الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفور أو التراخى فى سبب النزول
قد عرفنا- فى أول هذا البحث- مما قاله العلماء فى تعريف سبب النزول أنه: (ما نزلت الآية أو الآيات فى شأنه أيام وقوعه .. ) إلى آخر التعريف، وبينا أنه لكى تعتبر الحادثة سببا للنزول لا بدّ من مزامنتها لعصر نزول القرآن، أو بعبارة أخرى: وقوعها فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وقد اكتفى فى التعريف بهذا القيد.
أما السؤال المطروح هنا فهو: هل ينبغى أن تقوم هذه المعاصرة على تقارب زمنى واضح بين السبب ونزول الآيات فيه؟ أو بتعبير آخر:
هل يشترط نزول الآيات فور حدوث سببها؟
أو يجوز أن يتراخى النزول عن الحدوث زمنا، وهل يتحتم تقدم السبب على النزول؟ أو يجوز تقدم النزول على حدوث السبب، وهل هناك فى أسباب النزول المروية ما يدل لهذه الصور عند وجودها؟
إن الجواب على هذه الأسئلة يتطلب نوعا من التتبع لأسباب النزول، وهذا التتبع يسفر عن عدم التلازم بين وقوع الحادث وفورية النزول، بل قد تنزل الآية أو الآيات فور حدوث السبب، وقد يتأخر النزول زمنا، وكل ذلك يعرف بالقرينة أو بالنص وقد لا يصرح بالفورية أو بالتراخى، ولا تقوم على أى منهما قرينة.
وعليه: فإنه يمكن تقسيم أسباب النزول باعتبار الفورية أو التراخى إلى أقسام:
الأول: ما صرح فيه بنزول الآيات فور حدوث السبب، ومثاله: ما ورد فى سبب نزول قول الله تبارك وتعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ المجادلة/ 1 - 4.
فقد أخرج ابن ماجة (81) عن عروة بن الزبير: قال: «قالت لى عائشة رضى الله تعالى عنها: تبارك الذى وسع سمعه كل شىء، إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علىّ بعضه، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى تقول: يا رسول الله أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبرت سنى، وانقطع ولدى ظاهر منى، اللهم إنى أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبرائيل بهذه الآيات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ» .
ومن أمثلة هذا القسم أيضا: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء/ 85.
فقد أخرج البخارى (82) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «بينا أنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى حرث وهو متكئ على عسيب، إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح: فقال:
ما رابكم إليه- وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه- فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبى صلى الله عليه وسلم فلم يردّ عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى، فلما نزل الوحى قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».
فقد ورد فى سياق هذا الحديث، وحديث عائشة رضى الله تعالى عنها الذى قبله: ما يدل على نزول الآيات فى نفس الموقف أثناء حدوث أسباب النزول ودواعيها.
الثانى: ما صرح فيه بتراخى نزول الآيات عن حدوث سببها، بل وأكثر من ذلك حددت مدة هذا التراخى وذلك كما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ سورة النور/ 11 - 20.
فقد أخرج البخارى (83) عن عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه» . والحديث طويل مفصل، ذكرت فيه أم المؤمنين رضى الله عنها قصة خروجها مع النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة بنى المصطلق، وقصت ما
(81) فى سننه: ك: الطلاق، ب: الظهار، حديث/ 2063.
(82)
سبق تخريج هذا الحديث عند الكلام فى (تعدد أسباب النزول والمنزل واحد) فليراجع.
(83)
فى صحيحه: ك: التفسير، باب: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا حديث/ 4750.
ذكره المنافقون فى شأنها، وما رموها به من حديث الإفك وإشاعة ذلك بين الناس، وأنها لما عرفت الأمر بعد فترة بكت بكاء شديدا، حتى ظن أبواها أن البكاء يفلق كبدها
…
إلى أن قالت: «فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندى منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه فى شأنى» وذكرت ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجابت به، حتى قالت:
«ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النوم رؤيا يبرؤنى الله بها، قالت: فو الله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من البيت حتى أنزل عليه
…
» إلى أن قالت: «وأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ العشر الآيات كلها» .
فقول أم المؤمنين رضى الله عنها: (وقد لبث شهرا لا يوحى إليه فى شأنى) صريح فى تراخى نزول الآيات عن حدوث السبب، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «حكى السهيلى أن بعض المفسرين ذكر أن المدة كانت سبعة وثلاثين يوما، فألغى الكسر فى هذه الرواية.
