الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان قوم الرسول يعلمون شيئا من هذه الأنباء لصاحوا به، نحن نعلم، ولكن كان قصاراهم أن يقولوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (13)
وندع أخبار التاريخ إلى ما استفاض به القرآن من أمور التشريع، فقد كان العرب فى جاهليتهم لا ينزعون إلى شريعة مفروضة فجاءهم القرآن من جانب التشريع بما دهشوا، كذلك لم يكونوا يعرفون شيئا عن المعاد وأمور البعث والحساب والملائكة والجن والجنة والنار فأتى لهم بما يجهلون، ثم هذا التصوير الأدبى الرائع الذى أعجزهم كل الإعجاز فى مثل قول الله اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ. (14)
ولم يسق الأستاذ هذه الآيات مجردة من التحليل الأدبى الشائق، والعرض الأسلوبى البديع، بل بلغ من ذلك مبلغا حميدا- رحمه الله.
الدكتور محمد عبد الله دراز:
ألّف الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز كتاب «النبأ العظيم» ليثبت إعجاز القرآن بما لا يدع مجالا للريب، والكتاب فى القمة من الأدب العالى (وقد طبع عدة مرات وأرجو أن يكون فى مكتبة كل مسلم) لما تضمن من حقائق جديدة، أكثرها من بنات فكره الخاص مع تمتعه بأسلوب نادر يجذب القارئ حتى ليخاله شعرا، (وهو فى رأيى أقرب إلى نفوس القراء من كتاب الرافعى- رحمه الله على عظم تقديرنا إياه، لأنّ الرافعى يتعمّق فى التصوير والتعبير حتى يحوج القارئ إلى التثبت، أما النهر المتسلسل الدفاق فهو ما انهمر من يراع الدكتور دراز، وكأنه غيث نزل من السماء فأحيا به الله الأرض).
لقد رصد المؤلف الخصائص القرآنية للأسلوب البيانى فى كتاب الله فحدّها فى أربعة أمور هى سر الإعجاز، وأول هذه الخصائص هو (البيان والإجمال معا)(15) فهما خارقة عجيبة من خوارق التعبير لأنّ الناس إذا عمدوا إلى تحديد أغراضهم لم تتسع إلى تأويل، وإذا أجملوها ذهبوا بها إلى الإبهام أو الإلباس، ولا يكاد يجتمع لهم هذان
(13) الفرقان: 5.
(14)
النور: 35.
(15)
النبأ العظيم تأليف الدكتور محمد عبد الله دراز ص 128 - الطبعة الأولى سنة 1957 م.
الطرفان فى كلام واحد، ولكنك تقرأ القطعة من القرآن فتجد فى ألفاظها من الشفوف والملاسة والإحكام، والخلو من كلّ غريب عن الغرض، ما يتسابق به مغزاها إلى نفسك دون كدّ خاطر، أو استعارة حديث، كأنك لا تسمع كلاما ولغات بل ترى صورا وحقائق ماثلة ثم يخيّل إليك أنّك أحطت به خبرا، ووقفت على معناه محدودا، ولكن لو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد غير الذى سبق إليه فهمك أول مرة، حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوها عدّة كلها صحيح، أو محتمل الصحة، كأنما هى فصّ من الماس يعطيك كلّ ضلع منه شعاعا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة، بهرتك بألوان من الطيف، لا تدرى ماذا تأخذ منها وما تدع ولعلّك لو وكلت النظر فيها لغيرك لرأى فيها أكثر مما رأيت، وهكذا نجد كتابا مفتوحا مع الزمان يأخذ منه كل فرد ما تيسّر له، بل ترى محيطا مترامى الأطراف لا تحدّه عقول الأفراد ولا الأجيال، ألم تر كيف وسع الفرق الإسلامية على اختلاف وسائلها فى القديم والحديث، وهو على لينه للعقول والأفهام صلب متين، لا يتناقض ولا يتبدل، يحتج به كل فريق لرأيه، ويدّعيه لنفسه، وهو فى سمّوه فوق الجميع يطلّ على معاركهم حوله، وكأنّ لسان حاله يقول قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (16)، وثانية هذه الخصائص هى (إقناع العقل وإمتاع