الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أقسام القرآن
القسم: الحلف، اسم مصدر من أقسم إقساما: إذا حلف. كذا فى «المصباح» - وهو الغاية القصوى فى الكلام، ولذا لا يخاطب به خالى الذهن، وإنما يخاطب به المكذب والمنكر. وعلماء المعانى يجعلونه من الإنشاء الذى ليس لنسبته مدلول فى الخارج بل معناه قائم بنفس المتكلم.
وأركانه أربعة: (مقسم- ومقسم به- مقسم عليه- وأداة القسم). وقد أورد بعضهم شبهة مفاداها ما حكمة قسمه- سبحانه- أو قسم نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأن قسمه- سبحانه- وقسم نبيه صلى الله عليه وسلم لمؤمن فلا حاجة له، أو لكافر فلا ينفعه بل ينفعه الدليل؟ وقد أجاب السيوطى عن هذه الشبهة بأن لغة العرب من عادتها القسم عند التأكيد، والقرآن نزل بلغتهم، ونقل جواب القشيرى بأن ذكر القسم لكمال الحجة والتأكيد؛ لأن الحكم يفصل فيه بالشهادة أو القسم، وقد جاء بهما- سبحانه- فى كتابه فقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ (1)، وقال سبحانه وتعالى: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ (2).
وأرى أن أمثل ما يجاب به: أن القسم إنما جاء لفرط أهمية المقسم عليه عند المقسم، وهذه فائدة يجدر بك أن تبينها للمؤمن والكافر على حد سواء.
وجواب آخر أعظم من السابق: أن القسم منه دليل وبرهان على قدرته على فعل المقسم عليه.
أركان القسم:
أولا: المقسم: المقسم فى القرآن أربعة:
(أ) الله تعالى نفسه، وهو كثير ولب موضوعنا كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (3).
(ب) رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الرسل كقوله تعالى: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ (4)، وقول إبراهيم: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (5).
(ج) غير الرسل كما فى قوله تعالى: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (6).
(د) غير البشر، كالذى جاء عن رأس الكفر
(1) سورة آل عمران (18).
(2)
سورة يونس (53).
(3)
سورة الحجر (92، 93).
(4)
سورة يونس: (53).
(5)
سورة الأنبياء (57).
(6)
سورة القلم (17).
إبليس فى قوله تعالى: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (7).
ثانيا: المقسم به: جاء القسم فى القرآن بالله- سبحانه- أو أحد صفاته، أو بصفة فعله كبناء السماء وطحو الأرض، وبالمخلوقات كالصافات والذاريات والطور، وحياة النبى صلى الله عليه وسلم خاصة فى قوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (8). فالحلف به- سبحانه وتعالى أو بصفته أو صفة فعله لا إشكال فيها، وينعقد اليمين بها، ولزمته الكفارة فى الحنث، ولكن الكلام فى حلفه بمخلوقاته- سبحانه. والجواب ذكره السيوطى فذكر أوجها له:
أحدها: أنه على حلف مضاف تقديره (ورب التين).
والثانى: العرب تعظم الأشياء وتقسم بها، فنزل بلغة العرب.
والثالث: أن القسم بما يعظمه المقسم، وعليه فالقسم بالمخلوق هو قسم بالخالق.
ونقل السيوطى مثل هذا المعنى عن ابن أبى الأصبع فى (أسرار الفواتح) - ثم ذكر آثارا عن الصحابة والتابعين فى القسم بالنبى صلى الله عليه وسلم، وأنه كان لبيان مكانته عند ربه- سبحانه.
وأرى: أن ثانى الأجوبة التى ذكرها السيوطى لا معنى له؛ ولذا لم يذكره الحافظ ابن حجر مع استيفائه لأحاديث هذه المسألة فأورد الجواب الأول وهو حذف المضاف، والثالث: وهو أنه خاص بالله لتعظيم المقسم به. ونقل الحافظ عن ابن عبد البر جعل لفظ (أفلح وأبيه) من الحديث غير محفوظة، وتردها الأحاديث الصحيحة. وقد ورد فى غير حديث مرفوع القسم بقوله:(وأبيك) فى مثل إجابته عن أى الصدقة أفضل؟ فقال:
«وأبيك لتنبأن» . فإذا ثبت ذلك، فالجواب عليه بأجوبة:
الأول: أنه كان يجرى على ألسنتهم دون قصد القسم والمنهى عنه قصد القسم بها.