وعن ابن حزم: أن المدة كانت خمسين يوما أو يزيد، ويجمع بأنها المدة التى كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن فى قصة الإفك، وأما التقييد بالشهر: فهو المدة التى أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر» (84).
ولعل تأخر النزول فى هذه الحادثة- والله أعلم- كان نوعا من الابتلاء لمجتمع المؤمنين، ليمحّص إيمان المؤمنين، ويظهر نفاق الذين فى قلوبهم مرض، وليتم إعداد المؤمنين لتلقى الدرس الذى نزلت به الآيات فى شأن الأعراض وحرمتها، والتشنيع على من ينتهك تلك الحرمة وبيان قبح فعله، وعظيم عقوبته، وذلك يتمثل فى قول الله تعالى ضمن الآيات النازلة: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
كما أن فيه تكريما لأم المؤمنين رضى الله عنها، بنزول براءتها فى القرآن الكريم، مع زيادة أجرها ومثوبتها لما عانته من الأذى فى هذه الفترة العصيبة.
أما نزول آيات الظهار فور وقوع الحدث:
فلعل من حكمته- والله تعالى أعلم- تلبية دواعى التشريع فى هذا الأمر الطارئ، الذى بدت فيه حاجة المرأة الماسة، وظروفها المتمثلة فى: كبر سنها، وضعف ذريتها، وقد تبدى ذلك كله فى مراجعتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما تذكر بعض الروايات، وكما جاء فى نص الآية الكريمة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما الآيات.
(84) فتح البارى: (8/ 475).
الثالث: ما لم يصرح فيه بنزول الآيات فور حدوث السبب أو بتراخى هذا النزول، فهو يحتمل الأمرين معا.
ومثال ذلك: ما ورد فى شأن نزول قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً الفتح/ 24.
فقد أخرج مسلم (85) عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرّة النبى صلى الله عليه وسلم، فأخذهم سلما فاستحياهم، فأنزل الله عز وجل:
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً».
فليس فى لفظ الحديث ما يدل على فورية النزول أو تراخيه، ولكنه على كل حال تم بعد وقوع السبب، هذا هو الشأن فيما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب: أن يتقدم السبب على ما ينزل فيه من الآيات.
ولكن الزركشى رحمه الله تعالى ذكر أنه:
قد يتقدم نزول الآيات على ما نزلت فى شأنه، وذكر أمثلة لذلك فقال:«واعلم أنه قد يكون النزول سابقا على الحكم» وهذا كقوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى الأعلى/ 14.
فإنه يستدل بها على زكاة الفطر، روى البيهقى بسنده: أنها فى زكاة رمضان، ثم أسند مرفوعا نحوه، وقال بعضهم: لا أدرى ما وجه هذا التأويل؟ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة.
(وأجاب البغوى فى تفسيره: بأنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ سورة البلد/ 1، 2. فالسورة مكية وظهر أثر الحل يوم فتح مكة حتى قال عليه السلام:
«أحلت لى ساعة من نهار» (86).
وكذلك نزل بمكة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ القمر/ 45. قال عمر بن الخطاب: «كنت لا أدرى أى الجمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
سيهزم الجمع ويولون الدبر» أ. هـ. كلام الزركشى رحمه الله تعالى (87).
وما ساقه الزركشى هنا- فيما عدا الآية الأولى التى قالوا إنها فى شأن زكاة الفطر- يمكن حمله على أنه من باب الإخبار بالمغيبات التى وقعت كما أخبر القرآن عنها تماما، وذلك من أوجه إعجاز القرآن الكريم.
(85) فى صحيحه: ك: الجهاد، باب قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ حديث 1808.
(86)
المعنى الذى ذكره البغوى فى تفسيره لقول الله تعالى: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ذكره ابن كثير كذلك فى تفسيره فقال: (وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: مكة وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ قال أنت يا محمد: يحل لك أن تقاتل به) تفسير القرآن العظيم (4/ 511) والحديث الذى نقله الزركشى: صحيح أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: العلم، ب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، حديث/ 104 ومسلم فى صحيحه: ك: الحج، باب تحريم القتال فى مكة، حديث/ 1353 واللفظ له عن ابن عباس رضى الله عنهما: عن النبى صلى الله عليه
(87)
البرهان فى علوم القرآن: (1/ 57، 58).