الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من المؤمنِ حيثُ يبلغُ الوُضُوءُ".
وقال أبو الفضل عِياضٌ رحمه الله (1): والناسُ مجتمعون علَى خلافِ هذا، وأن لا يتعدَّى بالوضوءِ حدودَهُ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"فمَنْ زادَ فقدْ تَعَدَّى وظَلَمَ"(2)، والإشراعُ المرويُّ عن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة هو محمولٌ علَى استيعابِ المرفقين والكعبين بالغسلِ، وعبَّرَ عن ذلك بالإشراعِ في العَضُدِ والساق؛ لأنهما مباديهما، وتطويلُ الغرة والتحجيل بالمواظبةِ علَى الوضوءِ، لكل صلاةٍ، وإدامتِهِ، فتطولُ غرتُهُ بتقويةِ نور وجهه، وتحجيلُهُ بتضاعُفِ نورِ أعضائه، انتهَى (3).
الثَّانية:
ذكر بعضُ الشارحين من الشافعيةِ في باب استحباب إطالةِ الغُرة والتحجيل: أنَّ هذه الأحاديث مصرِّحَةٌ باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، قال: وأمَّا دعوَى الإمام أبي الحسن ابن بطَّال المالكي والقاضي عِياضٍ اتفاقَ العلماء علَى أنَّهُ لا تستحبُّ الزيادةُ فوق المرفق والكعب، فباطلةٌ، فكيف تصحُّ دعواهما، وقد ثبتَ فعلُ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي هريرة رضي الله عنه، وهو مذهبُنا لا خلافَ عندنا فيه؛ كما ذكرناه؟ ولو خالفَ فيه مَنْ خالفَ كان محجُوجاً بهذه السننِ الصحيحة الصريحة، وأمَّا احتجاجُهُما بقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ زادَ علَى هذا،
(1) انظر: "إكمال المعلم" له (2/ 44).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
انظر: "المفهم" للقرطبي (1/ 499).
أو نَقَصَ، فقد أساءَ وظلمَ" (1) لا يصحُّ؛ لأنَّ (2) المراد: مَن زادَ في عدد المرات (3).
قلت: وأمّا أصلُ الزيادةِ علَى المرفقينِ والكعبين فثبتَ بالحديثِ عن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لظاهرِ قولِ أبي هريرة وقد فعل ذلك: "هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتوضَّأ".
وأمَّا ما زادَ علَى ذلك ممَّا وقع إلَى المنكبينِ، أو ما يقاربهما، فلم يثبتْ بهذا عن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وتأويلُ القاضي عِياض الإشراعَ المرويَ عن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّهُ محمولٌ علَى استيعابِ المرفقين والكعبين بالغسلِ، فعَبَّرَ عن ذلك بالاشراعِ في العضدِ والساق؛ لأنها مباديهما؛ فإن أرادَ بذلك نفيَ أصلِ الشروع في العَضُدِ والساق، وعدم الزيادة علَى المرفقِ والكعبين، فبعيدٌ مخالفٌ لحقيقةِ اللفظ وظاهرِه، إنْ كان المراد بـ (أشرع) معنى الشروع؛ إما بواسطة، أو بغيرِ واسطة، وإن أرادَ ما زادَ علَى ابتداءِ الشروع؛ كفعل أبي هريرة رضي الله عنه، فلا يثبتُ عن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فعلاً.
واستحبابُ أصلِ الشروع في العضدِ والساق دونَ ما رُوي من التطويلِ الكثير، هو ظاهرُ الحديثِ بعدَ النظر في الإشراعِ ومدلولهِ؛ كما تقدم.
(1) تقدم تخريجه.
(2)
في الأصل: "أن"، والمثبت من "ت".
(3)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (3/ 134).