وإليه مال البيهقى وارتضاه النووى.
والثانى: أنه يقع فى كلامهم للتعظيم والتأكيد، والنهى كان عن التعظيم. فمن أمثلة ما وقع فى كلامهم للتأكيد لا للتعظيم قول الشاعر:
فإن تلك ليلى استودعتنى أمانة
…
فلا وأبى أعدائها لا أذيعها
فلا يمكن أن يكون معظما لأبى أعدائها، بل قصد تأكيد كلامه.
والثالث: أن هذا كان جائزا ثم نسخ، قاله الماوردى، وحكاه البيهقى، وقال السبكى: أكثر الشّراح عليه. وقال ابن العربى: وروى أن
(7) سورة ص (82).
(8)
سورة الحجر (72).
النبى صلى الله عليه وسلم كان يحلف بأبيه ثم نهى عن ذلك.
وقال المنذرى: دعوى النسخ ضعيفة لعدم تحقق التاريخ.
والرابع: أن فى الجواب حذفا تقديره (أفلح ورب أبيه). قاله البيهقى.
والخامس: أنه للتعجب. قاله السهيلى.
والسادس: أنه خاص بالشارع دون أمته.
ورد بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال.
ثم تكلم الحافظ ابن حجر عن القسم بغير الله، وذهب إلى أنه لا ينعقد، ونقل عن بعض الحنابلة استثناءهم للحلف بالنبىّ صلى الله عليه وسلم القول بالانعقاد فى الحلف به صلى الله عليه وسلم ووجوب الكفارة فى الحنث، لأنه أحد ركنى الشهادة. وأطلق ابن العربى النسبة لمذهب أحمد ورد هذا.
ثم استنبط من الحديث المشروح- (أفلح وأبيه) - أن من قال: إن فعلت كذا فهو يهودى أو نصرانى. انعقد يمينه. ثم ذكر عن ابن المنذر أنه نقل الخلاف فى الحلف بغير الله، فنقل عن طائفة أن النهى خاص بأيمان الجاهلية لتعظيمهم فيها الأوثان، فهذه يأثم صاحبها ولا تنعقد.
وأما ما كان يؤول إلى تعظيمه- سبحانه وتعالى والقربة إليه ليس داخلا فى النهى، ومن قال به أبو عبيد وطائفة، ودليله إيجاب الصحابة على الحالف بالهدى والصدقة والعتق، وهذا يعنى أنهم فهموا النهى ليس عاما، وتعقبه ابن عبد البر بأنه ليس حلفا.
ونقل عن الطبرى عدم انعقاد الحلف بغير الله، وأن ابن عباس علل قسمه- سبحانه- بالمخلوقات ليعجب بها المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم. ونقل الإجماع عن ابن هبيرة على انعقاد الحلف بالله- والاتفاق على عدم جواز الحلف بمعظم، ونقل انفراد أحمد بانعقاد الحلف بالنبى صلى الله عليه وسلم، ونقل عن عياض عدم الخلاف بين الفقهاء من انعقاد الحلف بالله أو بصفاته إلا ما روى عن الشافعى باشتراط نية الحالف بالصفات.
وهذا النقل عن الشافعى غير صحيح؛ لأن الشافعى يشترط النية فى ما يصح إطلاقه عليه- سبحانه وتعالى وعلى غيره. ونقل عن وجه للشافعية أن اليمين الصريح عندهم بلفظ (الله)، وعن المالكية التعميم، وكذلك الحنابلة (9).
ثالثا: أداة القسم: الغالب فيها أن تكون فعلا كأقسم، ويجب حذف هذا الفعل من الواو القسمية ك (والله)؛ لأن هذه الواو لا تدخل إلّا على الاسم الظاهر، وكذلك يجب حذفه مع التاء، وهى مختصة بلفظ الجلالة (تالله) وتفيد مع القسم معنى التعجب كقول أخوة يوسف: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ (10)، وغالبا يذكر الفعل مع الباء القسمية ك (أقسم
(9) فتح البارى: (ج 11 ص 533 - 535).
(10)
سورة يوسف (85).
بالله لأفعلن كذا).، وقلما يحذف كما فى قوله تعالى: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (11).
ولقد ذكر جار الله الزمخشرى الفرق بين الباء والتاء: أن الباء الأصل، والتاء مبدلة من الواو التى مبدلة منها، وفى التاء زيادة معنى التعجب (12). فالغالب فى أداة القسم ائتلافها من فعل وحرف على ما وصفنا.
