الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكتب: ذُو الْجَلالِ (الرحمن:) بالواو فى غير المصحف العثمانى الشامى، وبالياء فى الشامى، وبهما قرئ (18).
إلى غير ذلك من الجزئيات المكتوبة فى المصاحف العثمانية الستة، نصا، أو إشارة (19).
- وأسانيد القراء العشرة، وطرق قراءاتهم التى بلغت زهاء ألف طريق مفصلة متصلة مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلاوة كل واحد على الآخر، وكلهم ثقات، متقنون، آخذون بالتوقيف البالغ الغاية فى الدقة، الواصل إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل- عليه السلام عن اللوح المحفوظ، عن رب العالمين- جل
جلاله (20).
وقد فصل ابن الجزرى تلك الأسانيد فى كتابه الكبير «النشر فى القراءات العشر» فى حوالى مائة صفحة (21).
وذكر شارح «مسلّم الثبوت» أن أسانيد القراء العشرة صحيحة بالإجماع، متلقاة بالقبول، وأنها أصح الأسانيد، وأن غيرها إذا عارضها فإنه يكون سندا لا يعبأ به (22).
وهناك غير ذلك من الأدلة الدالة على أن القراءات المعمول بها مروية بالتوقيف (23).
تواتر القرآن:
التواتر هو نقل جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، كما يؤمن وقوع الكذب منهم فى المنقول وقوعا اتفاقيا بدون تواطؤ فى كل طبقة، من أول السند إلى منتهاه.
والقرآن الكريم منقول بهذه الصفة فى كل طبقة. والأدلة على تواتر القرآن عديدة، نسوقها فى فقرات، تنطوى كل فقرة منها على بعضها، على النحو التالى:
1 -
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (المائدة: 67).
والبلاغ العام إنما هو بالتواتر (24) وقد كان.
ويلاحظه من يلاحظ القرون.
وقال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (الأعلى: 6) كما قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: 9) وأجمعت الأمة على أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجوه الغلط والتخليط (25) والحفظ إنما يتحقق بالتواتر (26). وهذا النص القرآنى قد صارت به الأمة آمنة من أن يكون نقل القرآن آحاديا فى وقت من الأوقات (27).
2 -
وقد عرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم السادة عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وأبى بن كعب وعبد الله بن مسعود
(18) انظر كل ما سبق فى سمير الطالبين السابق 74 - 76.
(19)
انظر تفصيل هذا الدليل، واستقصاء جزئياته فى رسالة (القراءات
…
) ص 273 - 295.
(20)
انظر العجالة البديعة الغرر للمتولى، مطبوعة مع شرح الطيبة للنويرى ص 42 - 43.
(21)
انظر الجزء الأول منه 98 - 194.
(22)
انظر فواتح الرحموت 2/ 10.
(23)
انظر تفصيل تسعة أدلة على أن القراءات توقيفية فى رسالة (القراءات دراسات فيها وتحقيقات) ص 204 - 376.
(24)
انظر البرهان للزركشى 2/ 125 طبعة دار المعرفة بيروت بدون تاريخ.
(25)
انظر البرهان السابق 127.
(26)
انظر السابق 125.
(27)
انظر رفع الحاجب لابن السبكى الورقة 128 مخطوط مكتبة الأزهر رقم 455 أصول فقه.
وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعرى وأبو الدرداء (28) وقد حفظوه فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنهم عرضا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة (29).
وقد جمع القرآن غيرهم من الصحابة كمعاذ بن جبل وأبى زيد وسالم مولى أبى حذيفة وعبد الله بن عمر وعتبة بن عامر (30).
وعرض القرآن على بعض من ذكروا السادة أبو هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن السائب والمغيرة بن شهاب المخزومى والأسود بن يزيد النخعى وعلقمة ابن قيس وأبو عبد الرحمن السلمى وأبو العالية الرياحى (31).
ومن لاحظ العصور وأحوال الرجال وجد الحصر للأعداد الكثيرة الناقلين للقرآن الكريم غير ممكن، ووجد الدقة والإتقان وسعة العلم أمرا راسخا يقطع به على تواتر كتاب الله وسلامته، بل وجد عددا يبلغ أضعاف أضعاف ما يطلبون للتواتر من عدد (32).
فهذا هو أبو الدرداء- رضي الله عنه يقرأ عنده نيّف وستمائة وألف، لكل عشرة منهم مقرئ، وكان أبو الدرداء- رضي الله عنه يكون عليهم قائما، وإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبى الدرداء رضي الله عنه (33).
