكهف، وغير ذلك.
والقرآن الكريم كتاب هداية ومنهج حياة، وليس فيه من وراء ذلك مطلب؛ لهذا أبهم ما لا يتعلق بإظهاره فائدة، ولم يكلفنا الله بالبحث عنه لما فى ذلك من شغل القلب بما لا ينبغى أن يشغل به، ومضيعة الوقت فيما لا طائل تحته.
أ. د/ محمد بكر إسماعيل