وقد يكون القسم جملة اسمية، فيحذف خبرها وجوبا إذا كان المبتدأ نصا فى اليمين كقولهم:(لعمر الله لأفعلن كذا)، وقوله تعالى:
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (13) وتقدير المحذوف: يمينى أو قسمى، فإن لم يكن نصا فى اليمين أو القسم جاز حذف الخبر وذكره، كما فى قولهم:(عهد الله لأفعلن كذا). نصّ على ذلك ابن عقيل فى شرحه «لألفية ابن مالك» .
و «فى حاشية الخضرى» شرح معنى قولهم: (نصا فى القسم) بأن يكثر ويغلب استعماله فى القسم. وبيّن أن (عهد الله) يعتبرها بعضهم (نصا فى القسم)، فلا إشكال فى تسوية الفقهاء بينها وبين (العمر)؛ لأنهما كناية يمين، ولا ينعقد بهما إلّا مع النية (14) وقد تحذف أداة القسم والمقسم به معا ويدلّ عليهما باللام الموطئة للقسم كقوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً (15)، وقد يحذفان فلا يدلّ عليهما إلّا المعنى، قال السيوطى نحو: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها (16).
رابعا: المقسم عليه: الأصل فيه وهو جواب القسم، أن يذكر كما سبق فى الأمثلة، وقد يحذف، فقد ذكر أبو على الفارسى أن الألفاظ الجارية مجرى القسم قسمان:
أولهما: التى كغيرها من الأخبار وليست بقسم، فلا تجاب بجواب، كما فى قوله:
وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا (17). فتجوز أن تكون قسما أو حالا للخلو من الجواب.
وثانيهما: ما يتلقى بجواب القسم كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ (18). بل يحذف جواب القسم مع هذا الثانى لحكمة. وقد بيّن شمس الدين ابن القيم فى (التبيان فى أقسام القرآن) أن القسم فى القرآن بأمور: على أمور، فيقسم- سبحانه- بذاته وصفاته، وآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وبعض المخلوقات ليدل على عظيم آياته، ثم بين أن الغالب على القسم الجملة الخبرية، وقد تكون طلبية كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (19)، وقد
(11) سورة ص (82).
(12)
الكشاف (ج 3 ص 14).
(13)
سورة الحجر (72).
(14)
حاشية الخضرى على شرح ابن عقيل (ج 1 ص 107).
(15)
سورة آل عمران (186).
(16)
سورة مريم (71).
(17)
سورة البقرة (93).
(18)
سورة النور (53).
(19)
سورة الحجر (92، 93).
يراد تحقيق المقسم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القسم.
والأشياء الواضحة الجلية يقسم بها لا عليها، ويجوز ذلك فى القرآن. وذكر أن فى القرآن تارة يذكر جواب القسم، وتارة يحذف، والأول الغالب. والحالف لا يعيد المقسم عليه ولو كرر القسم، ولما كان القسم يكثر فى الكلام حذف فعله واكتفى بالباء، ثم حذفت وعوض عنها بالواو فى الأسماء الظاهرة والتاء فى أسماء الله. فسبحانه وتعالى يقسم على أصول الإيمان وأن الرسول حق، وأن الجزاء والوعد والوعيد حق، وحال الإنسان.
فمن الأول: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (20) إلى قوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (21)، ومن الثانى:
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (22)، ومن الثالث: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (23) إلى قوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (24)، ومن الرابع: وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (25).
ثم ذكر أن الجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره، بل يراد تعظيم المقسم به، وهذا يذكر معه الفعل مع حرف القسم كقولك:(فلان يحلف بالله وحده)، وقد يكون بحرف القسم فقط كقوله صلى الله عليه وسلم:«لا، ومقلب القلوب» ، وتارة بحذف الجواب، وهو مراده لظهوره بدلالة الحال، أو بدلالة السياق، ويكثر إذا كان فى نفس المقسم به ما يدلّ عليه، وهى طريقة القرآن؛ لأن المقصود يحصل بذكر المقسم به، فيكون حذف المقسم عليه أبلغ، كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال: والذى أرسل محمدا بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات
…
فلا يكون فى حاجة إلى جواب.
ومن ذلك قوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (26). انتهى ملخصه.