وهذا ابن مسعود يأمر قارئا متعجّلا بالترتيل.
«قال إبراهيم النخعى: قرأ علقمة على عبد الله، فكأنه عجل، فقال: فداك أبى وأمى رتّل، فإنه زين القرآن (34)» . هذا مع أنها عجلة- كما يبدو- لم تصل إلى درجة الإخلال بشيء فى القراءة.
وكان ابن مسعود يقرئ رجلا، فقرأ الرجل:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ (سورة التوبة الآية 60)، مرسلة فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن، فقال: أقرأنيها:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ، فمدها (35).
وعدد من ذكرت من الصحابة أقل من نصف عدد المذكورين فى لطائف الإشارات للقسطلانى، ولم يرد الحصر بل أشار إلى أن هناك غيرهم من الصحابة القراء أيضا (36).
وذكر الذهبى واحدا وعشرين من التابعين القراء وجعلهم الطبقة الثالثة، وهو كغيره لا يريد، ولا يدعى، ولا يمكنه الحصر (37).
ومعلوم أن الإسلام فى امتداد، والقراء فى ازدياد.
وهذه «غاية النهاية» لابن الجزرى، بلغت ترجمات القراء فيها ما يقرب من أربعة آلاف
(28) انظر معرفة القراء الكبار للذهبى 1/ 38.
(29)
انظر السابق 39.
(30)
انظر السابق 39.
(31)
انظر السابق 40 - 41.
(32)
انظر- مثلا- السابق برمته، وهو جزآن.
(33)
انظر السابق 1/ 38 - 39، وغاية النهاية 1/ 6 - 7 إلخ.
(34)
انظر معرفة القراء الكبار 1/ 45.
(35)
أخرجه سعيد بن منصور فى سننه، والطبرانى فى الكبير، وهو حديث حسن، ورجال إسناده ثقات. انظر الإتقان للسيوطى 1/ 96 ط الحلبى- القاهرة.
(36)
انظر لطائف الإشارات للقسطلانى 1/ 50 - 51.
(37)
انظر مقدمة كتابه (معرفة القراء الكبار)، مع ص 51 إلى ص 82 منه الجزء الأول.
ترجمة، فإذا كان هذا عدد القراء المقرئين فكم يكون عدد التلاميذ الحفاظ؟!
وإن لنا أن نعتبر بعدد تلاميذ أبى الدرداء المذكور آنفا، وطائفة قرأت على ابن مسعود (38)، وأولاد جمعهم سيدنا عمر- رضى الله عنه-، فى المكتب، ليحفظوا القرآن (39) وبلوغ عدد التابعين إلى أربعين فى عد «الإتقان» (40)، وأربعة وأربعين فيما نعده فى النشر (41) ونعتبر بالازدياد كما أشرنا، فنعلم أن التواتر والصحة
فى جميع العصور من بدهيات الأمور، ونعلم أن المستقبل على نمط الماضى.
3 -
ولا غرو بعد وضوح هذا الواقع التاريخى للناس، المبين لما أشرنا إليه أن يجمع المسلمون، وتتفق الكلمة على أن القرآن متواتر صحيح يمتاز فى ذلك عن كل ما عداه.
قال فى «تيسير التحرير» : (والقرآن كله متواتر إجماعا)(42).
وذكر ابن أمير الحاج فى «شرح التحرير» :
(أن جميع القرآن متواتر إجماعا)(43).
وقال النويرى: (القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة، منهم الغزالى وصدر الشريعة، وموفق الدين المقدسى وابن مفلح والطوفى، هو: ما نقل بين دفتى المصحف نقلا متواترا. وقال غيرهم: هو الكلام المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر- كما قال ابن الحاجب رحمه الله للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله، والقائلون بالأول لم يحتاجوا للعادة لأن التواتر عندهم جزء من الحد، فلا يتصور ماهية القرآن إلا به. وحينئذ فلا بد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما علمت- بعد الفحص الزائد- وصرح به جماعات لا يحصون كابن عبد البر وابن عطية وابن تيمية والتونسى فى تفسيره، والنووى والسبكى والإسنوى والأذرعى والزركشى والدميرى والشيخ خليل وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم رحمهم الله. وأما القراء فأجمعوا فى أول الزمان على ذلك، وكذلك فى آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكى، وتبعه بعض (44) المتأخرين).