العاطفة) (17): والحديث عن اجتماع العقل والعاطفة فى أسلوب واحد لا يقنع به إلا دارس مكين تغلغل فى خوانى علم النفس فاهتدى إلى أسرار صارت مصباحا فى يده يضيء الطريق، فقد عرفنا كلام الحكماء والعلماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء وهؤلاء إلا غلوّا فى جانب وقصورا فى جانب، فأما الحكماء فإنهم يؤدون إليك ثمار عقولهم، غذاء لعقلك، ولا تتوجّه نفوسهم إلى استهواء نفسك، واختلاف عاطفتك، فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم، لا يأبهون لما فيها من جفاف وعرى، ونبوّ عن الطباع، أما الشعراء فيسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار الشعور من نفسك، ولا يبالون بما صوّروه لك أن يكون غيا أو رشادا، وأن يكون حقيقة أو تمثيلا، فتراهم جادين وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويطربون وإن كانوا لا يطربون، وكل امرئ حين يفكر إنما هو فيلسوف صغير، وكل امرئ حين يحس إنما
(16) الإسراء: 84.
(17)
النبأ العظيم ص 124.
هو شاعر صغير، فهل رأيتم أحدا تتكافأ فيه قوة التفكير، وقوة الوجدان، وسائر القوى النفسية على حد سواء، واذا كانت الإجابة بالنفى فكيف تطمع من إنسان أن يهب لك الطّلبتين معا، وهو لم يجمعهما فى نفسه على حد سواء، وما كلام المتكلم إلا صورة الحال الغالبة عليه من تلك الأحوال.
هذا مقياس تستطيع أن تتبين به كل إنسان، وحكم أى القوتين كان خاضعا لها، حين قال وكيّف، فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية، أو وصف طريقة عملية، قلت:
هذه ثمرة الفكرة، وإن رأيته يعتمد إلى تحريض النفس أو تغييرها وقبضها وبسطها، واستثارة كوامن لذاتها وآلامها، قلت: هذه ثمرة العاطفة، فإذا رأيته انتقل من أحد هذين الضّربين إلى الآخر فتفرغ له بعد ما قضى وطرا من سابقه، كما ينتقل من غرض إلى غرض، عرفت ذلك من تعاقب الشعور والتفكير على نفسه، فأمّا أنّ أسلوبا واحدا يتجه اتجاها واحدا، ويجمع بين يديك هذين الطرفين معا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أزهارا وأثمارا وأوراقا معا، وكما يسرى الروح فى الجسد، والماء فى العود الأخضر، فذلك ما لا نظفر به فى كلام بشر، ولا هو من سنن الله فى النفس الإنسانية، فمن لك بهذا الكلام الذى يحى من الحقيقة البرهانية الصارمة بحيث يرضى حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين، وبين المتعة الوجدانية بحيث يرضى هؤلاء الشعراء المرحين. ذلك الله رب العالمين، فهذا الذى لا يشغله شأن عن شأن، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معا بلسان واحد، وأن يخرج الحقّ والجمال معا يلتقيان فلا يبغيان، وهذا هو ما تجده فى كتابه الكريم حيثما توجهت، ألا تراه فى نسجه قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة، ألا تراه وهو فى معمعة براهينه وأحكامه، لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، يبث الله ذلك فى مطالع آياته، ومقاطعها وتضاعيفها.
وثالثة هذه الخصائص القرآنية لدى الدكتور دراز هى ما حصره الباحث فى (خطاب العامة والخاصة)(18) إذ هذان الخطابان يمثلان غايتين أخريين متباعدتين عن الناس، فلو أنّك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذى تخاطب به الأغبياء، لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه فى الخطاب لأنفسهم، ولو أنّك خاطبت العامة باللمح والإشارة لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه
(18) النبأ العظيم ص 123.