تنبيهات: أحدها: قد تقع (لا) قبل فعل القسم كقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (27) واختلف العلماء فى تفسير المراد عندئذ على ثلاثة أقوال مبناها اختلاف فى (لا):
1 -
أن (لا) نافية فهو نفى للجملة، وليس نفيا لاستحقاقها القسم بها.
2 -
أن (لا) نافية نفت الكلام السابق وجملة القسم مثبتة وهو أضعفها.
3 -
أن (لا) زائدة لمجرد التأكيد، وجملة القسم مثبتة.
وعليه يكون القسم حاصلا على قولين وغير حاصل على قول.
(20) سورة الصافات (1).
(21)
سورة الصافات (3).
(22)
سورة يس (1 - 3).
(23)
سورة الذاريات (1).
(24)
سورة الذاريات (5، 6).
(25)
سورة العصر (1 - 3).
(26)
سورة ص (1).
(27)
سورة القيامة (1).
ثانيها: (المسميات الإيمانية والتربوية للقسم):
جعل الله من مقتضى الإيمان الكامل عدم جعل اسم الله عرضة للقسم، فقال تعالى:
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (28)، والجعل متعلق بالاسم لا بالذات كما نصّ عليه الطاهر بن عاشور.
والعرضة: على وزن الفعلة وزن دالّ على المفعول. وهو مشتق من عرضه إذا وضعه على العرض أى الجانب. والمقصود جعل الشيء حاجزا. فالعرضة تطلق على المعنيين، ويمكن حمل الآية على المعنيين. والمعنى الثانى شاع حتى ساوى الحقيقة. واللام فى (لأيمانكم) لتعدية الفعل. أى تحلفوا بالله على الامتناع عن التقوى والبر والإصلاح. وسمّى الحلف يمينا؛ لأن العرب كانت من عادتهم أن يمسك المتحالفان كل واحد منهما يمين الآخر.
ثم اختصروا فقالوا: صدرت منه يمين أو حلف يمينا، فهى من تسمية الشيء بما يقارنه ويلازمه، فلما كان أغلب حلفهم معاهدة بحيث يضع المتعاهدون أيديهم بعضا على بعض، فشاع إطلاق اليمين على الحلف. وهو يرجع إلى إشهاد الله على صدق الحالف.
ومعنى الآية- لو كانت العرضة بمعنى الحائل- أى لا تجعلوا اسم الله حائلا معنويا بينكم وبين فعل البر والتقوى والإصلاح. كما وقع من أبى بكر عند ما أقسم ألّا ينال مسطحا بخير بعد أن خاض فى الإفك. وأما على تقدير أن تكون العرضة بمعنى الشيء المعرّض، فالمعنى: لا تجعلوا اسم الله معرضا لأن تحلفوا به فى الامتناع عن البر والتقوى والإصلاح.
وقدّرت (لا) بعد (أن) فصار المعنى أن لا تبروا كما فى قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا (29) لأن تعظيم الله يجب أن لا يكون سببا فى قطع ما أمر به ونهى عن عدم البر والتقوى والإصلاح. وهذا النهى يستلزم أن الحلف لو وقع على ترك البر فلا حرج من تركه. وعليه يكون قوله: أَنْ تَبَرُّوا مفعولا لأجله فهو علة النهى أى إنما نهيتكم لتكونوا أتقياء أبرارا مصلحين. فعلى التقدير الأول يكون هناك عذر فى الحنث، وعلى التقدير الثانى يكون هناك تحذير من الحلف. ومن تمام ما يتعلق بالآية السابقة من آداب سامية فى الحلف معالجة المشقة التى تقع على الذين جرت الأيمان على ألسنتهم، فما حكم أيمانه؟ ويظهر الحاجة إلى فهم قوله تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ
(28) سورة البقرة (224).
(29)
سورة النساء (176).
يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (30).
وقد ذكر الطاهر بن عاشور فى تفسير هذه الآية ما ملخصه: أن النفوس بعد سماع الآية السابقة تزداد الهواجس من كثرة تردد الأيمان على الألسنة. فجاء قوله تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ (31) الآية.
والمؤاخذة مفاعلة من الأخذ بمعنى المحاسبة.
فالمفاعلة للمبالغة فى الأخذ والمحاسبة، واللغو مصدر من لغا: إذا قال كلاما باطلا.