ثم جوّز النويرى أن يكون الإجماع انعقد قبل مكى، بل قال النويرى:(بل هو الراجح لما تقدم من اشتراط الأئمة ذلك، كأبى عمرو بن العلاء وأعلى منه، بل هو الحق الذى لا محيد عنه)(45).
4 -
والعلم الضرورى- من وراء تلك الأدلة النقلية- حاصل والضرورى لا يحتاج إلى دليل
(38) انظر السابق 34.
(39)
انظر عنوان البيان ص 29 لمخلوف ط الأولى 1344 هـ مطبعة المعاهد.
(40)
انظر هذا العدد فى الإتقان 1/ 72 - 73.
(41)
تأمل النشر لابن الجزرى 1/ 8.
(42)
انظر 5 - ج 3/ 12 ط الحلبى 1932 م.
(43)
انظر تقرير التحبير الجزء الثانى. ط القاهرة وغيرها.
(44)
انظر شرح الطيبة للنويرى ظهر 18، ووجه 19 رقم 374 رافعى 26610 قراءات بمكتبة الأزهر (وقد طبع محققا).
(45)
انظر السابق وجه الورقة 20.
- بأن القرآن الكريم مصون، ونقلته يفوقون الحصر.
وفى القرطبى: أنه يعلم على القطع والبتات، أن قراءة القرآن تلقينا متواترة عن كافة المشايخ، جيلا فجيلا، إلى العصر الكريم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (46).
وذكر عبد الجبار أن كون القرآن منقول بالتواتر، معلوم بالضرورة (47).
5 -
والأصل أن القرآن متواتر بتفاصيله وجوبا.
ودليل هذا الأصل: أن القرآن الكريم لكونه كلام الله تعالى ولكونه مشتملا على الأحكام الشرعية ولكونه معجزا، فإنه مما تتوافر الدواعى على نقله بتفاصيله، وتقضى العادة بحفظه، فلا بد من تواتره بتفاصيله.
هكذا قرّر أهل الأصول التواتر (48).
والتفاصيل المتواترة وجوبا- أو التى دلّ الدليل على وجوب تواترها- هى إجمالا:
المتن، والهيئة، وعدم الزيادة، وعدم النقصان، بل يدخلان فى الهيئة.
وقال الغزالى: (حد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتى المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا. ونعنى بالكتاب القرآن المنزّل.
وقيدناه بالمصحف لأن الصحابة بالغوا فى الاحتياط فى نقله، حتى كرهوا التعاشير والنقط، وأمروا بالتجريد كيلا يختلط بالقرآن غيره. «ونقل إلينا متواترا، فنعلم أن المكتوب فى المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأن ما هو خارج عنه ليس منه، إذ يستحيل فى العرف والعادة مع توافر الدواعى على حفظه أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه» . ثم قال: فإن قيل: لم شرطتم التواتر؟.
قلنا: ليحصل العلم به، لأن الحكم بما لا يعلم جهل، وكون الشيء كلام الله تعالى أمر حقيقى ليس بوضعى، حتى يتعلق بظنّنا، فيقال: إذا ظننتم كذا فقد حرمنا عليكم فعلا، أو حلّلنا لكم، فيكون التحريم معلوما عند ظنّنا، ويكون ظنّنا علامة لتعلق التحريم به، لأن التحريم بالوضع، فيمكن الوضع عند الظنّ، وكون الشيء كلام الله تعالى أمر حقيقى، ليس بوضعىّ، فالحكم فيه بالظن جهل) (49).
وقال محب الله، وعبد العلى: (قالوا اتفاقا:
ما نقل آحادا فليس بقرآن قطعا، ولم يعرف فيه خلاف لواحد من أهل المذاهب، واستدل بأن القرآن مما تتوافر الدواعى على نقله، لتضمّنه التحدى، ولأنه أصل الأحكام، باعتبار المعنى والنظم جميعا، حتى تعلق بنظمه أحكام كثيرة، ولأنه يتبرك به فى كل عصر بالقراءة
(46) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 1/ 13 ط الشعب.
(47)
انظر المغنى فى أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار 16/ 156. طبعة دار الكتب المصرية سنة 1960 م.
(48)
راجع إرشاد الفحول للشوكانى ص 30 ط الحلبى.
(49)
انظر المستصفى 1/ 101 ط الأميرية 1324 هـ. وقد نقل صاحب مناهل العرفان معظمه 1/ 424 - 425 ط عيسى الحلبى.