ويقال: لغا يلغو لغوا، كدعا، ولغا يلغى لغيا كسعى. ولغة القرآن بالواو، وفى اللسان «أنه لا نظير له إلّا قولهم أسوته أسوا وأسى» .
ويطلق اللغو أيضا على الكلام الساقط الذى لا يعتد به وهو الخطأ وهو إطلاق شائع.
واقتصر عليه الزمخشرى فى «الأساس» وفى «الكشاف» . و (فى) للظرفية المجازية يراد بها الملابسة، وهى صفة للغو أو حال منه، وكذلك قدره الكواشى فيكون المعنى: لا يؤاخذكم الله بأن تلغوا لغوا ملابسا للأيمان.
هذا إن جعلت اللغو مصدرا، أما إذا جعلته اسما للكلام الساقط فيكون المعنى: لا يؤاخذكم الله فى أيمانكم باللغو. فكثرة جريان الحلف على الألسنة جعلته يشبه اللغو فى الكلام.
وقد اختلف العلماء فى مراد اليمين فى الآية: الجمهور على أنها الأيمان الجارية على الألسنة بغير قصد الحلف، وهذا قول عائشة والشعبى وأبى قلابة، وعكرمة، ومجاهد، وأبى صالح وبه أخذ الشافعى. ودليله أن اللغو وردت فى الآية فى مقابلة المنعقدة، فلا بد أن هذه التى لا قصد فيها أى غير منعقدة فلا إثم ولا كفارة عليها، وفى غيرها الكفارة المذكورة فى سورة المائدة: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ (32) فيكون فى الغموس، والمعلق، وعلى الظن الذى يتبين خلافه.
وذهب مالك إلى أن اللغو هو الذى يقسم فيه على شىء يظنه كذلك، أو يتبين خلافه ظنه، وهو مروى فى غير «الموطأ» عن أبى هريرة، وقال به الحسن، وإبراهيم، وقتادة والسدى، ومكحول، وابن أبى نجيح، ودليله من الآية المؤاخذة على كسب القلب لا على أصل القسم، فعلم أن المراد بكسبه كسب الحنث أى تعمده، فالحالف على ظن يظهر خطؤه لا يتعمد الحنث، فهو الملغو ولا مؤاخذة فيه.
ومن قال: لا والله. وهو كاذب فهو قسم عنده، وجاءت عليه الكفارة؛ لأنه حلف حين حلف وهو حانث، وإنما جعلنا تفسير (ما كسبت قلوبكم) كسب الحنث، لأن مساق الآية للحنث، لأن قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ
(30) سورة البقرة (225).
(31)
سورة البقرة (225).
(32)
سورة المائدة (89).
عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ (33) إما إذن فى الحنث، أو نهى عن الحلف خشية الحنث.
وقال جماعة: اللغو لم يقصد به الكذب، فشمل القسمين: ما كان بلا قصد، وما كان بقصد مع اعتقاد الصدق، وممن قال به ابن عباس، والشعبى، وأبو حنيفة وعلله بمثل ما سبق ذكره من عدم تعلق المؤاخذة بأصل الحلف.
والمنعقدة من العقد، وهو فى اللغة بمعنى:
الربط- فهى يمين فيه تعليق، ومقابل اللغو؛ المنعقدة والغموس، فالمنعقدة والغموس نوعان، وفى الحنث بالمنعقدة الكفارة. وقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (34) تدليل لحكم
نفى المؤاخذة.
ثالثها: كما وقع القسم فى الدنيا يقع فى الآخرة، ومن ذلك قول أهل الجنة: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (35). وكذلك يقع من الكافرين فى قولهم: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (36). والله أعلم.
أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
مصادر هذ الموضوع
(1)
الإتقان فى علوم القرآن، للسيوطى.
(2)
التبيان فى أقسام القرآن، لشمس الدين ابن القيم، ط دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
(3)
التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور.
(4)
تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير.
(5)
الجامع الصحيح، للبخارى.
(6)
شرح ابن عقيل لألفية بن مالك وحاشية الخضرى عليه، ط عيسى الحلبى.
(7)
صحيح مسلم.
(8)
فتح البارى شرح صحيح البخارى، للحافظ ابن حجر العسقلانى.
(9)
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل، لجار الله الزمخشرى.
(33) سورة البقرة (224).
(34)
سورة المائدة (101).
(35)
سورة الصافات (56).
(36)
سورة الأنعام (23).